2026-03-15

١٩ مايو ٢٠٢٠
غفلة هانئة: قصة قصيرة جديدة بقلم المؤلفة.
مع حلول شهر مارس الماضي، سبب كوفيد-١٩الذعر في أرجاء العالم. طفح الأنترنت بالصور والمقاطع المصوّرة المرعبة. ولكن وبطريقة ماـ، ظلت الأحوال في اليابان عادية بشكل لا يُصدق. في ٢١ مارس، حين اعتقدت الحكومة اليابانية بأن البلاد سوف تستضيف الألعاب الأولمبية في ذلك الصيف، اتجهت حشود من الناس— كثير منهم كانوا يرتدي الكمامات والبعض الآخر لم يكن يرتديها—إلى الخارج للاستمتاع مع بعضهم البعض تحت أزهار شجرة الكرز التي ملأت المشهد.
راسلني صديقي الأمريكي عبر البريد الإلكتروني بعد اطلاعه على مجموعة من الصور التي اُلتقطت في ذلك اليوم والتي أثار البعض منها انتباهًا دوليًا ملحوظًا، قائلًا: “هل هذا حقيقي؟”
جُل ما استطعت قوله هو “أعلم، وأنا أيضًا لا أستطيع تصديق هذا الأمر، ولكنه حقيقي بالتأكيد.”
تغيّرت الأمور بشكل جذريّ منذ ذلك الحين. ومع ذلك، لا أستطيع تحرير ذهني من الصور المثالية لكل أولئك الناس تحت أشجار الكرز، وهم يحدقون إلى الأشجار كما لو كانوا قد استسلموا لتنويم مغناطيسي جماعي. عندما أعود بذاكرتي إلى تلك اللحظة، ينتابني ذهول مشوب بالهلع، ولكن ثمة شيء آخر يمتزج بذلك. شيء قريب من النشوة ، يتدفق من وراء الكواليس، ذلك المكوّن الأساسي لكل من عوالم اليوتوبيا والديستوبيا معًا.
في اليابان حيث يعمل النظام الأبوي وضغوط الامتثال للجماعة مثلما يعمل الدين تقريبًا، ما الذي تعنيه مواجهة أزمة ما؟ كيف يُسلب منا رغبتنا وغضبنا؟ وكيف يجف خيالنا وتنضب قوى إبداعنا؟ وعندما نصل إلى هذه المرحلة، ما هي أنواع المقاومة والأعمال الفنيّة التي يمكن أن تزدهر؟ أدت أفكاري وهواجسي وآمالي وشكوكي بشأن كل هذا إلى كتابة هذه القصة.
غفلة هانئة
جميعنا كان في حفل الزفاف. وعندما أقول جميعنا، أعني فعلًا جميعنا. مثل عندما تقول “كيف حالك؟ جميعنا بخير”. أقصد “جميعنا” بهذا المعنى تحديدًا.
كان يومًا صافيًا يبدد كل مأساة. كان المكان بأسره مدفونًا بالأزهار وكانت الطاولات مغطّاة بما لذ وطاب. وكان في الحديقة والمباني أكوام من أزهار متفتحة كسحب رعدية في ذروة الصيف.
بدأت بالتعرّق بسبب فكرة الحرارة وحدها. كان الجو أشد حرارة من أن يكون عصرية في شهر مايو.
كان العريس رسّامًا مشهورًا وكان اسمه متداولًا، وكانت العروسة شاعرة “تَنْكا” في بدايات مسيرتها المهنية. في الواقع، جميع من كان في قائمة المدعوين فنانًا من نوع ما، بما فيهم أنا.
كان العريس يبلغ من العمر ٧٥ عامًا والعروسة ٢١ عامًا. عندما كنت أصغر سنًا قليلًا، كنا نمتلك شتى الأفكار والآراء بشأن فارق العمر هذا، مثل كيفية إبرازه لاستغلال النساء وكيف يثير اشمئزازنا. ولكن في هذه الأيام لا يميل أحد لقول أي شيء. وليس فقط عن هذا النوع من الأشياء. فالأشياء التي كانت تُثيرنا، واللحظات التي كنا نركّز عليها ونخبر أنفسنا أن ليس بوسعنا التغاضي عنها، لم تعد تحدث بعد الآن. في ربيع عام ٢٠٢٠، ألا يكفي أن تكون على قيد الحياة؟ لا أحد يريد أن يفكّر مليّاً في الأسئلة الصعبة.
ربما لم نخلق لهذا الأمر. بذلنا ما في وسعنا لنثبت تفوقنا على أولئك الذين هم خارج دائرتنا، لكننا في نهاية المطاف لم نصل إلى شيء. لماذا ننفعل أو نغضب ما دام يمكننا ببساطة أن نبتسم؟ هكذا كان حالنا جميعًا. والحقيقة أننا نشأنا على هذا النحو: إنه لأمر رائع أن تعبّر عما يدور في ذهنك، ولكن هناك أمور أكثر أهمية في الحياة. أن تكون لا مباليًا طوال الوقت يبدو أكثر جاذبية من أن تنسحب تمامًا في بعض الأحيان. كيف نسينا أهم شيء؟ لم يكن الأمر لينجح إلا إذا حضرنا جميعنا– جميعنا كما قلت من قبل.
ولهذا السبب كنت مصدومة بالكامل عندما عبّرت الفتاة الجالسة بجانبي عن اشمئزازها:
“ألا يكتفي الناس من هذا الهراء؟”
كان أسلوبها كأسلوب الفتيات اللاتي كنت أعرفهن، وبالإضافة إلى ذلك كانت تبدو كمجرد فتاة، أصغر سنًا من أنها تتحدث بتلك الطريقة.
