2026-04-02

٢٥ يونيو ٢٠١٩
أجبرتني إصابة دماغية رضيّة خفيفة على التساؤل: أين يكمن حقاً “الأنا” في هويتي؟
في يناير/كانون الثاني 2018، بينما كنت أرافق ابنتي في رحلة التزلج على الجليد الخاصة بمدرستها، فقد صبي قوي من الصف الثالث السيطرة وانزلق نحوي من الخلف على ركبتيه. كان بمثابة قذيفة بالحجم المناسب لتُسقطني من على زلاّجتي وترسلني متدحرجة إلى الخلف فوق الجليد، حيث سقطت على رأسي. وهكذا بدأ انحداري غير المشرّف إلى أن أصبحت فيلسوفة في حالة راحة دماغية.
عندما استيقظت، لم أكن على طبيعتي المعتادة. شعرت بالارتباك وعدم القدرة على تذكر عنواني أو تاريخ اليوم، فنُقلت إلى قسم الطوارئ، حيث فُحصت وقيل لي أن لدي إصابة في الرقبة وارتجاج في الدماغ. وجدت المصطلح الطبية لحالتي، “إصابة دماغية رضيّة خفيفة”، مربكاً ومثيراً للسخرية في آن معاً. كان مربكاً لأنني لست متأكدة كيف يمكن لشيء أن يكون “خفيفاً” و “رضيّاً” في نفس الوقت. وكان مضحكا لنفس السبب.
أكدت لي الطبيبة الأنيقة، أنني سأتوقف عن البكاء دون سبب واضح قريباً جداً، وأن كل ما كان علي فعله لتسريع شفائي هو الالتزام بـ “راحة الدماغ” – أي عدم القراءة أو الكتابة أو النظر إلى الشاشات أو التفكير المضني حتى أتمكن من الحفاظ على التركيز دون صداع أو أعراض الإصابة الأخرى. كان الوقت المتوقع للتعافي ثلاثة أشهر. في هذه المرحلة سألتني بلا مبالاة عما أفعله من أجل لقمة العيش. فأجبتها: “أنا فيلسوفة”، وأنا متأكدة تماماً من أنها مثلي ترى الأمر مثيراً للضحك.
أن تكون فيلسوفاً يعيش فترة راحة من دماغه يشبه أن تكون لاعب سلة وتريح يدك في ذات الوقت. الأصل الرئيس لمهنتك، فجأة لا يعمل بشكل موثوق. لقد ندمت في كثير من الأحيان على حقيقة أن وظيفتي كأستاذة للفلسفة تحصرني كثيراً في كرسي ومكتب. تمنيت أن تتضمن الفلسفة المزيد من تمارين الجمباز، والمشي العنيف، والجري في الهواء الطلق. لكن مع الارتجاج، وجدت نفسي قد تحررت فجأة من الالتزام المهني بالتفكير. بل لقد حصلت على إجازة من الطبيبة.
للأسف لم أكن في حالة تسمح لي بالركض، ومع غياب صفاء الذهن أصبحت المشي والحركة اليومية أكثر صعوبة وأقل متعة من ذي قبل. وكانت “راحة الدماغ” في حد ذاتها بعيدة المنال، حيث بدا لي أنني غير قادرة على إيقاف التفكير. لم يكن هناك مخروط وقائي يمنع حك الموضع المصاب، ولا جبيرة تُبقي الدماغ ساكناً. وربما بشكل متوقع، دفعتني راحة الدماغ إلى مزيد من التفكير في طبيعة التفكير ذاته.
كان أحد الجوانب الأكثر إثارة للقلق في الأيام والأسابيع التالية لإصابتي بالارتجاج هو الدرجة التي وجدت بها نفسي مفقودة. لقد شعرت بالسوء من نواحٍ عديدة، لكن الفجوة العميقة في هويتي كانت بسبب افتقاري إلى القدرة الأساسية على التذكر، والتحدي المتمثل في تنفيذ خطوات ذهنية كانت بسيطة في السابق. كنت أتحرك دون أي صعوبة واضحة، لكن رأسي كان مثل السندان ودماغي كان يشعر بالدوار. لقد جعلني أتساءل من جديد إلى أي مدى أتطابق مع دماغي.
