2026-04-30

٢ فبراير ٢٠١٣
حاولت السيطرة على الشعور بالكآبة المرتبط بفصل الشتاء. للفلسفة تاريخ طويل في التعامل مع تجربة الأحوال المضطربة. اهتم القدماء بالأنواع البارزة من الوهن النفسي. بحث ديكارت وكانط ونيتشه، كلٌ على طريقته، في الجانب المظلم من المزاج والطباع. سلّم كيركجارد زمام القول إلى الخوف والارتعاد، وبنى هايدجر تحليلاته الوجودية على القلق، فيما تعمّق سارتر في العدم المحض. يتساءل الفلاسفة عما إذا كان من الممكن أن نشعر بأننا في أمان في هذا العالم، في ضوء تشردنا الأساسي – وهو المأزق الذي اعتبره كثيرون منهم الطبيعة المقتلعة لمسكننا على هذه الأرض. أنا أعتمد على هؤلاء المراقبين في الهاوية ليهبطون بي بأمان، دون الكثير من الأوهام، وليساعدوني بطريقة ما، حتى لو كانت الرحلة حزينة.
تدربت منذ الطفولة على إزالة الفجوات المخيفة والفارغة والممرات الوجودية الكثيفة. لم يكن تعليمي يوماً مزوّداً بمسار سهل العبور [1]. وكما هو شأنُ كلِّ من لم يتجرّد تمامًا من الحسّ الإنساني، ما زلتُ أتعثّر وأعرف الهزيمة. تظلّ الفلسفة دومًا على أهبة الانتباه، فإنها تمدّني بشيءٍ من زادِ المعنى حين أشعر بانكشافٍ بالغ وهشاشةٍ عميقة، حين أرقد بورًا على أرضٍ أنهكها الشتاء.
في كثير من الأحيان، حين تنقلب الأحوال ويشتدّ الخطب، يغدو الفلاسفة صحبةً مؤنسة ومضيافة—على أن هذا لا ينطبق عليهم جميعًا. يتعين على المرء أن يقوم بالفرز والتدقيق والعثور على الطرق الجانبية وتجاوز المتغطرسين منهم الذين يدّعون معرفة كل شيء، وتجاوز كارهي النساء وترك أولئك الذين يزعمون الامتلاك الثابت للحقيقة. بعد هذا الفرز، لا يبقى الكثير منهم ولكن يبقى القلائل ممن يستحقون الإنصات لهم. يظل هؤلاء الفلاسفة القلائل على مقربة من الشعر والموسيقى ويسمحون لأنفسهم بالتعلم من راحة الأدب المذهلة خارج الشبكة المعرفية. هناك أشياء لا يمكننا ببساطة أن نعرفها أو نفهمها. يعيش الأدب في هذا التباطؤ السامي ويطلق فرضيات باذخة، وينعم بالانتهاكات ومآثر عبور الحدود البلاغية. عندما تصبح الفلسفة متواطئة مع مثل هذه الامتدادات من الخيال وتحرر نفسها من عدد معين من القيود، حين ذلك يمكنها أن تقدّم عروضا منعشةً ومؤكدّة للحياة. يمكنها أن تقدّم لك شيئًا حتى ولو كنت في مأزق جدّي، وعلى استعداد لاعتباره ختام لحياتك.
بالطبع اعتاد الناس على اخباري بأن دراسة الفلسفة ذاتها هي التي وضعتني في مأزق، وهذا اتهام لا يمكن انكاره بشكل كامل. ولكن وبعد التأمل، يجب عليّ الاعتقاد بأن الأمر عكس ذلك. أعتبر الفلسفة طوق النجاة الخاص بي. على أية حال، تقوم الفلسفة بالعمل الأساسي وتحضر وجهًا لوجه مع ذخيرتي الأساسية من الضيق: اليأس والاهتزازات وغيرها من علامات الانزعاج التي أصابتني بالضجر من العالم. ارتطام، ارتطام. ومع ذلك، تبدو الكآبة اليوم محددة للغاية. ربما أستطيع استدعاء كبار المفكرين لمساعدتي في التعامل مع الانكماش الداخلي الذي أشعر به، وإحساسي الحالي بالخسارة.