سألتها: “أي هراء؟”
لكنها لم تجب. أكملت حياكتها، محرّكةً العصيّ بسرعة بينما كانت تحدّق بالدجاج البارد في صحنها. يبدو أنها فنانة حياكة. يبدو هذا منطقيًا. كانت خطة اليوم أن نتشارك نحن الفنانين أعمالنا مع كافة المدعوين إلى الحفلة. لم يُطلب منا تقديم هدايا. كان هذا ما طلبه العريسان في الدعوة المُرسلة، أن نظهر لهم حبنا ونحتفل بزواجهما من خلال فننا. هذا أمرٌ دارجٌ هذه الأيام.
“يومًا ما سأترك هذا المكان المقزز وسأعثر على عالم بلا تفاهات.”
كانت تمتلك صوتًا كالحبر الأزرق الداكن. وكانت عينيها حادة كالسكين التي تُشرّح التوفو بحدّة. وكرة الغزل ملفوفة في حجرها.
“أعني، أفهم ما ترمين إليه،” قلت لها بحذر. لم تُقدّم الفتاة أي رد.
حافظت عصيّ الحياكة في يديها على إيقاع ثابت. حاكت أطراف العصيّ الخيوط حولها وفوقها وحولها مرة أخرى. بينما تدخل الأطراف إحدى العصيّ من خلال العقدة المحبوكة، قامت بإمساك الخيط ومررته من خلال الحلقة الجديدة.
راقبتها وهي تعمل. اعتقدتُ أنها سوف تسألني عن وظيفتي، ولكن أعتقد أنها لم تكن مهتمة. منحت الحياكة انتباها الكامل، وكان ذلك واضحًا. مهما كان ما تُحيكه، فأنه كان ضخمًا. الجزء المكتمل يغطي ساقيها، ويُلامس العشب تقريبًا. هل كان شيئًا يُلف حول الجسم؟ أو شيء يُفرش على الأرض؟
وبينما كنت أراقب حركة يديها وهي تُضيف الخيوط إلى الحياكة على فترات سريعة، شعرت أن روحي تخبو. ولكي أتخلص من هذا الشعور، فكرت في أن أسألها عما تقوم بصنعه بالضبط. لكن شعرت بأنني لن أفهم، لذا قررت ألا أزعجها.
مشيرةً إلى الناس المجتمعين بالقرب من المسرح أمامنا، قلت لها: “مهلًا، ما رأيك أن تضعي هذا جانبًا الآن؟ اذهبي هناك إلى المسرح وقولي شيئًا. تحدثي كشخص عادي”.
ظلت الفتاة تحدّق بي لفترة طويلة لدرجة أنني شعرت بأنني أصبحت الدجاجة الباردة على طبقها. هزت رأسها وتنهدت ثم زفرت غير متقبّلة لأي شيء قلته.
بدأت درجة الحرارة ترتفع. ازدادت كتلة الورود شيئًا فشيئًا. ضاقت الطبيعة حولنا. كان أحدهم يضحك. كان بإمكاني سماع الموسيقى. غمر النعاس والطمأنينة أجسادنا. أصبحت لدي صعوبة في الحفاظ على عيني مفتوحتين. كان عليَّ أن أسأل نفسي، هل أنا حقًا في زفاف؟ وليس جنازة؟ بدأت الأمور تصعب. ما الفرق بالتحديد بين الاثنين؟ بالطبع، هو ما إذا كان نجم الحدث ميتًا أم لا. بدت العروس مفعمة بالحياة وهي تقف بجانب العريس وتبتسم لتظهر أسنانها المثالية. ولكن كيف يمكن لأي منا أن يجزم بذلك؟ ربما يمكنني أن أسأل فتاة الحياكة.
وأنا أقاوم لإبقاء جفوني الثقيلة مفتوحة، التفت إليها، ولكنها اختفت. رغم أنه لم يكن لذلك أهمية كبيرة. تمامًا كما أنه لا فرق يذكر ما إذا كانت عيني مفتوحتين أم مغمضتين، أو ما إذا كنت هنا جالسةً على كرسي أو أنني قطعة دجاجة على طبق. لم يكن لذلك أي أهمية، ليس بعد الآن.
بدأت المطر يهطل. ومع التقاطه للضوء أخذ كل شيء يلمع. سقط حفل الزفاف وتلك الظهيرة التي أمضيناها جميعنا معًا في غفلة هادئة هانئة. ألقينا بأعمالنا الفنيّة على العشب، ومددنا أيدينا إلى الملاءة المطوية التي كانت مجهّزة لنا. عملنا معاً بانسجام، رفعنا أذرعنا وبسطنا الملاءة برفق على اتساعها، غيمة لا يمكنها أن تؤذينا. لم يُعر أي أحد المظلات أي اهتمام. كنا مستعدين لأن نبتل جميعنا معًا. وإذا لم نكن نرغب في البلل، كان بإمكاننا جميعنا أن نتزاحم تحت بياض الملاءة النقيّ الذي لم يمسه شيء.
ترجم كل من سام بيت وديفيد بويد هذه المقالة من اليابانية إلى الإنجليزية.
الكاتبة: مؤلفة روايات “السماء” و “الليل خاصة العشّاق” و “صدور وبيض” وهي روايتها الأولى المنشورة بالإنجليزية.
المترجمة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
المراجع: كاتب ومترجم في فلسفة التقنية وتاريخها.
?Why Get Upset When You Can Just Smile
Mieko Kawakami
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
