2025-12-11

٨ ديسمبر ٢٠١٠
قُدم تقرير إخباري في عام 2005 عن معبد شاولين Shaolin، وهو صومعة بوذية في الصين معروفة بفنون القتال، فأشار أحد الرهبان إلى سوء فهم شائع بقوله: “ثمة تصور مغالط عند كثير من الناس وهو أن فنون القتال تتعلق بالشجار والقتل” ونُقل عنه قوله أيضًا: “ولكنها في الواقع تهدف لتطوير الحكمة والذكاء”. [١]
بالتأكيد إن مفهوم الكونغ فو (أو الغونغفو gongfu) معروف لدى كثيرين في الغرب من خلال أفلام فنون القتال فحسب، مثل فيلم “دخول التنين” أو “المعلم الثَّمِل” أو الفيلم الحديث “النمر الجاثم والتنين المخفي” ففي العالم السينمائي ينظر الناس إلى بروس لي وجاكي تشان وجيت لي باعتبارهم “أساتذة في الكونغ فو”.
لكن مثلما أشار الراهب إن الكونغ فو تجسّد ما هو أكثر من القتال، فالكونغ فو في جوهره، هو أي مهارة ناتجة عن التدريب والصقل المستمر، فهناك كونغ فو الرقص، والرسم، والطهي، والكتابة، والتمثيل، وإصدار الأحكام السليمة، والتعامل مع الناس، بل وحتى الحُكم، وفي عهد العائلتين الملكيتين منج وسونج، شاع استخدام مصطلح كونغ فو لدى الكونفوشيين الجدد والطاويين والبوذيين للإشارة إلى فن معيشة الإنسان بالمُجمل، وتحدثوا جميعا وبوضوح عن تعاليمهم بوصفها مدارس متعددة للكونغ فو.
هذا الفهم الواسع للكونغ فو هو مفتاح لإدراك الفلسفة الصينية التقليدية وما يقرّبها أو يباعدها عن التقاليد الفلسفية للغرب (وليس هو المفتاح الوحيد على كل حال) وكما لاحظ كثير من الباحثين، فإن التوجه الغالب على الفلسفة الصينية التقليدية هو الاهتمام بكيفية عيش المرء لحياته عِوضا عن العثور على حقيقة الواقع.
والسؤال المعروف الذي طرحه جوانج زي في القرن الرابع قبل الميلاد: هل كان جوانج زي يحلم بأنه فراشة، أم أن فراشة تحلم بأنها جوانج زي؟، وهو سؤال سبق الواقع الافتراضي و(الماتريكس) بألفي سنة، وكان مصدر إلهام للكونج فو بجانب كونه بحثًا معرفيًا، وبدلاً من أن يقوده الحلم نحو البحث عن اليقين كما حدث مع ديكارت، فإن جوانج زي أدرك أنه قد شهد “تحوّل الأشياء”، في إشارة إلى أن على المرء الانسجام مع هذا التحول، لا أن يحاول عبثًا البحث عن الواقع.
إن دعوة كونفوشيوس إلى “تصويب الأسماء” – أي استخدام الكلمات في مواضعها – هي في جوهرها أسلوبٌ من أساليب الكونغ فو لحماية النظام السياسي والاجتماعي وليست لمجرد البحث عن ماهية الأشياء, فـ” الأسماء” أو الكلمات هي ما يُحدد توقعاتنا تجاه حامليها والطريقة التي ينبغي لهم التصرف بها وأن يعاملوا وفقها، وهذا يقارب ما يدعوه جون أوستن بالوظيفة الأدائية للغة، وبالمثل فإن آراء منشيوس وخصمه اللاحق شونزي عن الطبيعة البشرية ماهي إلا توصيات حيال الطريقة التي ينبغي أن يرى المرء بها نفسه ليصبح إنسانًا أفضل وليست أطروحات ميتافيزيقية حول ما إذا كان البشر أخيارًا بطبيعتهم أم أشرارًا ومع أن تصوّر كلٍّ منهما للطبيعة البشرية يتعارض مع الآخر إلا أن كليهما قد يؤدي دورًا فعّالًا في التقاليد الكونفوشية كطرقٍ مختلفة لتهذيب النفس.
تبدو التعاليم البوذية عن نكران الذات ميتافيزيقية، لكن هدفها الحقيقي هو تحرير الإنسان من المعاناة، فوفقاً للبوذية تنشأ المعاناة أساساً من التعلق بالذات، أما التأملات البوذية فهي ممارسات للكونغ فو تسعى لتفكيك هذا التعلق، وليست مجرد تأملات ذهنية تسعى للوصول لحقائق نظرية.
