2025-11-16

٢٨ مايو ٢٠٢٠
يجب أن نستيقظ. يمكن للفنانين دق ناقوس الخطر.
منذ أن كتبتُ المسودة الأولى لهذه المقالة في أوائل مارس 2020، انقلب العالم رأسًا على عقب. راجعتُ النص الأصلي، مسترشدة بسؤال واحد: هل للفن أهمية في ظل أزمة عالمية كجائحة كوفيد-19 الحالية؟
من الواضح أن هناك الكثير من الأعمال الفنية غير المهمة. يشمل ذلك الأعمال الصادرة عن برامج الفنون الجامعية التي تُخرّج سنويًا آلاف الخريجين، الذين لا يُدرَّسون إلا للتحدث بلغة غير مفهومة عن قضايا شكلية ومفاهيمية ونظرية لا يهتم بها أو لا يفهمها إلا القليل من الناس. ثم هناك الفن المخصص لسوق عالمية أقنعت الكثيرين بأن سعر بيع القطعة الفنية أهم من محتواها.
ولكن عندما يكون الفن ذا معنى وجوهريًا، يمكن للمشاهدين أن يستنيروا ويُلهَموا ويُمكَّنوا. وهذا يمكن أن يؤدي إلى التغيير، الذي نحن في أمسّ الحاجة إليه.
بدأ تعليمي عن القوة الكامنة للفن في أوائل سبعينيات القرن الماضي، عندما ألقيتُ محاضرة في غراند فوركس، داكوتا الشمالية. لم أكن أفترض مكانة قوية للفن في ذلك المكان. مع ذلك، حضر محاضرتي أكثر من 200 امرأة ورجل. عرضتُ صورًا من سلسلة “سيدات عظيمات”، وهي سلسلة من الصور التجريدية لبعض النساء المهمات والمنسيات في التاريخ، مثل كريستينا السويدية، ملكة القرن السابع عشر وراعية الفنون التي أثّرت تأثيرًا واسعًا في الثقافة الأوروبية. في ذلك الوقت، كانت دراسات المرأة كمجال أكاديمي في بداياتها؛ وقد اكتشفتُ تلك الشخصيات من خلال بحثي الخاص، مدفوعةً برغبةٍ ماسّةٍ في معرفة المزيد عن النساء اللواتي سبقنني وواجهن عقباتٍ كتلك التي واجهتها في مسيرتي المهنية.
بعد محاضرتي فعلتُ أمرًا نادرًا ما يفعله الفنانون حين سألتُ الجمهور عن رأيهم في أعمالي. بعد دقائق، قال أحدهم إن هدفي المعلن، وهو تصوير نساء بارزات في التاريخ، مثيرٌ للاهتمام، لكن لولا شرحي الشفهي لما استطاع الناس فهم أعمالي. كان هذا التفاعل بمثابة اكتشاف ملهم لإيجاد طريقة لجعل صوري أكثر سهولة في الوصول ابتداء من معرض “حفلة العشاء” الذي يمثل تأريخي الرمزي للمرأة في الحضارة الغربية. منذ عرض هذا العمل لأول مرة في عام ١٩٧٩، أخبرني عدد لا يحصى من الناس أن رؤيته غيّرت حياتهم. ولأنني صممتُ صور “حفلة العشاء” بحيث يفهمها جمهور واسع فقد رفضتها المؤسسة الفنية ونبذتها المتاحف. لكن ما حدث بعد ذلك علّمني أن الفن قادر على إلهام الفعل لدى الإنسان.
أطلقت جماعات في جميع أنحاء الولايات المتحدة وكندا وأوروبا، وحتى أستراليا، حركة شعبية هائلة، كما وثّقتها الدكتورة جين غيرهارد في كتابها الصادر عام ٢٠١٣ بعنوان “حفلة العشاء: جودي شيكاغو وقوة النسوية الشعبية، ١٩٧٠-٢٠٠٧”. جمع المشاركون في هذه الحركة التبرعات، وضغطوا على المؤسسات العامة وحتى عندما لم تنجح تلك المحاولات سعى الجميع لإيجاد مساحات بديلة لعرض “حفلة العشاء”. وقد شاهد ملايين الأشخاص عملي نتيجة لهذه الجهود العالمية.
في مشاريع لاحقة، واصلت التركيز على ابتكار فن ذي معنى بأشكال يسهل فهمها على نطاق واسع. وواصلتُ رؤية الناس يتوافدون على معارضي حتى في ظلّ المقاومة النقدية المستمرة.
