2025-11-27

٢٧ مايو ٢٠٢٠
الأفكار الكبرى: لماذا الفن مُهمًا؟
الذكاء الاصطناعي يجعل الآلات أكثر إبداعًا، لكن الآلات لا تبدع فنًا
لقد تبدل واقع العديد من الفنانين بعد الذكاء الاصطناعي، فالكثير منهم مُحبط بسبب خوفهم من أن الذكاء الاصطناعي، بكفاءته، قد يسلب الناس وظائفهم. بعضهم يشكك في قدرة الآلات على الإبداع، وآخرون يرغبون في استكشاف إمكانياتها، لكنهم عاجزين عن فك تشفير مصطلحات الذكاء الاصطناعي.
هذه الحالة تذكرني بتلك الفترة حينما شكك الناس بالمثل في تقنية أخرى: الكاميرا. في القرن التاسع عشر، مع ظهور التصوير الفوتوغرافي الحديث، جاءت الكاميرات بمنافعها وتحدياتها. بينما تبنى بعض الفنانين التقنية، رأى آخرون أنها أجهزة غريبة تتطلب خبرة خاصة، كما شعر البعض بتهديدها لوظائفهم.
أثبتت الإمكانيات الجمالية للكاميرا في التصوير للذين استخدموها كأداة أنها ملهمة. في الواقع، قدمت الكاميرات، التي أصبحت في متناول المستخدم العادي بفضل التطورات التقنية، تقنية وشكلاً آخر للتجارب الفنية، كالتقاط الصور الشخصية مثلاً.
الفن مهم لأننا كبشر لدينا جميعًا القدرة على الإبداع. مع مرور الوقت، يتطور الفن الذي نبدعه، وتلعب التقنية دورًا مهمًا في هذه العملية. أظهر التاريخ أن التصوير الفوتوغرافي، كأداة ووسيلة جديدة، ساعد في إحداث ثورة في الطريقة التي يبتكر بها الفنانون المعاصرون أعمالهم وذلك من خلال توسيع فكرة ما يمكن اعتباره فنًّا. وجد التصوير بالكاميرا في النهاية طريقه إلى المتاحف. واليوم نحن على يقين أن الكاميرات لم تقتل الفن؛ بل زودت الإنسان بطريقة أخرى للتعبير عن نفسه بصريًا.
تُعد هذه المقاربة أمرًا بالغ الأهمية لفهم إمكانية تأثير الذكاء الاصطناعي على الفن في هذا القرن.
نظرًا لأن “تعلم الآلة” أصبح باطراد جزءًا متزايدًا من حياتنا اليومية، إذ أدمج في كل شيء تقريباً، بدءًا من الهواتف التي نرسل بها رسالة نصية حتى السيارات التي نقودها؛ إذن من الطبيعي أن نسأل عن مستقبل الفن في مثل هذا المجتمع الذي يقع تحت هيمنة الذكاء الاصطناعي. تزداد أهمية هذا السؤال مع دخول الآلات إلى المجال الفني كمُنتجين للفن. ففي صيف 2019، قدم مركز باربيكان في لندن قِطعًا فنية منتجة بواسطة الذكاء الاصطناعي في استعراض حمل عنوان “الذكاء الاصطناعي: أكثر من إنسان”. وفي تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه، حضر أكثر من مليون شخص معرضًا لاستكشاف الفن والعلوم في المتحف الوطني الصيني حيث أُنتجت العديد من الأعمال الفنية باستخدام الخوارزميات.

