2026-03-29

٢٤ يوليو ٢٠١٧
تستبعد الأتمتة والحوسبة في كل عام شرائح جديدة من القوى العاملة، وفي المقابل تُعرِب النقابات العمالية والعمال عن قلقهم، بينما يُشيطن الساسة الحاذقون قوى العولمة “الشريرة” فيقطعون وعودًا بالحفاظ على الوظائف وهم على الأرجح غير قادرين على الوفاء بها.
إن القلق الناتج من إمكانية توسع الأتمتة بعيد جدا عن الأحلام الوردية المستوحاة من “آل جيتسون”[1] التي أغرت المتفائلين خلال القرن العشرين بالراحة الروبوتية التي ستسهل الحياة، وهو أمر ليس مستغربًا، فالعمل يسيطر على حياتنا، ويُعرّف هويتنا، ويُحدد موقعنا الاجتماعي، ويتوسط شعورنا بقيمة أنفسنا، ويُشكّل انتماءاتنا السياسية، ويحدد نصيبنا من الكعكة الاقتصادية.
كان الاقتصادي جون ماينارد كينز يرى أن إصرارنا على العمل هو العائق الأكبر والأوحد أمام تحقيق يوتوبيا اقتصادية، وقد عبّر عن وجهة النظر هذه بجلاء في مقال نشره عام 1930 بعنوان: “الفرص الاقتصادية لأحفادنا”، تنبأ فيه أنه بحلول عام 2030، فإن التراكم الرأسمالي وتطور الإنتاجية والتقدم التقني ستحل جميعها ما أسماه “المشكلة الاقتصادية”، ورأى كينز أن ذلك سيُمكّننا من تحقيق مستوى معيشة عالٍ والحفاظ عليه مع العمل لمدة لا تتجاوز خمسة عشر ساعة أسبوعيا، وهذا ما سيمهد لـ” عصر الرفاه الذهبي”.
تسمى المشكلة الاقتصادية التي أشار إليها كينز أحيانا بمشكلة الندرة، وهي المبدأ الأساسي لمعظم نظريات الاقتصاد، وتفترض هذه المشكلة أن رغبات الناس لا حد لها بينما الموارد المتوفرة لإشباع احتياجاتهم ورغباتهم محدودة، وبالنسبة لكينز فإن المشكلة الاقتصادية لم تكن شيئًا عابرًا، بل هي “المشكلة الأساسية والأكثر إلحاحًا في تاريخ الجنس البشري” منذ: “نشأة الحياة في أكثر أشكالها بدائية”.
وقال بأسىً: “لقد شكّلتنا الطبيعة على وجه الخصوص – بكل دوافعنا وغرائزنا العميقة – لغرض حل المشكلة الاقتصادية”.. “ولو حُلت المشكلة الاقتصادية فستُحرم البشرية من هدفها التقليدي”.
لكن كينز في نهاية المطاف كان متفائلًا، فقد رأى في الاقتصاد علمًا عقلانيًا، وآمن أن الناس في العموم قادرون على اتخاذ قرارات اقتصادية رشيدة إذا أُتيح لهم الخيار، ولهذا تبنى وجهة النظر القائلة بأننا باستثناء قلة من “اللاهثين وراء الربح” سندرك اليوتوبيا الاقتصادية حين تحل، ونتريث و”نستمتع بالوفرة” حين تصلنا.
يخبرنا إدراكنا المتأخر أن تفاؤل كينز لم يكن في محلّه، فالنمو الرأسمالي والإنتاجية تجاوزا ما توقعه لعام 2030 وفاقت التطورات التقنية أكثر توقعاته جموحًا، ومع ذلك لا تزال شهيتنا الجماعية للعمل على حالها.
أخطأ كينز أيضا حين تصور أن “عصر الرفاه الذهبي” لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التقدم في الإنتاجية والتقنية فقط، إذ كان مقتنعًا بأن البشرية تخوض رحلة تَقدم لا تنقطع منذ أن خرجت من بدائيتها الأولى، فاعتقد أن أسبوع العمل المكون من 15 ساعة هو ثمرة عبقرية جماعية امتدت عبر مئات الأجيال، لعل كينز كان ليغير رأيه لو علم أن أسبوع العمل الذي لا يتجاوز 15 ساعة هو واقع معاش لدى بعض القبائل التي لا تزال تعيش نمط الصيد وجمع الثمار، منعزلة عن مظاهر الحياة الحديثة، وأن هذا النمط على الأرجح، كان السائد خلال فترات طويلة من تاريخ الإنسان العاقل الحديث.