لقد بنت كل فلسفة عرفتها تقريبًا ملاذًا لتجربة الحداد، مهما كان بعيدًا ومجهولًا. في بعض الأحيان يذكر الفيلسوف عن قصد أو بشكل خفي قوة الخسارة، حتى عندما يحاول، مثل نيتشه، التأكيد على كل جوانب الحياة المأساوية وضرورة الحداد على الصداقة المفقودة أو العمليات التدميرية “operations” (والأوبرات أيضاً “operas”) للحب.
لقد نظر أستاذي، جاك دريدا، في أشكال مختلفة من اضطراب الحداد، أي الصعوبة التي نواجهها في التخلي عن شيء محبوب أو موقف شهواني. يقول فرويد إننا ندخل في حالة حداد على المُثُل أو الشخصيات المفقودة، والتي تشمل الأشخاص أو حتى بلدك عندما يخذلك. الخسارة التي لا يمكن استيعابها أو التعامل معها تخلق جيوبًا من المقاومة في النفس. قد يتحد مع المرء شخصًا شبحيًا آخر، مما يُبقي الآخر حيًا وميتًا، أو قد يقع المرء في حالات من الكآبة، غير قادر على المضي قدمًا، محاصرًا في طاقات عالم يتقلص باستمرار.
العديد من المواضيع في الأفلام تعبّر عن الحداد الفاشل، والعلاقة بالموت التي تخترع السكّان الموتى الأحياء، مثل مصاصيّ الدماء والزومبي والأقزام وربّات البيوت الحقيقيات في بيفرلي هيلز. كثيرًا ما يتم تشجعينا في أمريكا على “التخلي” و “المضي قدمًا” و “التغلب على الأمور” وحتى “الانشغال بالحياة” وهي عبارات تشير إلى عدم التسامح العامّ مع حالات الحداد المطوّلة. ومع ذلك فإن الوتيرة المتسارعة للتخلي عن الأشياء قد تعني أننا لم نتخل عنها، وأننا مسكونون ومطاردون بجوانب الخسارة التي لم تهضم بعد. في أعمال فرويد، تم ضبط الموقت لمدة عامين من الحداد المناسب. عندما يحاول هاملت تمديد هذا الموعد النهائي، يُهدد المنزل بأكمله بالانهيار، وينصحه كلوديوس بالتغلب على نفسه. يُطلق على عدم القدرة على الحداد أو ترك الأمر أحيانًا اسم الكآبة. لقد انزلق الكثير منا إلى حالات الاكتئاب السوداوي لسبب أو لآخر، لا يمكن للمرء دائمًا أن يثبت الشيء الذي فقده أو الذي يسبب له الألم.
بالنسبة لدريدا، تنطوي الكآبة على موقف أخلاقي، وعلاقة بالخسارة في نمط اليقظة وإعادة التناغم المستمر. ليس عليك أن تعرف أو تفهم معنى الخسارة والنطاق الكامل لعواقبها المدمرة، لكنك تقف إلى جانبها بطريقة أو بأخرى، وتميل إلى الفراغ المستنزف. يتطلب الأمر شجاعة لمقاومة إغراء الهروب أو تشتيت انتباه المرء. صناعات بأكلمها تقف على أهبة الاستعداد لتشتيت انتباه الحزين الذي لا عزاء له.
سأرى إن كان في وسعي أن أظلّ يقِظة الذهن؛ فلعلّ من الممكن أن أُبصر من علوّ تضاريس حزني المتراكمة.
في الواقع، أعتقد أنني، مثل العديد من سكّان نيويورك، أعاني من تأخر الاستجابة لإعصار ساندي. أو أنه، وهو ما يغمر نفسي باستمرار، يستمر في العودة. لا أرى أي انحراف عن تأثيرات ساندي، التي يظل بعضها حقيقيًا جدًا في المناطق المجاورة.
لذا. أنا أتسلق ببطء للخروج من طوفان عام ٢٠١٢ مثل فلم كائن المستنقع The Swamp Thing. لكي أجفف وأتأمل ما حدث الخريف الماضي في نيويورك، كان عليّ أن أُخرج نفسي من المبنى، وأستسلم لموقف التأمل من موقع مدنيّ آخر. بعيدًا عن المركز والفوز، قررت أن أذهب إلى باريس لأشهد فيها دخول العام الجديد. كانت نيتي هي مقابلة أصدقائي وزملائي وإعادة تشغيل نفسي، وإعداد العائد المتوقع من المشاريع للعام الجديد والتطلّع إلى القادم و المنقضي في حالة من تجميع الذات.