قد يتساءل المرء عن علاقة هذا كله بالجائحة العالمية التي تُصيبنا بالفن. يكمن الجواب في قدرة الفن على تسليط الضوء على المشاكل التي نواجهها في هذا الوقت العصيب.
لقد ركزت أعمالي الفنية بشكل كبير على معالجة قضايا تتعلق بإساءة استخدام السلطة، بالإضافة إلى استغلال فئات معينة وتهميشها. ركّز معرض “لعبة القوة” على أن الذكورة السامة “تقود العالم إلى الدمار”، كما يوحي عنوان وصور إحدى لوحات السلسلة. أما معرض “مشروع الهولوكوست: من الظلام إلى النور”، الذي صممته مع زوجي، المصور دونالد وودمان، فكان جهدًا لتحذير العالم من نظام الظلم والقمع العالمي الذي أنتج الهولوكوست، والذي وصفته فرجينيا وولف ذات مرة بـ”النظام الأبوي المجنون”.
لا أشير هنا لأعمالي كشكل من أشكال الأنانية، بل أود أن أوضح أنني أحاول استخدام الفن لتثقيف المشاهدين وإلهامهم وتمكينهم من إحداث التغيير. لا يمكن أن يحدث تغيير جوهري إلا إذا ركزنا على أعمال الفنانين الذين تحلوا بالشجاعة لإظهار هويتنا وأعمالنا. فنانون مثل غويا (Goya)، الذي تُعدّ سلسلته الرائعة “كوارث الحرب” تذكيرًا قويًا بأن من لا يُبالون بالأحداث الإنسانية يُعانون من أخطر العواقب. أو كاثي كولفيتز Käthe Kollwitz، التي ينبغي اعتبار صورها الحيّة لآثار الفقر على الطبقات العاملة جزءًا من أي نقاش حول عدم المساواة في الدخل مما يساهم في توضيح المعنى الحقيقي لهذه الكلمات.
يمكن للفن الذي يرفع وعينا بحالة كوكبنا أن يكون أكثر أهمية خاصة في عالمنا اليوم. ومن الأمثلة على ذلك أعمال الفنانة والرسامة المعاصرة سو كو (Sue Coe)، التي تم تجاهل أعمالها حول إساءة معاملة الحيوانات، أو في أحسن الأحوال، تم تهميشها من قبل مجتمع فني يبدو أنه يُفضل اللامعنى على العمل ذي المغزى. كما سعى مشروعي الأخير، “النهاية: تأمل في الموت والانقراض”، إلى لفت الانتباه إلى ما نفعله نحن البشر بالمخلوقات الحسيّة الأخرى على كوكبنا المشترك.
هذا هو نوع الفن الأكثر أهمية في مواجهتنا للقوة المدمرة لفيروس كورونا. كتب الفيلسوف ديفيد بيناتار مؤخرًا في صحيفة نيويورك تايمز أن الوباء هو نتيجة لإساءة معاملتنا الجسيمة للحيوانات. وكما قالت عالمة الرئيسيات جين غودال في مقطع فيديو على يوتيوب تتناول فيه تفشي المرض: “في جميع أنحاء العالم، ندمّر الأماكن التي تعيش فيها الحيوانات من أجل الحصول على مواد لبناء منازلنا ومدننا ولجعل حياتنا أكثر راحة”.
يجب أن نستيقظ. يمنحنا هذا الوباء فرصةً لندرك أن المسارَ الذي سلكناه نحن البشر – المسارَ الذي عجز فيه قادتنا عن مواجهة تغير المناخ، ناهيك عن عكس مساره، أو تغيير طريقة تعاملنا مع إخواننا البشر – سيؤدي إلى دمارٍ لا نهاية له. الفن مهمٌّ إذا استخدم الفنانون مواهبهم لمساعدتنا على إيجاد طريقنا.
الكاتبة: فنانة ومؤلفة وناشطة نسوية ومعلمة.
المترجم: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
المترجم: فيلسوف، عضو جمعية الفلسفة السعودية، من مؤلفاته: ١- الفلسفة بين الفن والأيدلوجيا، ٢- قراءات في الخطاب الفلسفي، ٣- الوجود والوعي، ٤- الهرمنيوطيقا (ترجمة).
?What Does Art Have to Do with the Coronavirus
Judy Chicago
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