منذ أن أصر ديكارت على الفصل بين العقل والجسد، حاول الفلاسفة (وخاصة الفلاسفة النسويين) إقناعنا بضرورة الاهتمام بالجسد. لقد اعتقد ديكارت أن العقل هو الجانب الإلهي الذي لا يقبل الشك في كيانه، ونقطة اليقين الوحيدة التي يمكن عليها إعادة بناء عالمه المتداعي: “أنا أفكر، إذاً أنا موجود”.
تذكرنا نظرية ديكارت للعقل بنظرية أفلاطون عن الروح باعتبارها الجزء الخالد والأساسي وغير القابل للتدمير من الإنسان، والجسد عبارة عن سجن أو قوقعة مؤقتة. غالباً ما يتم السخرية من ثنائية العقل والجسد في الفلسفة المعاصرة باعتبارها إرثاً من التفكير الميتافيزيقي والأبوي والغربي العنيد. تبالغ الثنائية في تبسيط قيمة كل من العقل والجسد وتؤدي إلى التقليل من قيمة الطرق النفسية المتجسدة التي تعيش بها الكائنات في العالم. لا يعتقد أي فيلسوف أو عالم أعصاب جاد اليوم أنه يمكن تحليل العقل والجسد بدقة إلى شيئين أو نظامين منفصلين بشكل واضح.
لكن الارتجاج الدماغي طريقة في تغيير إحساس المرء بالتوازن بين العقل والجسد. فشيءٌ أن تُصاب في ذراعك أو في بطنك، وشيءٌ مختلف تماماً أن تُصاب في دماغك. إن هذه الثنائية مرعبة جزئياً لأن فصل العقل عن الجسد يوحي بإمكانية شك راديكالي، كفكرة “الأدمغة في أوعية” وما شابه ذلك أشباح الحياة المنفصلة على غرار فلم مايتركس The Matrix. إن مثل هذه النسخ الحديثة من الشك الديكارتي تطلب منا أن نتخيل العالم الخارجي بأكمله باعتباره وهماً أو خدعةً معقدةً من “عبقرية شريرة”. فماذا لو كنا مجرد أدمغة موصولة بنظام واقعٍ افتراضي متقن؟
لقد مر وقت طويل منذ أن أخذت أياً من هذه الصور على محمل الجد. ويبدو أنه من السهل تجاهلها عندما تكون صحة المرء جيدة. وعندما تكون الأمور على خلاف ذلك، فإن الثنائية تأخذ بعداً جديداً. سلطت إصابة دماغي الضوء على مدى ارتباط هويتي وقدرتي على التعرّف بموضع محدد في دماغي. كانت حالة الارتجاج بمثابة إشارة إلى مدى الرعب ومعاناة الخرف وغيره من اضطرابات الدماغ. إنه فقدان للخيط الذي ربط أجزاء حياة المرء معاً وربطها بحياة من يحبهم. في حالتي، كان الفقد مؤقتاً، لكنها كانت المرة الأولى التي أشعر فيها بهذا الوضوح بجهود التفكير، وأشعر بالدماغ كعضلة، وأشعر بالاكتئاب الذي يصاحب الشعور بفقدان الذات.
لم أتمكن من إراحة ذهني، وكنت أفكر في اللاعبين في اتحاد كرة القدم الأميركي والفقد التدريجي للهوية والكفاءة العقلية الشائعة لدى أولئك الذين يعانون من ارتجاجات متتالية والاعتلال الدماغي الرضحي المزمن. فكرت في الذاكرة والوِحدة الناجمة عن عدم القدرة على تذكر الأسماء والأماكن التي تمثل علامات الطريق للحياة الجماعية. فكرت في تلك المرأة المسنة المصابة بمرض الزهايمر والتي كنت أساعد في رعايتها عندما كنت في المرحلة الثانوية. كنت أصل كل صباح إلى بابها، فلا تستقبلني إلا بالنظرة نفسها المندهشة والسؤال ذاته: “من أنتِ؟”.