وهكذا وصلت باريس للترحيب بعامنا الجديد، قطرة قطرة.
عند وصولي إلى مطار شارل ديجول قبل أيام قليلة من عيد الميلاد، هبطت بصعوبة، من الناحية العاطفية. لم يكن ذلك بسبب الطقس فحسب، على الرغم من أن الطقس، وهو الحافة المتقلبة للمناخ، بدا مستعدًا بلا هوادة لإرباكي. لكن لم يكن الجو الكئيب ولا قطرات المطر ما أصابني بالإحباط، بل تراكم لأنظمة طقس داخلية وضغوط مختلفة كان عليّ أن أفهمها. نعم، ربما يمكنني أن أعيّن متنبئًا للطقس الخاص بي ليقرأ لي ضباب خمول العقل.
نعم! يوهان فولفغانغ فون غوته لم يكن مجرد شاعر وأديب، بل كان أيضًا مفتونًا بالعلوم الطبيعية، بما في ذلك علم الأرصاد الجوية. لقد أسهم في دراسة الطقس وربط الظواهر الجوية بالملاحظات العلمية، مما جعل منه أحد أوائل من فكروا في توقع الأحوال الجوية بطريقة ممنهجة.
كنت أدرس الطقس والبدايات الفاضحة لتنبؤاته. هل تعرف من أنشأ أول مركز للتنبؤات الجوية؟ إنها شخصيتي المفضلة، غوته. في القرن الثامن عشر، كانت فكرة فهم الطقس تنافس امتيازات الآلهة. فقد كان يُعتقد أن البشر لا ينبغي لهم الوصول إلى مثل هذه التكتلات غير المادية. وحدهم الآلهة والشعراء كان ينبغي لهم محاولة استشراف أحوال الطقس.
مثل التنبؤ بأحوال الطقس، أثبت مزاجي بأنه غير قابل للتنبؤ. بينما كنت منهكة ومضطربة بعد فصل دراسي مرهق، كنت أزحف في أرجاء باريس لأيام، أبحث عن أي إشارة تدل على أنني سأتمكن من النجاة من العطلات. لكن الإشارة تأخرت كثيرًا في الظهور. كانت آلامي تتوقف مؤقتًا عندما ألتقي بأصدقائي وعائلاتي البديلة، ولكن ما إن يتركونني بعد غداء أو نزهة بعد الظهر، حتى أعود للدوران وحدي في دوامة من العذاب، وأشعر كأن معدتي تتهاوى: “عيد ميلاد سعيد، سعيد، سعيد”. أعلم أنني لست الوحيدة، فمن ذا الذي لا يأتي مزودًا بوسادة صدمات لمواجهة الأعياد العائلية؟ وهكذا أتعثر. لكن هذا العام كان مختلفًا من حيث الكآبة الموسمية، ما يجعلني أتساءل: لماذا؟
يبدو الأمر بعيدًا. لكن ساندي لا تزال تعود، لتعصف في معدتي: موطن القلق، حيث تظهر الأحداث بحدة لا تلين. أعلم أن أجزاء كبيرة من عالمنا تعيش باستمرار على حافة الكارثة، في انتظار المحنة التالية، الخطوة القادمة التي تمليها عداوة غامضة – أفكر في الأصدقاء في هاييتي وماليزيا، أولئك الذين يحاولون التمسك في أماكن نادرًا ما تخلو من الكوارث أو تقي من الزلازل. لن أنسى أبدًا ذلك اليوم في خريف عام ١٩٨٩ في بيركلي، عندما ألقى فيليب لاكو-لابارت وجان-لوك نانسي أول ندوة لهما معًا، فاهتز المبنى وارتجّت الأرض وتلونت وجوهنا بدرجات مختلفة من اللون الأخضر. كنتُ ثابتة على نحو غريب بينما بدأت الأشياء والناس من حولي في الانهيار. كنتُ أتباهى بكوني محاربة قوية قادرة على الثبات بينما ينهار كل شيء، مستندة إلى العذاب، سواء كان يضرب من الخارج أو يعصف داخليًا. كنتُ منيعة ضد الزلازل، هكذا كنت أخبر نفسي.