الوقوع في خطأ اعتبار اللغة الفلسفية الصينية “مرآة للطبيعة” وفق تعبير رتشارد رورتي، يشبه الخلط بين قائمة الطعام menu والطعام نفسه، فجوهر الكونغ فو – أي مختلف الفنون والتعليمات بتهذيب النفس وتدبير الحياة – قد يكون عسير الهضم على من اعتاد نكهة الفلسفة الغربية السائدة وقوامها، ومن المفهوم أن ينفر المرء من النصوص الصينية الكلاسيكية حتى وإن حاول فهمها بجدية، بسبب نقص التعريفات الواضحة للمصطلحات الرئيسية وافتقارها للمحاججات الخطية، وهذا على كل حال ليس نقطة ضعف بل هو جزء جوهري من توجه الكونج فو، ولا يختلف عن طريقة تعلمنا للسباحة بالتركيز على التدريب لا على استيعاب المفاهيم، فلا يُمكن للمرء بلوغ الذكاء المتجسد في فنون كالرقص والتمثيل، إلا من خلال تجاوز الوصف المفاهيمي للواقع.
تتطلب هذه الحساسية إزاء الأسلوب والميول الخفية والرؤية الشاملة بصيرة تماثل تلك التي يحتاجها المرء لتجاوز ما أسماه دريدا مشكلة مركزية اللوغوس في الفلسفة الغربية، وهي حساسية توسع نطاق نظرية المعرفة لتشمل ما هو غير مفهومي، حيث يصبح بلوغ المعرفة مشروطًا بتهذيب القدرات الإدراكية للفرد وليس فقط بما هو “متاح بشكلٍ علني” ومشترك للجميع، كما يكشف هذا الفهم أن تهذيب النفس لا يقتصر على ” معرفة الكيفية” وحدها، فالشخص القدوة قد يمتلك جاذبية فريدة تؤثر في الآخرين لكنه لا يعرف بالضرورة كيف يتم ذلك، وفي فن الكونغ فو يوجد ما وصفه هربرت فينجاريت بالبعد ” السحري” ولكن البُعد الـ “إنساني بامتياز” في حياتنا العملية، وهو بُعدٌ “يتضمن دائما تأثيرات عظيمة تنتج بلا جهد، وبشكل مدهش، وبواسطة قوة خفية وشفافة لا تُقاوم”. [٢]
حاول كل من بيير أيدو ومارثا ناسباوم، جزئياً ونتيجة للحوار الفلسفي المتجاوز للثقافات في زمننا المعاصر، أن يستعيدا المعنى الأصلي للـ “الفلسفة” عبر إيضاح أن فلاسفة الغرب القدماء أمثال سقراط، والرواقيين والأبيقوريين كانوا مهتمين بالفضيلة والرياضة الروحية والممارسات الهادفة للحياة الطيبة أكثر من انشغالهم بالاجتهادات النظرية البحتة. [٣]
من هذه الزاوية، كانت الفلسفة الغربية في بداياتها مشابهة للفلسفة الصينية القديمة، وأهمية هذه الملاحظة لا تكمن فقط في الكشف عن حقائق تاريخية، وإنما في لفت الانتباه إلى بُعدٍ فلسفي طُمس طويلًا بسبب هوس البحث عن الحقيقة الكونية الأبدية، والطريقة التي يُمارس بها هذا البحث، أي من خلال المحاججات العقلية، وحتى حينما يعتبر الفلاسفة أفكارهم أطروحات نظرية خالصة تهدف إلى بلوغ الحقيقة، لم تتوقف تلك الأفكار يوما عن أداء دورها كبوصلة لحياة الإنسان.
تجلّت قوة أفكار التنوير الحديث في صورة المنجزات العظيمة التي شهدناها منذ عصر الحداثة، والمشكلات العميقة التي نواجهها اليوم، حيث تتشكل بواسطة أفكار فلسفية بدت للوهلة الأولى بريئة بما يكفي لأن نثق بها، ومن المفارقات المقلقة، أن ريتشارد رورتي حين شن هجومًا حادًا على الفلسفة العقلانية الحديثة، كان في نفس الوقت مسلّمًا بأن الفلسفة لا يمكن أن تتخذ إلا صيغة البحث عن الحقيقة الموضوعية، لكن رفضه هذا للفلسفة يوقعه في نفس الفخ الذي كان يحذّر الناس منه: أي التعامل مع الأفكار الفلسفية على أنها “مرايا” وليست “رافعات”.
