2026-02-26

لوحة “السماء الزرقاء مهمة” (2016) لصموئيل ليفي جونز المصنوعة من كتب قوانين أوهايو على القماش. بإذن من الفنان ومعرض ليلونج وشركاه، نيويورك.
١٣ يوليو ٢٠١٨
كان الفضاء فوقنا مليئًا بخيالات الإنسان أما الآن فتملؤه تقنيات المراقبة والحرب
كان يا ما كان، كانت السماء هي كل ما يعلو الأرض. الأرض مركز التجربة الإنسانية، والسماء موطن الآلهة، والعواصف مظهرًا من مظاهر جبروتها والطيور رسلها. أما محاولة الطيران عاليًا مثل إيكاروس فكانت دليلًا على الكِبر. وبقيت السماء على اتساعها “موصدة”، محرّمة علينا، مجهولة بل ربما عصية على المعرفة.
وكانت اللغة المستخدمة قبل عصر الفضاء لوصف العلاقة بين الناس والسماء تنتمي لعصر ما قبل كوبرنيكوس. تعود الكلمة الإنجليزية “sky” إلى اللغة الإسكندنافية القديمة “ský” وتعني غيمة. فالسماء تملأ فراغ الهواء أو الغلاف الجوي وتبعث على الراحة. وتظهر السحب ممتدة أفقيًا أو رأسيًا عند النظر إليها من الأرض ولكنها بالنظر إليها من الفضاء الخارجي تشكل نظامًا متغيرًا معقدًا يغلف الأرض ويدور حولها.
ولم يغير انتشار السفر الجوي هذه النظرة بل وحدّها في جميع أنحاء العالم. فالعلو الذي تستطيع الطائرات الارتفاع له محدود وكذا المدة التي يمكنها البقاء فيها معلقة في الهواء، وهي تحلق في مسارات ثابتة أُطلق عليها في عام 1919 اسم “الطرق الجوية”. وكانت هذه الطرق ولا تزال امتدادًا للأرض يُعبّر عنها مثلما يعبّر عن طرق الشحن، وفي الواقع تصف كثير من البحوث الفضاء بأنه “حدٌّ” يُعبر، ويُدجّن ثم يُغزى مثلما حدث مع الأراضي والبحار.
ولأسباب غير واضحة تغيرت طرق التفكير في مفهوم السماء في منتصف القرن. والسبب الذي يُشار إليه غالبًا هو انتشار الأقمار الصناعية غير المأهولة. فإن ملء السماء بهذه الأدوات غير نظرتنا للأرض ومكانتها في الكون أكثر من مرة وأحاطها بأجرام إضافية تدور حولها ولكنه أيضًا قسمها إلى ربوع مُكتشفة لا تُحصى. فالآن نعلم بأدلة مرئية دقيقة أن النُقطة الزرقاء التي نحيا عليها موجودة في عالم شاسع، والبعض منا مستمر في محاولة صقل إدراك محدد للأرض والحضارة الإنسانية ووجودهما في مجال متصّل ومترابط وهش.
قبل ثلاثة وستين عامًا – وتحديدًا في الواحد والعشرين من يوليو عام 1955 – أعلن الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور مبادرة أسماها “سماوات مفتوحة” دعت إلى اتفاق متبادل بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي يتيح لكل منهما مراقبة التراسانات العسكرية للآخر بحرية، وهذا يتضمن تبادل المعلومات حول مواقع المنشآت والتي أمكن حينها مراقبتها وتصويرها من الأعلى.
وكانت الفكرة وراء تلك المبادرة بسيطة وهي ما يسمى اليوم “تدابير بناء الثقة” فكان بيانًا لنية سياسية وفلسفية، صادقة نظريًا ولكن لعلها متهكمة عمليًا. وبعبارة أخرى، أُريد من شفافية السماء أن تخدم في إلقاء الضوء وبناء الثقة المتبادلة بل حتى إظهار ما كان غامضًا وتعريفه.
نُقلت مبادرة “السماوات المفتوحة” عبر الأجيال كمحاولة نفسية (ودعائية ربما) لتغيير السلوك الجماعي – كنوع من تأثير الأخ الأكبر. ولكنها ترمز أيضًا لتحول نفسي – أو لعله روحي – لا يتعلق بالسماء ذاتها بل بعلاقتها مع المنطقة الواقعة أسفلها.
ولم يوقّع الخصمان السابقان في الحرب الباردة اتفاقية السماوات المفتوحة إلا في عام 1992 وهذا يدل على أن البعض يفضل إبقاء أسراره مخفية. عندما قدم أيزنهاور الفكرة، اعترض الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف كما قيل مُحتجّا بأن الأمريكين يريدون النظر إلى غرفة نومه. وبعد بضع سنوات أسقطت القوات السوفيتية طائرة تجسس أمريكية من طراز يو-2 فظهر كذب أيزنهاور وابتهج خروتشوف بلحظة الانتصار تلك ابتهاجًا عظيمًا.
