2026-04-19

١٢ نوفمبر ٢٠١٦
قبل أسابيع قليلة كنت جالسا بجوار المسبح في فلوريدا مع أحد المتقاعدين اللطيفين وهو يقف في مياه دافئة ويبتسم بمودة. تبادلنا الحديث أولا عن بلدته بيترسبيرغ وكثرة الرياضيين الأفذاذ الذين أتوا من هناك. سرعان ما تحولت المحادثة إلى فيتنام وتجاربه كأحد المجندين هناك. كنت محرجا لأني نجوت من تلك الغابة والمعمعة الأخلاقية فاكتفيت بالاستماع فقط. كانت البداية قصصا جنونية عن وصوله إلى فيتنام ثم عامت أفكاره في تيار مظلم.
تذكَّر وهو يحرك يديه تحت الماء: “قبضت ذات يوم مبلغا من المال وكنت أقامر وألعب البوكر مع فتى فيتنامي له من العمر أربعة عشر عاما. كان فتى رائعاً. كان يدرس الإنجليزية ويريد أن يصنع لنفسه مستقبلاً! حسناً، لقد تغلب علي بجدارة واستحقاق، واستولى على راتبي بالكامل. كنت في تلك الفترة أثمل بكثرة. التقطت بندقيتي M16 وصوّبتها نحوه مطالبا بإعادة المبلغ كاملا، فأعاد لي المال”.
كل ما استطعت فعله هو أن أومئ برأسي وأخبرته أن كل فعل شنيع ارتكبته كان بسبب الكحول أيضا (ولم أكن محقا بذلك تماما). قال لي، كما لو أنه فاتتني هذه النقطة: “لم أشرب منذ عشرات السنين، ولكن تعرف أنني سأدفع كل شيء كي يكون بمقدوري رؤية ذاك الصبي كبيرا الآن”. كان صوته ممتلئا بالمشاعر وهو يقول: “كنت سأجثو على ركبتيَّ وأطلب منه الصفح. كنت سأقول إنني آمل أن تكون حياته قد كانت طيبة، وأنني آسف”.
تحول، هذا المحنك والمرِح معا، إلى مُحاسِب لنفسه، وأشار إلى كونه اقترف أشياء أكثر سوءا “في ذاك المكان”. رفعت رأسي إلى أعلى وكنت أعتقد أنه يجدر بي الاعتذار له لكونه قادرا وراغبا في الحصول على تأجيل من الجيش لكي يتجنب تلك الآلة المروعة التي مزقت حواسه البريئة.
بعد مدة ليست بالطويلة، وجدت نفسي متيقظا ذات ليلة، أنتظر آلهة النوم أن تهبط، حين زحف عفريت ذكرى لحظة أخرى من الضعف والأنانية من تحت سريري، فجثم على صدري، ولعله همس بسخرية: “أيها يا المعلم للأخلاق، كيف يمكنك أن تثق بنفسك أخلاقياً بعد ما حدث؟”.
بعد ماذا؟
الأفضل ألا أقول شيئا. ليس هذا بأقل من سلطة الخطيئة والتوبة حينما شكك دوستويفسكي بقدرتنا حيال قدرتنا على الاعتراف من دون التبجح أو الاستيلاء على السلطة. كتب ألبير كامو وهو أحد تلاميذ دوستويفسكي رواية “السقوط” وهي كتاب يتناول الذنب والحكم في عصر غُيب فيه الإله والغفران. اعترف بطل رواية كامو وهو القاضي التائب جان بابتيست كلامنس بقوله: “كلما اتهمت نفسي يزداد حقي في اتهامك، بل وأفضل من ذلك، أن أستفزك نحو الحكم على نفسك”.
لعلي أرتكب خطيئة صغرى حين أتراجع عن إذاعة الأمور التي ندمت عليها. في إحدى العبارات الشهيرة والرمزية كتب كيركيجارد: “الذات هي علاقةٌ تُقارِب نفسها إلى نفسها”. شرع كيركيجارد في شرح ذلك مع أمور أخرى، فنحن كائنات نجمع بين الجانبين الزمني والأبدي. نحن من كُلفنا بمهمة مقاربة أنفسنا مع ماضينا ومستقبلنا. إن مضي الأيام بالكاد يمثل مشكلة لنا، لكن التحدي الذي يُشكل هويتنا هو كيفية تفسير الأخطاء الكبرى التي قد تدفع المرء نحو فقدان إيمانه بنفسه.
يرى بعض المفكرين أن الندم عاطفة تُضفي على الإنسان طابعاً إنسانياً. وأشار الفيلسوف الأخلاقي برنارد ويليامز في القرن العشرين أن الحالات التي يؤذي فيها الإنسان شخصا آخر من غير جرم (وضرب مثالا بسائق شاحنة يدهس طفلا) فإننا لانزال نتوقع منه الشعور بالندم. سوف يشعر بثقل الحادثة وبشكل متكاثف أكثر ممن يتفرج على الحادثة. سيحاول الآخرون وفق ما كتبه وليامز تعزيته: “لكن من المهم أن هذا ما سيُنظر إليه كأمر ينبغي القيام به، وبلا شك أن بعضهم سيشعر بالارتياب إزاء السائق الذي يستكين بسهولة نحو الارتياح”.