قد يكون من الملائم أن نعدّ منظور الكونغ فو الصيني شكلًا من أشكال البراجماتية، ولعل هذا التقارب هو ما يفسر تقبّل الصين للبراجماتية مطلع القرن الماضي عندما زار جون ديوي البلد، لكن ما يضيفه منظور الكونغ فو للتوجه البراجماتي هو تشديده الواضح على تهذيب النفس وتحوّل الفرد، وهو بعدٌ حاضر في أعمال ديوي ووليم جيمس لكنه كثيرًا ما يُهمَل، فمعلم الكونغ فو لا يكتفي باتخاذ قرارات صائبة واستخدام أدوات فعالة لإشباع رغبات الفرد، بل إن الذات نفسها لا تؤخذ على أنها مُعطى مسلّم به، ففي حين أن الإجراء الفعال لربما كان نتاج قرار عقلاني صائب، فإن الإجراء الجيد في الكونغ فو لا بد أن يكون متجذرًا في كامل كيان الشخص، بما في ذلك ميوله الجسدية وعواطفه، ولا تقاس جودته بنتائجه فقط وإنما عبر الأسلوب الفني الذي يؤدى به، ويُبرز هذا المنظور ما وصفه تشارلز تايلور بـ “الخلفية” ومكوّناتها كالتقاليد والمجتمع، في فهمنا لتكوين معتقدات الفرد ومواقفه، ومن خلال منهج الكونغ فو تكشف الفلسفة الصينية الكلاسيكية عن رؤية شاملة توحّد معًا هذه الأبعاد المتشظية، وبالتالي تدفع المرء و الانتباه لتأثير هذه الطرق بعضها ببعض.
تشترك الكونغ فو في كثير من الرؤى مع أخلاق الفضيلة الأرسطية، التي تركز على تهذيب الفرد بدلا من صياغة قواعد السلوك، لكن بخلاف الأخلاق الأرسطية لا يعتمد نهج الكونغ فو الأخلاقي على الميتافيزيقا لأجل تبريرها، فليس المرء ملزماً بالإيمان بغاية محددة مسبقاً للإنسان كي يحترم التميّز الذي ينتجه الكونج فو، يقود هذا النهج إلى إدراك الوظيفة الإرشادية للتوجه الميتافيزيقي، فمن يتبع الرؤية الميتافيزيقية الأرسطية مثلًا سيبذل جهداً لتنمية ذكائه، أما من يتبنى الميتافيزيقا الكونفشيوسية (العلائقية) سيولي اهتماماً أكبر بتعلم الطقوس التي تنظم العلاقات بين الناس، ويفتح هذا النهج المجال للسماح بوجود تصوّرات متعددة ومتنافسة للتميّز، بما في ذلك الميتافيزيقا أو المعتقدات الدينية التي تُفهم وتوجّه من خلالها، بينما تترك تبريرات هذه المعتقدات للتجارب الإنسانية المعيشة.
لا يلزم من نهج الكونغ فو القول بأن القوة هي الحق، وهذا سبب وجيه للنظر للكونغ فو بوصفه فنًّا، فالفن في نهاية المطاف لا يقاس بمدى هيمنته على السوق، وعلاوة على ذلك فإن وظيفة الفن ليست أن يعكس الواقع بصورة دقيقة، ولا تقيد تعبيراته بالمبادئ الكلية والاستدلال المنطقي، بل يتطلب الفن تهذيب الفنان لنفسه، وتجسيده للفضائل، والإتقان، والمخيلة، والإبداع، فلئن كانت الفلسفة هي “أسلوب حياة” كما يقول بيير أدو، فإن نهج الكونغ فو يلهمنا أن نعتبر الفلسفة سعياً نحو فن الحياة الطيبة، لا مجرد نمط للحياة العقلانية كما ينص التعريف الضيق.
[١] يورك، جيفري. “مواجهة الكليشيهات في موطن الكونج فو”. نُشر في صحيفة ذا غلوب آند ميل. ٣ نوفمبر ٢٠٠٥.
[٢] فنغاريت، هيربرت (١٩٧٢). “كونفوشيوس–الدنيوي بوصفه مقدساً”. نيويورك: هاربر آند رو، ص ٤-٦.
[٣] انظر: هادو، بيار (!٩٩٥). “الفلسفة بوصفها أسلوب حياة”. مالدن، ماساتشوستس: بلاكويل للنشر.
نوسباوم، مارثا (١٩٩٤). “علاج الرغبة: النظرية والممارسة الهلنستية”. برينستون: مطبوعات جامعة برينستون.
الكاتب: أستاذ الفلسفة في جامعة غراند ڤالي ستيت. يشغل حالياً منصب رئيس الجمعية المعنية بالفلسفة الآسيوية والمقارنة، كما يعمل رئيساً لتحرير سلسلة من الكتب حول الفلسفة الصينية والمقارنة. أما أحدث مؤلفاته فهو كتاب “كونفوشيوس: صنع الطريق العظيم”.
المترجم: مؤلف ومترجم سعودي.
المُراجعة: مترجمة حاصلة على ماجستير في دراسات الترجمة من جامعة أدنبرة، متخصصة في ترجمة النصوص الفلسفية، وعضوة في جمعية الفلسفة.
Kung Fu for Philosophers
Peimin Ni
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