وعلى الرغم من أن حالتي كانت عابرة، إلا أنها سلطت الضوء على الدرجة التي يعمل بها الدماغ كمركز راسخ للتحكم. لعدة أشهر، رافق عدم اليقين كل تحركاتي. وفي الأيام التي أعقبت الارتجاج مباشرة، استجمعت كل طاقتي لقراءة عدة صفحات لابنتي من كتاب قصص دانييل تايجر (ضد أوامر طبيبي)، لكنني فشلت في الوصول إلى نهاية القصة. شعرت بالحرج والإحباط. تذكرت جدي، في وقت متأخر من حياته، وهو يصف عقله الفاشل بأنه مكتبة حيث وُضعت جميع الكتب على الرفوف في مكان مرتفع للغاية بحيث لا يمكن الوصول إليها.
ومع مرور الوقت، هدأت عني الأعراض. عدتُ إلى القراءة مرة أخرى – ليس فقط لدانيال تايجر، بل لهنري بيرغسون وتوني موريسون – وفي النهاية بدأت بالكتابة. ولكن كيف يمكن للمرء أن يعرف متى شفي دماغه؟ لست متأكدة أين تُقيم هويتي، ولا حتى ما هي هذه الهوية أو ممّ تتكون، لكنني متأكدة من أن دماغي يلعب دوراً حاسماً في الاستمرار في تنسيق عالم يبدو قابلاً للسكن وحياة تبدو قابلة للعيش. لا يمكن فصل الدماغ عن الجسد، ومع ذلك تمرّ لحظات يختّل فيها انسجامهما، فيكون أحدهما مجروحاً ومُنهكاً، بينما يعرض الآخر صورة عن الصحة والقدرة.
يميل الفلاسفة إلى أن يكونوا مرضى سيئين. وأنا متأكدة تماماً من أنني بكثرة تفكيري في “راحة الدماغ”، قمت بإطالة زمن تعافيّ. كما أظن أن انشغالي بالتفكير في دماغي نفسه، وفي شبح الثنائية، هي من أعراض الإصابة نفسها. ربما حين أتعافى تماماً، ستبدو الثنائية سخيفة كما كانت من قبل، حيث تتراجع إلى الخلفية شأنها شأن الجهد العضلي المطلوب للقراءة. لكني أشك أنني تغيرت.
على الجانب المشرق، كانت الفلسفة حاضرة بإلحاح في حياتي بوصفي إنسانة مفكّرة، وكان قليل من “راحة الدماغ” مستحقاً منذ زمن. لا شك أن على الفلاسفة ألا ينسوا، وأن يصروا على كرامة الحياة المتجسدة وتعقيدها. وعلينا أن نعتني بأجسادنا، وأن نعتني بلياقتنا وصحتنا النفسية-الجسدية، وعلينا أيضاً أن نعتني بأدمغتنا. كنت أتمنى لو أن أحداً أخبرني بذلك منذ فترة طويلة، وأن يتضمن تعليمي الفلسفي جرعات أكثر واقعية من الراحة لذلك للعضو الأساسي في التفكير. هذا لا يعني أنه كان سيمنع وقوع الإصابة، لكن كان من الممكن أن يعدّني بشكل أفضل لعملية التعافي.
الآن بعد مرور أكثر من عام على إصابتي، أنا ممتنة للدونة العصبية. كما أنني أصبحت أكثر وعياً بالفرق بين ظاهرة النسيان اليومي المعتاد وبين الفراغات التي تتسلّل كالمادة المظلمة داخل دماغ تتخلّله فجوات. أتذكر التاريخ، وعنواني، وأسماء أطفالي عن قصد، كأنني أثبّتها في مكانها مثل أحجارٍ كريمة في خاتم. وأدرك أن الراحة والتعافي معقّدان ومتعرّجان بقدر تعقيد الفكر نفسه.
الكاتبة: أستاذة مشاركة في الفلسفة والفن في جامعة ستوني بروك ومؤلفة كتاب: “Levinas and James: Toward a Pragmatic Phenomenology”.
المترجم: كاتب ومترجم سعودي.
المراجع: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
A Philosopher On Brain Rest
Megan Craig
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