وفي ذلك الوقت كان التصوير الجوي قد ضاعف حدود مداه، وانتشر التصوير بالأقمار الصناعية، ولم تعد صورة “الكرة الزرقاء” التي التقطها طاقم مركبة أبولو 17 في عام 1972 صورة فريدة بل صارت صورة عادية متجذرة في الخيال الثقافي. وفي عام 2004، اشترت شركة جوجل برنامج إيرث فيور EarthViewer من شركة كي هول Keyhole Inc. وحولّت بذلك أداة من أدوات الحرب الحديثة إلى أداة تهدف لراحة المستخدم العادي لأجهزة الكومبيوتر.
ولكن المزيد يكمن خلف هذه المصادفة في التحول في معنى الإقليم، نعم حدث تحول مألوف بين الأجيال بعيدًا عن نوع من أنواع الخطية لصالح نوع آخر، من المطلق إلى النسبي فيما يتعلق بالزمان والمكان. ولكن أمرًا آخر حدث أيضًا، إذ انفتحت السماء وتحولت إلى محور آخر، ليس للأرض نفسها بل لمد جسر الاتصال المكاني والروحي بين الأرض والهواء، بين الكوكب والفضاء. عندما أصبح بإمكان البشر النظر إلى الأرض من الأعلى بعد أن كانوا محدودين زمنًا طويلًا بالنظر من الأرض عاليًا نحو السماء، تغيرت العلاقة بين الاثنين – كلٌ في حضرة الآخر – وصارت أكثر رأسية وأقل أفقية.
ولكن هذا الاتجاه الرأسي لم يقيد الخيال الإنساني بفرض تسلسل هرمي من الأرض إلى السماء، بل حرر العلاقة بتبديل النظرة أحادية الاتجاه بنظرة ثنائية الاتجاه. وسرعان ما اعتاد الأمريكيون وغيرهم على النظر إلى الأرض من السماء وسرعان ما رافقت الصور المأخوذة من السماء تلك المأخوذة للسماء من الأرض لدى الفنانين ورسامي الخرائط وعلماء الفيزياء الفلكية الذين كانوا يبحثون عن وضوح المنظور.
فأصبحت سماء أيزنهاور المفتوحة – وسيلتنا الشفافة للوضوح – ممكنة حاليًا. فأتاحت المناظر من طائرة في سماء كاليفورنيا الصافية نسبيًا في أوائل الستينات لتوم غان الكتابة عن “الثراء” المُسكِر لمساحة متاحة للرسم – صور “لأماكن لم أزرها” – والتي تبدو في النهارات الصافية مثالية للوضوح العلمي: “ضوء بارد ثابت لا ينقطع يكشف الأشياء كما هي لا أكثر ولا أقل”.
ومع قدرة البشر على النظر إلى الأسفل إلى الأرض بعد أن اقتصرت قدرتهم على النظر إلى أعلى للسماء أصبحت العلاقة بين الإثنين مرة أخرى أقل رأسية وأكثر صناعية. فإن ملء السماء بهذه الأدوات غير نظرتنا للأرض ومكانتها في الكون أكثر من مرة وأحاطها بأجرام إضافية تدور حولها ولكنه أيضًا قسمها إلى خليط من البحار والسهول والأحياء و”مناظر الشوارع” وإمكانيات الرؤية المفلترة التي يمنحنا إياها برنامج جوجل إيرث.
بدأنا مرة أخرى في تقريب السماء إلينا بملئها وتلويثها وتخيلها أكثر فأكثر بأشياء أرضية، وبهذا نُبعد عنا السماء المفتوحة، عدم الفضاء الخالي من الجاذبية، وموطن الآلهة. ولم نكتفِ بتعزيز فكرة فصامية عن السماء بل أعدنا إحساسًا أعمق بانعدام الغاية.
إن ملء السماء التي تعلو الأرض بفوضى عصر الفضاء يدفعنا للتساؤل عما إذا كان هذا العمل يمثل حالة ساخرة لارتهان المخيلة في أوائل القرن الواحد والعشرين، والتي تنبأ بها لويس ماكنيس عام 1937 في قصيدته “ضوء الشمس في الحديقة”:
كانت السماء مثالية للطيران
ولتحدي أجراس الكنيسة
وكل صفّارة حديدة خبيثة
وما تُفصح عنه من نذر:
غير أن الأرض تُجبِر…
وفي الحين صارت العديد من الدول تراقب ما يفعله كل منا من السماء بتفاصيل مجهرية. ولعل من حقنا التساؤل عن ظهور اكتشاف مفاهيمي جديد آخر قريبًا في الخيال المكاني. ولعلّنا محقّين لو خفنا من انغلاق السماء تمامًا قبل أن يحدث ذلك.
الكاتبان: كينيث وايزبرود مؤرخ ومؤلف لعدد من الكتب، من بينها “عام التردد، ١٩٤٦” (The Year of Indecision, 1946)
أما هيذر هـ. يونغ فهي ناقدة وشاعرة، ومؤلفة كتاب “الانخراط المكاني مع الشعر” (Special Engagement with Poetry).
المُترجمة: حاصلة على ماجستير في دراسات الترجمة من جامعة أدنبرة، متخصصة في ترجمة النصوص الفلسفية، وعضوة في جمعية الفلسفة.
المُراجعة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
How We Lost the Sky
Kenneth Weisbrode and Heather H. Yeung
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