لكن في عام 1930 كانت فكرة أن شعوبًا “بدائية” لا تهتم بالإنتاجية ولا بتراكم رأسمال ولا تملك سوى تقنيات بسيطة، قد سبقتنا إلى حل “المشكلة الاقتصادية”، لتبدو آنذاك فكرة سخيفة جدًا.
طُرح احتمال أن أسلافنا من الصيادين وجامعي الثمار لم يكونوا يعيشون صراعًا دائمًا ضد عوامل الطبيعة عام 1966 لأول مرة، وذلك بعد سلسلة من الدراسات أجراها الأنثروبولوجي الكندي ريتشارد بورشاي لي بين جماعة جوهوانسي المعروفة باسم “رجال الغاب” في الشمال الشرقي من صحراء كلهاري جنوب إفريقيا، وقد أدهشه أن هؤلاء لم يكونوا يقضون سوى 15 ساعة أسبوعيًا لتأمين متطلباتهم الغذائية، وبالنظر إلى أن أسبوع العمل من 40 ساعة لم يُطبّق على العمال الفيدراليين في الولايات المتحدة إلا مؤخرًا في ذلك الحين، فقد بدت هذه الأرقام مدهشة للغاية، وبناءً على هذه الدراسة وما تلاها من أعمال لعلماء أنثروبولوجيا – أبرزها كتاب مارشال سالينز الصادر عام 1972 بعنوان (اقتصاديات العصر الحجري) – أُطلِق على جماعة الجوهوانسي وغيرهم من شعوب الصيد المماثلة وصف “مجتمع الوفرة الأصلي”.
أظهرت الأبحاث اللاحقة صورة أكثر دقة عن فكرة “وفرة” مجتمع الجوهوانسي، فقد تبين أن لديهم ثقة تامة في سخاء بيئتهم ودراية بكيفية استغلالها، ونتيجة لذلك كانوا لا يجمعون إلا ما يكفي لتلبية احتياجاتهم العاجلة وهم واثقون من توفر المزيد دومًا، وهم بذلك يشبهون سكّان المدن المشغولين الذين يتركون ثلاجاتهم خالية ويتناولون طعامهم أثناء التنقل حين يشعرون بالجوع، كما كشف هذا البحث أنه وبالرغم من عدم اضطرار الجوهوانسي لبذل جهد شاق في العمل، فإنهم لم يكونوا كسالى أو بلا هدف، بل كانوا يجدون رضًا عميقًا في العمل الذي يؤدونه ويستثمرون أوقات فراغهم في عزف الموسيقى، وإبداع الفن، وصنع المجوهرات، وسرد القصص، واللعب، والاسترخاء، والتواصل الاجتماعي.
أكثر ما كان لافتًا في هذه الأبحاث هو أنها أشارت إلى أن “المشكلة الاقتصادية” لم تكن كونية، وليست بالمشكلة الأساسية للجنس البشري منذ بواكير الزمن، فبينما تقوم المشكلة الاقتصادية على فرضية أننا نملك رغبات لامحدودة ووسائل محدودة، كان لدى صيادي وجامعي الثمار من شعب الجوهوانسي رغبات قليلة يمكن تلبيتها بسهولة.
لم تتضح الأهمية التطورية لهذا العمل إلا مؤخرًا، فبحوث الجينوم الحديثة، بالإضافة لسلسلة من الاكتشافات الأثرية في جنوب إفريقيا تشير إلى أن نمط حياة الجوهوانسي القائم على الصيد وجمع الثمار، يمتد إلى مدة زمنية أبعد مما كان يُظن سابقا، تشير البيانات الجينومية الآن إلى أن نوعنا البشري موجود منذ أكثر من مئتي ألف سنة، ولو ثبتت صحة الاكتشاف الحديث لعظمة فك شبيهة بالإنسان العاقل في المغرب، فقد يتعين إرجاع هذا التاريخ إلى أكثر من 300 ألف سنة، كما تظهر البيانات الجينومية أن الجوهوانسي و مجتمعهم الجيني الأوسع المعروف باسم (الكويسان) قد مارسوا الصيد وجمع الثمار بنجاح في الجنوب الإفريقي لفترة طويلة من التاريخ البشري، ثمة دليل يشير إلى أن الجوهوانسي المتأخرين استخدموا أدوات صيد متقنة يعود تاريخها إلى مالا يقل عن 45000 عام وربما 90000 عام مضت.