تزداد مقاومة مبنًا ما في منطقة خليج سان فرانسيسكو مقاومًا للزلازل عندما يحتوي على شقوق مدمجة وفجوات مقصودة. فالصلابة المعيارية، أو بالأحرى الجمود، تُعد خطرًا قاتلاً، لأنك إن كنت صلباً أكثر من اللازم، ستُكسر، ستنهار. تماما كما حدث لمركز التجارة العالمي—كان ضخمًا جدًا، قويًا جدًا من الناحية المعمارية.
عندما تصبح الهشاشة جزءًا من مفهوم ثبات المبنى، يمكنه التأرجح والتكيّف كآلية بقاء خاصة به. “عمارة الألم” هذه كما يقول المحلل النفسي جاك لاكان في سياق مختلف تمامًا، كانت نموذجي لفترة طويلة، نموذجًا أحاول إعادة بنائه اليوم، مع فسحة كافية لشروخ متعاقبة ونقاط ضعف مقصودة، تعزز جانبًا من مرونتي النفسية.
كان أحد الجوانب المميزة لزلزال بيركلي أنك لم تكن تستطيع التمييز بين ما إذا كان الزلزال يحدث داخلك أم في الخارج. بدأ الاضطراب المفاجئ وكأنه نشأ من داخل الجسد نفسه. ولم يتسع إحساس الانهيار إلى الخارج إلا عندما نظر المرء من النافذة ورأى المباني تتمايل. كانت تلك النوبات المتقطعة والاندفاعات الأرضية تعمل مثل إدراك فرويد الداخلي النفسي: هل كان هذا مجرد إسقاط لاضطراب داخلي أو غضب مكبوت؟ أم أننا تراجعنا إلى شريعة توراتية، نعاقب على خطيئة جماعية؟
لأن إحدى شخصياتي هي شخصية المعلم، فإنني غالبًا ما أرغب في تحضير شيء أقوله للطلاب عندما تقع ما يُسمى بالكوارث الطبيعية. في وقت الزلزال، لجأتُ إلى كانتْ وتتبعت ما حدث للفلسفة وداخلها، انطلاقًا من تخوم الأدب، كنتيجة لزلزال لشبونة عام ١٧٥٥. لقد اهتز الجميع وبطرق مختلفة، لم نتوقف عن الارتجاف منذ ذلك الحين.
عند غوته، أصبحت الطبيعة مشوّهة بلا رجعة: شيطانية ومتجمدة بعدم اكتراثها بالوجود الإنساني، وصارت خصمًا لا يُقهر.
أما مع فيضان نيويورك، فقد عدتُ إلى فرويد والمواقف البدائية تجاه الظواهر الجوية العنيفة، في محاولة لفهم ذلك الذي يباغتك ويجرفك ويلقي بك نحو جدار جديد من التجربة.
أولاً، كان عليّ أن أفكّك بشكل نقدي أي فكرة عن “كارثة طبيعية” في زمننا هذا، وفي طريقتنا في الدوس على هذا الكوكب، بصمة كربونية تلو الأخرى. أنا لا أؤمن بـ”الكوارث الطبيعية”، بل فقط بتبعات فشل الإنسان في وصايته على الأرض، إذ مهّدت لها سياط التلوث المستمرة، واستنزاف الكوكب وفساده—القائمة المعتادة من التهور التاريخي.
على مستوى أكثر محلية وشخصية، كنت بحاجة إلى التأمل في إخفاقاتي المؤسفة: لقد اهتزت ثقتي بنفسي حين رأيت انهيار ذاتي المحاربة، حين فقدتُ في أسوأ لحظات العاصفة أي إحساس بالمسؤولية الاجتماعية، واستسلمت تمامًا، انعزلت، شعرتُ بعدم الأمان. بقيتُ محاصرة في قلق حاد بشأن انقطاعي الإلكتروني. كل ما استطعت فعله هو نشر إحساسي الخاص بالانكشاف وانعدام الحماية.
من الآن فصاعدًا، قلتُ لنفسي، سأتبنّى توجيه غاندي: “كن التغيير الذي تريد أن تراه في العالم.” بدلًا من الانهيار والارتجاف، والعزلة، وانتظار من ينقذني، سأكون أنا من يصل إلى الموقع، “المستجيب الأول”، المستعدّ لتحمّل المسؤولية، لتقديم عروض مسرح الشارع، للاطمئنان على جيراني المنعزلين، لتحضير وجبات مبتكرة وتوصيلها إليهم. أحيانًا عليك أن تتحوّل إلى حيوان كي تكون شجاعًا ومطمئنًا، أن تقفز بمرح أو تظلّ ثابتًا. وهكذا، في الآونة الأخيرة، استُدعيَ كلاب الغولدن ريتريفر واللابرادور لزيارة مواقع الصدمات وجلب نوع من الثبات المهدّئ، رسائل من عالم آخر.
