2026-02-07

٢٥ فبراير ٢٠١٩
يمكن للصور أن تزيف الواقع مثلما يمكنها أن تصوّره بدقة، يمكنها التضليل، مثلما يمكنها الإلهام.
من السمات المميزة لسياسة اليوم أنها تبدو وكأنها تركز على الصراعات حول التمثيل، بقدر ما تدور حول الموارد المادية أو السلطة السياسية الملموسة. بالنسبة للعديد من الأشخاص الناشطين في السياسة، وخاصة اليساريين، فإن القضية الأساسية هي كيف وبواسطة من سيتم تصوير أعضاء المجموعات المهمشة في الأفلام والتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي والفن. ما يذهلني هو أن المناقشات العامة حول مثل هذه الأمور أكبر بكثير من تلك التي تتناول سياسة التعليم على سبيل المثال.
أصبحت عروض الجوائز، مثل حفل توزيع جوائز الأوسكار ليلة الأحد، ساحات معركة مركزية في حروب التمثيل، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن لديها جماهير كبيرة وترمز إلى الثقافة “السائدة”: فالفوز بجائزة غرامي أو جائزة الأوسكار يشير إلى كسب نوع معين من العملة الثقافية. وبالتالي، تتم قراءة العروض على أنها كبسولات للثقافة بأكملها، ويتم تقييم كل جانب من جوانب العرض من الناحية الديموغرافية – بدءاً من المرشحين والفائزين، والمقدمين وفناني الأداء، والخطب والجمهور في القاعة، وصولاً إلى حذاء كاتي بيري[1].
وفقاً لهذه المعايير، بدأت حفلات توزيع الجوائز الكبرى، على نحو متقطّع، تقترب من حالة من التوافق. لقد نجت جوائز غرامي، وإن لم تكن خالية من الجدل، وتمكنت من العثور على مضيف مقبول هذه المرة (أليشيا كيز) وتوازن معقول بين المجموعات الديموغرافية والأساليب المصاحبة. على الرغم من أن عدداً من الأشخاص أشاروا إلى أنه لم يتم ترشيح أي امرأة لأفضل مخرج هذا العام (مرة أخرى)، إلا أن حفل توزيع جوائز الأوسكار بدا متنوعاً ديموغرافياً وموحداً سياسياً بما يكفي لتلبية المعايير الأكثر صرامة – أي حتى بدأوا في تقديم الجوائز، بما في ذلك جائزة أفضل فيلم، لفيلم “الكتاب الأخضر”، وهو الفيلم الذي وصفته بعض الانتقادات اللطيفة بأنه “خيال المصالحة العرقية”. (سبايك لي الذي غادر مقعده بينما أثناء صعود منتجي الفيلم لاستلام جائزة أفضل فيلم، قال لاحقاً: “شعرت وكأنني أجلس في ملعب ماديسون سكوير قاردن، والحكم اتخذ قراراً سيئاً.”) غير أن بقية الحفل انصبّت، بنشوة واضحة، على كيفية تمثيل أفراد المجموعات الديموغرافية المختلفة – سواء داخل الحفل نفسه أو في الأفلام التي احتفى بها.

غالباً ما يكون من الواضح أن تأثير التمثيلات عميق – وهي كذلك إلى حد ما. ليس هناك شك في أن تجربة الأفراد حين يرون فنانين مثل سيدني بواتييه أو إلين دي جينيريس يتجاوزون الحدود المفروضة على الجماعات التي ينتمون إليها، قد غيّرت بالفعل حياة كثيرين، وذلك في المقام الأول من خلال تعزيز احترام الذات، أو من خلال جعل المشاهدين يعتقدون أنه من الممكن أن يعيشوا حياة لم يتخيلوا أن يعيشوها من قبل.
ولكن هناك أيضا أسباب وجيهة للتشكيك في التأثير الحقيقي لمثل هذه الروايات التي يمكن تصويرها في الإعلانات والتباهي بها في احتفالات توزيع الجوائز جزئياً لتهدئة الغضب إزاء الظلم المنهجي الذي لا يزال قائما. في الواقع، يمكن استخدام مثل هذه الصور المتناغمة لتوليد المزيد من الأرباح لنفس الإمبراطوريات التجارية التي انخرطت في القمع في المقام الأول.
ربما يكون من مصلحة الهدف المتمثل في تحقيق مستقبل أكثر عدلاً وأقل تمييزاً أن نضع التالي في الاعتبار: أياً كان شكل جوائز غرامي أو جوائز الأوسكار على المدى الطويل، فلن يكون لها تأثير فعلي يذكر على العدالة الاجتماعية. وربما كان التركيز على نوعية الأشخاص الذين يظهرون على شاشة التلفزيون، في المجمل، بمثابة إلهاء عن أمور أكثر إلحاحاً. تخيّل أمريكا تتقن حفلات توزيع الجوائز على نحو مثالي ولكن في الوقت نفسه، تستمر فيها عمليات السجن الجماعي، على سبيل المثال، أو اعتقال طالبي اللجوء، أو يتزايد فيها التفاوت في الدخل أو يظل الفصل السكني[2] دون تغيير. إنه أمر سهل إذا حاولت التخيّل: فمن الممكن أن يكون هذا هو واقع عام 2020. وعام 2030 وما بعده.
التسلسلات الهرمية العرقية والجنسانية بنيوية ومادية. فهي تتعلق بالوصول التفاضلي إلى السلطة والموارد، إلى جانب الامتيازات اليومية التي تصاحبها. ويمكن أن يستمر هذا حتى في مواجهة صناعة أفلام مثالية من الناحية التمثيلية، كما أخشى، وأتوقع أننا سنثبت ذلك من خلال التجربة.