إن كان معيار نجاح الحضارات يقاس مبدئيا بمدى صمودها عبر الزمن فإن منجزات أسلاف الجوهوانسي تجعل منجزات قدامى المصريين والمايا وحتى البريطانيين في العهد الفيكتوري مجرد لمحات عابرة، ورغم صعوبة الجزم التام بكيفية عيش أسلاف الجوهوانسي إلا أن هناك أدلة وافرة تشير إلى شبههم الكبير مع أحفادهم في القرن العشرين، وأدلة أقل تشير إلى اختلافهم، لو كانت جماعة الجوهوانسي تمثل نموذجًا مقاربًا لمعيشة أسلافنا فإن لهذا دلالات مهمة لفهم “طبائعنا البشرية” وكيفية استجابتنا لتحديات العصر مثل الأتمتة.
حينما تحسّر كينز على “العادات والغرائز” المتولدة فينا عبر أجيال لامحدودة، فقد كان يردد صدى تصور عن الطبيعة البشرية يعود إلى زمن أسبق بكثير من اللحظة التي قرر فيها الاقتصاديون أن العمل هو العنصر الأساسي للسعي البشري، وأن المشكلة الاقتصادية جزء من هويتنا مثلها مثل غريزة الوقوع في الحب، لكن الأدلة الحديثة تشير إلى أن الثورة الزراعية هي اللحظة التي نشأت فيها المشكلة الاقتصادية كما نعرفها اليوم، فمع أن الزراعة أكثر إنتاجية من الصيد والجمع، فقد جعلت المجتمعات سريعة النمو عرضةً لسلسلة جديدة من المخاطر الكارثية المُحتملة، ما ألهم المزيد من الابتكارات، لكنها رفعت من قيمة العمل البشري على نحو غير مسبوق، فمهما تكن العوامل الطبيعية مواتية، تتطلب الزراعة الكثير من العمل الشاق قبل أن تؤتي ثمارها، وعواقب عدم بذل الجهد هذا قد تكون مدمرة.
يتمتع معظمنا الآن في أغنى دول العالم بحياة لا تضاهى في الوفرة المادية وذلك بفضل إنتاجيتنا، نعيش في بيوت دافئة تكتظ بشتى أنواع الأدوات وسبل الراحة التي نشعر بضرورة استبدالها وترقيتها بشكل دوري من أجل استمرارية دوران عجلة التجارة، أصبحنا نأكل بشكل جيد على يد نسبة لا تتجاوز واحد بالمئة منا تعمل في الزراعة، إلى درجة أننا نهدر من الطعام في مكبات النفايات بنفس القدر الذي نملأ فيه بطوننا.
لكن كثيرً من خبراء الاقتصاد البيئي يحذرون من أننا بلغنا حدود النمو، وأن إنتاجيتنا المستمرة تخاطر بابتلاع مستقبلنا، ومع ذلك فإن الاستراتيجيات السائدة للتعامل مع مشاكل التغير المناخي وفقدان التنوع البيولوجي تبقى متجذرة في قلب افتراضاتنا عن المشكلة الاقتصادية، فهي تسعى للعثور على طرق أكثر استدامة تتيح لنا الاستمرار في الإنتاج والاستهلاك والعمل بنفس الوتيرة التي نحن عليها، وبالمثل، تركز معظم الاستراتيجيات المقترحة لمواجهة تأثيرات الأتمتة على مسألة العثور على عمل بديل لمن فقدوا أعمالهم.
لكن إذا كانت ثقافتنا المرتبطة بالعمل ليست إلا نتيجة للمشكلة الاقتصادية، فلعل الأفضل لنا أن نتبنى الأتمتة كفرصة لإعادة تخيل علاقتنا مع العمل، حينها ربما يمكننا كما قال كينز: “أن نتطلع نحو عصر من الرفاه والوفرة والتسلية بلا جزع”.
[1] مسلسل رسوم متحركة أمريكي من ستينيات القرن العشرين، صوّر حياة عائلة تعيش في المستقبل وسط تقنيات خيالية وروبوتات ذكية، وكان رمزًا للتفاؤل بالتقدّم التكنولوجي والراحة الآلية [المُراجعة].
الكاتب: جيمس سوزمان مؤلف كتاب “الثراء بلا وفرة: العالم المندثر لرجال الغاب”.
المترجم: طريف السليطي مؤلف ومترجم سعودي.
المراجعة: حاصلة على ماجستير في دراسات الترجمة من جامعة أدنبرة، متخصصة في ترجمة النصوص الفلسفية، وعضوة في جمعية الفلسفة.
The Bushmen Who Had the Whole Work-Life Thing Figured Out
James Suzman
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