لا يزال كثير من الناس متأثرين بالعاصفة وبهزاتها الارتدادية غير المرئية. لقد كانوا وما زالوا عالقين، وأنا نفسي كنتُ متيبّسة نفسيًا، غير قادرة على الاستسلام أو الفعل، طاقتي محبوسة. لمدّة سبعة أيام تقريبًا، استحقت مانهاتن السفلى، وفقًا للفيلسوف المقيم لدينا جون ستيوارت، لقب “كوريا الشمالية الصغيرة.” كنا مذهولين من فقدان إحساسنا بـ”نيويورك، نيويورك”، من رؤية انطفاء مساراتها المعتادة وإيقاعاتها الصارمة.
عندما يستعرض فرويد موقف ما يُسمى بالشعوب البدائية تجاه الكوارث التي تقذفها الطبيعة أو الآلهة، يشير إلى إحساسها بالفشل. فالاضطراب الطبيعي، الذي يطلق العنان لما يشبه القوى الخارقة، يُفهم على أنه رسالة مرسلة من الأعلى. في معظم الأحيان، يكون شكلًا من أشكال الردّ، اتهامًا ضمنيًا. لقد وُصفت ساندي مرارًا بأنها “عاصفة خارقة”، وكأن الإنسانية استدعتها على نفسها استجابةً لأفعال طائشة لاذعة. من أمثلة فرويد حالات الحداد الفاشلة—على العدو. فقد اعتقدت الشعوب البدائية أن العواصف تأتي لمعاقبة من فشلوا في تكريم أو دفن أعدائهم بالشكل اللائق.
أحاول استرجاع حروبنا الأخيرة، سواء في أفغانستان أو في شوارع الأحياء الفقيرة والعيادات الهشة المحيطة بها. أحاول قياس مدى تورّط كل مواطن، ولو بشكل غير مباشر، في شنّ هذه الاعتداءات وغيرها. قد يبدو هذا ضربًا من الخيال العلمي أكثر منه علمًا. لكن هل يمكن للأنظمة الجوية المختلّة جذريًا أن تبلّغنا، ولو على مستوى غير واعٍ، أننا متورطون في خطايا على مستوى عالمي؟
بطريقة شكسبيرية، أواصل تأطير مثل هذه الملاحظات بالامتناع بأن: “لا، لا يمكن توجيه مثل هذا اللوم إلينا.” فأنا أيضًا ابنة للعصر العلمي وأدرك تداعيات الاحتباس الحراري.
ومع ذلك، هل كانت العاصفة الخارقة نداءً من مكان آخر؟ تذكيرٌ بالتخلص المجرّد من كل زوائده من قوات العدو أو من مجازاته، و بقائمة من الاعتداءات الفجّة التي ارتدت إلينا نحن، المشرّدين على مستوى العالم؟ لست أدري أأصبت نبض روح العالم الهيجلية، تلك الروح الكونية الهادية، غير أنّ شيئًا في كآبتي الخاصة جداً، بطابعها الفريد والمخصوص، ينبع من وطأة ظلم مستمر، وعن إهانة تُرتكب باسمي، وقد تمسّ جميع الأميركيين، على مستوى ما من مستويات الوعي، بدرجة أو بأخرى.
[1] تستخدم الكاتبة مصطلح E-ZPass للإحالة على نظام الإلكتروني الخاص بجمع رسوم المرور الذي يستخدم على الطرق ذات الرسوم والجسور والأنفاق في أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة. الشاهد أنه يسهّل العبور على الطريق.
الكاتبة: أستاذة جامعية في العلوم الإنسانية في جامعة نيويورك، حيث تشارك في إدارة برنامج متعدد التخصصات حول الصدمات والعنف. وهي مؤلفة العديد من الكتب، بما في ذلك “دليل الهاتف: التكنولوجيا والفصام والكلام الكهربائي”، وآخر مؤلفاتها “أبناء الخاسرين: السياسة والسلطة”.
المترجمة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
المراجع: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
Stormy Weather: Blues in Winter
Avital Ronell
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