(صورة لليوناردو دافنشي من إنجاز الروبوت “آي-دا”. حقوق الصورة: نيكلاس هالن: وكالة فرانس برس–غيتي إيمجز Getty Images).
شخصيًا، قمتُ بتأسيس مختبر الفن والذكاء الاصطناعي في جامعة روتجرز في عام 2012. بصفتي باحث في الذكاء الاصطناعي، فقد كان هدفي الرئيس هو تطوير التقنية. بالنسبة لي، يتطلب هذا النظر إلى الإبداع البشري لتطوير خوارزميات لا تفهم فقط إنجازاتنا في الفن البصري والموسيقى والأدب، ولكن أيضًا أن تتمكن من إنتاج أعمال في تلك المجالات أو المشاركة في انتاجها. في النهاية، إن قدرتنا على توسيع مهاراتنا الإبداعية بما يتجاوز حل المشكلات الأساسية إلى مستوى التعبير الفني هو ما يميزنا بشكل فريد كبشر.
أدى الإبداع البشري إلى اختراع الذكاء الاصطناعي، والآن يمكن للآلات نفسها أن تكون قوى إبداعية. بطبيعة الحال، يشغلنا الفضول لمعرفة ما هو الذكاء الاصطناعي، وما هي حدود قدرته، وكيف له أن يتطور. خلال السنوات الثمان الماضية منذ بدء المختبر، أدرك باحثونا أن الذكاء الاصطناعي لديه إمكانات هائلة لحل المشكلات الفنية. فمثلاً، كأداة تحليلية، يمكن أن يساعدنا ذكاء الآلة في تمييز اللوحات الأصيلة عن اللوحات المزورة من خلال تحليل ضربات الفرشاة الفردية.
كما يمكنه مساعدتنا في فهم الفن من خلال الكشف عن تأثيرات متشابهة محتملة بين الأعمال الفنية من فترات مختلفة. في أحد الاختبارات، استطاعت الآلة بعد تعلمها تحديد الأعمال التي غيرت مسار تاريخ الفن، وسلطت الضوء على جوانب جديدة لكيفية تطور هذا التاريخ.
بالإضافة إلى استيعاب المعلومات، تمكنت الآلات أيضًا من إنشاء صور جديدة، تقريبًا بمفردها، حتى أن الجمهور لن يستطيع تمييزها عن الأعمال المُنتجة بأيادٍ البشرية. الذكاء الاصطناعي قادر حتى على التأليف الموسيقي الذي يمكنك الاستماع إليه عبر تطبيق سبوتفاي Spotify.
لطالما دمج الفنانون التقنيات الجديدة في ممارساتهم، والذكاء الاصطناعي ليس استثناءً من هذه الحقيقة، إلا أن هناك فرق جوهري. هذه المرة، الآلة هي مصدر الإبداع، فمع القدرة على مسح كميات هائلة من البيانات التاريخية والاجتماعية، سيتمكن الذكاء الاصطناعي أن ينتج صورًا جديدة وغريبة تتجاوز مخيلتنا.
عنصر المفاجأة هذا هو القوة التي يمكن أن تدفع الوسائط الفنية إلى اتجاهات جديدة، حيث تعمل الآلات ليس فقط كأدوات بيد الفنانين، بل كشركاء لهم.
ولكن هل يمكن لآلة ذات ذكاء اصطناعي أن تكون فنانة بذاتها؟ إجابتي: لا.

(قدّمت الروبوت الشهيرة “آي-دا” مع مخترعها آيدان ميلر لوحة زيتية في أكسفورد، إنجلترا، أنجزها فنانون بالاعتماد على رسم أولي وضعه الروبوت. حقوق الصورة: نيكلاس هالن: وكالة فرانس برس–غيتي إيمجز Getty Images).
برغم أن تعريف الفن يتطور باستمرار، إلا أنه في جوهره شكل من أشكال التواصل بين الإنسان ونظيره الإنسان. بدون فنان بشري خلف الآلة، لا يمكن للذكاء الاصطناعي عمل أكثر من تعديلات شكلية، سواء كان ذلك بالتلاعب بالبكسلات على الشاشة، أو النوتات على دفتر الأستاذ الموسيقي. قد تكون هذه الأنشطة جذابة ومثيرة للاهتمام من الناحية الإدراكية، لكنها بدون تفاعل بين الفنان والجمهور ستفتقر إلى المعنى.
في السنوات الأخيرة، كنت محظوظًا بالعمل مع عدد الفنانين المهتمين باستكشاف الذكاء الاصطناعي في ممارساتهم. لقد كرست نفسي لهذا العمل من خلال تطوير منصة بلايفورم Playform، وهي منصة تسمح للفنانين بتجربة الذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى التبحر أو فهم الخوارزميات والمصطلحات التقنية التي وراءها.
بمجرد رفع هذه الحواجز التقنية، يمكن للفنانين أن يحققوا أشياء مذهلة. يستخدم بعضهم التقنية لإنشاء صور للأعمال الفنية أو لمشاريع الواقع الافتراضي. وآخرون يساعدهم في الاستلهام لمشاريعهم. وبعضهم يغذي الحاسب الآلي بصوره الخاصة ليستخدم ذكاء الآلة من أجل فهم أسلوبه بشكل أفضل.
لاحظت أن التقنيات الجديدة غالبًا ما تُقابل أولاً بالريبة قبل تبنيها في النهاية، والذكاء الاصطناعي ليس استثناءً من هذه الحالة. كالكاميرا، سيكون الذكاء الاصطناعي أداةً للفنانين وغير الفنانين على حد سواء للتعبير عن أنفسهم. هذا ما يجعلني واثقًا من أن الآلات الذكية يمكنها أن تساعد لا أن تؤذي الإبداع البشري. فمستقبل الفن، كما يبدو لي، واعد.
الكاتب: مدير مختبر الفن والذكاء الاصطناعي في جامعة روتجرز، ومؤسس لشركة Playform في مجال الذكاء الاصطناعي.
المترجم: كاتب ومترجم في فلسفة التقنية وتاريخها.
المُراجع: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
The Robot Artists Aren’t Coming
Ahmed Elgammal
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