نادراً ما يقدّم التاريخ دروساً واضحة يمكن تطبيقها بشكل مباشر على الظروف الحالية. لكن التاريخ أظهر في الواقع أن التمثيلات لا تخلق الواقع. لقد فرض الاتحاد السوفييتي أسلوباً واحداً في الفنون البصرية وطبقه لعقود من الزمن. وقد عُرفت باسم “الواقعية الاشتراكية”، وقد صوّرت بلا هوادة العمال الأقوياء والموقرين، وأعينهم اللامعة تحدّق في مستقبل متغير. وإلى حد كبير، نجح الحزب الشيوعي السوفييتي في احتكار كافة وسائل الإعلام وفرضها لتصوير العالم كما أراد الحزب أن يكون، أو على الأقل كما تمنى أن يتصوّره الآخرون. وهذا لم يجعل من عملية التجميع القسري للزراعة، التي تم فيها تهجير الملايين من هؤلاء العمال الأقوياء، وطردهم من ممتلكاتهم وتجويعهم وإعدامهم، أقل ضرراً.
ضم ستالين الآلاف من صانعي الأفلام والروائيين والرسامين والراقصين والموسيقيين والمهندسين المعماريين إلى مشروعه الرامي إلى تجسيد عالم أكثر عدلاً ومساواة، وأرسل أولئك الذين رفضوا المساهمة إلى معسكرات السُخرة (الغولاغ). ولهذا كان من الصعب على الناس في أماكن أخرى أن يعرفوا عن عملية التطهير العرقي التي قام بها في الشيشان، ناهيك عن انتقاده. هذا لا يعني أن التطهير لم يحدث. وقد جربت العديد من الأنظمة الأخرى، من الأنظمة الثيوقراطية إلى المجالس العسكرية، أساليب مماثلة. لكن مساهمة كل هذا النشاط في إنتاج العالم المتصوّر كانت أقل بكثير من الصفر. إنه يجعل رؤية الواقع الوحشي أصعب قليلاً، دون تحسينه على الإطلاق.
ستالين لم يكن حفل توزيع جوائز. ولكن كما يعلم الجميع، يمكن للصور أن تزيّف الواقع وتصوّره أيضاً، ويمكنها التضليل وكذلك الإلهام. ومن ناحية أخرى، فإن القول بأن فيلم Black Panther يزوّر الواقع هو قول بديهي ومثير للسخرية في آنٍ معاً، فهو في نهاية المطاف فانتازيا خارقة منجزة بتقنيات المؤثرات البصرية الحاسوبية (.C.G.I). فهو لا يمكنه أن يُحدث تحولاً سحرياً في أيٍّ منا، ناهيك عن أن يفعل ذلك بالجميع، وإن كان قادراُ على توفير قدرٍ من الترفيه المسلي وإثارة بعض الأسئلة المثيرة للاهتمام، ربما أسئلة تتعلق بتاريخ الأفلام، في المقام الأول.
لقد صوّرت وسائل الإعلام الأمريكية، إلى حد كبير، نوعاً من الفردوس العرقي منذ الستينيات. حيث لم يعدُ استخدام الشتائم العنصرية المباشرة سوى قِلّة من المتطرفين، ولا أحد يتلفظ بها على شاشة التلفزيون. لقد قام برنامج “شارع سمسم” وغيره من برامج الأطفال تقريباً بتعليم دروس عنصرية راقية لعقود من الزمن. وتوصل البيض إلى الاعتقاد بهذه الوسيلة بأننا لسنا عنصريين، لأننا لم ننتج ولم نوافق على العروض المحظورة.
يبدو أن الكثير منا يعتقد أن العنصرية الأمريكية قد أصيبت في مقتل بسبب “برنامج كوسبي” (حيث نعلم الآن أن المظاهر لم تعكس الواقع بأي حال من الأحوال). وفي الوقت نفسه، استمر الأمر على المستوى البنيوي، لكن أصبح من الصعب تحديده وإسناده.
عندما لا يُسمح إلا بعرض الصور المعتمدة، نكون أمام ما يشبه شكلاً من الرقابة، رقابة لا تفرضها الحكومة، بل نفرضها نحن على بعضنا البعض من خلال الضغط الاجتماعي. والهدف هو تدفق موحد سياسياً للصور. ومن أجل تحقيق هذا التوحيد، يتم التشهير بالأشخاص، وحذف الصور والتغريدات، وسحب الروايات، وإعادة تصوير الأفلام بممثلين مختلفين، والتخلي عن المشاريع، وإزالة الأعمال من المتاحف، واستبعاد المضيفين، وما إلى ذلك. مثل هذه الإجراءات ليس من شأنها أن تساعد كثيراً في تحقيق أهدافها المقصودة.
إن إصلاح الصور أسهل بكثير من إصلاح العالم، على الرغم من أن إصلاح الصور، كما يشهد سبايك لي، يبدو معقداً للغاية أيضاً. في نهاية المطاف، سيكون من المريح أن نتوقف عن أن نترقب من عروض الجوائز إصلاح أمراضنا الاجتماعية: إذا لم تكن هذه الأشياء ممتعة، فلا فائدة حقاً.
[1] كاتي بيري: مغنية وشخصية تليفزيونية.
[2] ارتبط تقليدياً بالفصل العنصري، لكنه يشير عموماً إلى فصل السكان على أساس بعض المعايير (مثل العرق، أو الأصل العرقي، أو الدخل/الطبقة).
الكاتب: يدرس كريسبن سارتويل الفلسفة في كلية ديكنسون في كارلايل، بنسلفانيا. وآخر كتبه هو: “تشابكات: نسق فلسفي” (Entanglements: A System of Philosophy).
المترجم: كاتب ومترجم سعودي.
المراجعة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
The Oscars and the Illusion of Perfect Representation
Crispin Sartwell
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