يرى آخرون، وفق الفهم الشائع، أن الندم حيال حادثة من الماضي هو أمر لا يمكن فعل شيء حياله وهو مضيعة وقت، لاسيما عندما يكون بإمكانك أن تفعل شيئا حياله.
اقتنع فيلسوف القرن السابع عشر باروخ سبينوزا أن الندم والتوبة من المسكرات الخبيثة التي تتداخل مع أفهامنا: إنه لضرب من التهور أن نتجاوز الحدود، ومن التهور أن نجلد ذواتنا على تجاوزنا. اعتقد أنه ينبغي علينا أن نسعى لتفادي الاندفاع والعاطفة وأن يهدينا العقل. وافق نيتشه على ذلك ووصف الندم بكونه “يضيف إلى غباء التصرف الأول غباء ثانيا”.
يُحتمل أن تُقدّم النصيحة للجندي السابق والمضطرب في عصرنا المليء بالجلسات العلاجية: “سامح نفسك!” لكن مسامحة الذات مفهوم خاطئ، الوحيدون الذين يملكون أن يغفروا لنا هم أولئك الذين أخطأنا في حقهم وآذيناهم. حاجج إيفان كرامازوف في رواية دوستويفسكي بأنه ليس حتى للإله حق في يغفر لمن عذّب وقتل الأطفال، فالإله لم بكن هو الذي تعرّض للتعذيب في محصلة الأمر.
لا أملك سلطة أن أغفر لشخصٍ سرقك، ولا أستطيع أن أغفر لنفسي خداعي لشخصٍ آخر. لا يعني ذلك التأييد التام لتعذيب أنفسنا أو الشعور المَرَضي بالذنب. عندما يتحوّل (الأنا الأعلى) إلى كلب مسعور، نفقد الإيمان بأنفسنا وبقدرتنا على تقويم قدرتنا على إصلاح سلوكنا. يمكننا أن نتعلم كيف نترك الأمور تمضي، لكن قبل أن نتركها، علينا أن نسمح للندم بأن يستولي علينا. لعل المعادلة الإنجيلية القديمة هي الأفضل أي التوبة وطلب الغفران بتصميم صادق على الإصلاح.
يأتي الندم على عدة صيغ، هنالك الخطوات المتعثرة والقرارات المهنية الفاشلة. سألت عمي قبل أن يسقط من أعلى الشلالات ويختفي من الوجود ما إذا كان لديه ندم. انعقد حاجباه وشهق بعمق كما لو كان ما سيقوله أمرا صعبا. اعترف بأن الشيء الواحد الذي ندم عليه بعمق هو بيعه لأحد أملاكه بسعر زهيد.
عادة ما يكون الندم الأخلاقي محفوظا في مخزن الذات العميق، وكثيرا ما نحرص على نسيانه، حتى أثناء غرقنا بالندم الزائف. غالبا ما أُبهِج أصدقائي من الرجال بقصة تتعلق بفترة الموسم الجامعي السابق على كرة القدم عندما تشاجرت مع المدرب في ميدان التدريب. ساعدتني هذه الحادثة على إنهاء مشواري المتواضع في ملعب كرة القدم، وأنا نادم على ذلك ضمن هذا السياق، لكن حين أُسرد القصة أكتم ضحكتي كما لو كنت سأقول: “ألم أكن أحد القراصنة في أيامي؟”.
ومثلما اعتقد فرويد وكيركيجارد أنه ينبغي علينا أن نأخذ في الاعتبار الأثر والمزاج اللذين نعبّر من خلالهما عن الفكرة، بغية فهم المعنى الذي تريد الفكرة إيصاله لنا. لم تكن الذكرى التي ترددت في المسبح من مخضرم فيتنام من هذا النوع المتبجح، كانت كبيرة ككرة الشاطئ وتمتلئ أسفا. لقد خلتُ بأنه تحسن فقد رفع رأسه وفكر بتطوير سلوكه بدلا من أن يقرر أن ما كان قد كان، وأنه لن يفكر بالأمر مرة أخرى.
لاحظ كيركيجارد أنك لن تغير الإله حين تصلي له، وإنما تغير نفسك. لعل الأمر نفسه ينطبق على الندم، فلا أستطيع أن أُعيد الزمن إلى الوراء لأمحو أفعالي الماضية، لكن ربما أُغير من أكون من خلال ندمي. كتب هنري ديفيد ثوريو ناصحا: “استثمر ندمك إلى أقصى حد؛ لا تخنق حزنك أبداً، بل اعتنِ به واحتفِ به حتى يكتسب اهتماما مستقلا ومتكاملا. أن تندم بعمق هو أن تحيا من جديد”. وأن تحيا من جديد هو أن تولد أخلاقيا من جديد.
الكاتب: غوردون مارينو أستاذ الفلسفة في كلية سانت أولاف.
المترجم: طريف السليطي مؤلف ومترجم سعودي.
المراجعة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
?What’s the Use of Regret
Gordon Marino
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
