2025-07-13

١١ أغسطس ٢٠١٨
قد تكون الروبوتات أفضل من لا شيء، لكنها تظل غير كافية
قبل عدة سنوات تحدثت مع فتاة في السادسة عشر من عمرها، ذكرت لي أن في حسبانها إمكانية أن يكون الحاسوب رفيقها المستقبلي، و قد عددت لي مزايا ذلك. ما ألهمني هنا ليس الروبوت الذي تخيلَّته -والذي كان نموذجاً أكثر تعقيداً من (سيري) – بل اعتبارها وهي في هذا العمر أن البشر خيبة أمل كبيرة، واليوم، اتضح لي حقيقة أن الناس لديها خيارات. اعتبرت رأيها تنبئياً حينها. أما الآن فأجده مواكباً.
تقول الفتاة:
“قد يحاول البعض تكوين صداقات لكنهم يفشلون فشلاً كبيراً، حتى ينتهي بهم المطاف إلى التخلي عن ذلك”، و أضافت: “لو علموا فقط عن صحبة الروبوتات.. في الواقع.. لا يملك الروبوت وعياً يجعله يهجرك أو يتركك، أو شيئاً من هذا القبيل”.
لقد نشأت هذه الفتاة في عصر “سيري”، الأداة الحوارية التي تُقدم كآلة قادرة على التعاطف – والتي هي شيء يستطيع أن يفهمها. لذا يبدو أنه سيكون طبيعياً بالنسبة لها وجود أجهزة أخرى توسع نطاق المحادثة. لكن هناك أمر لم تستوعبه لحداثة سنها -أو كسائرنا جميعا- يحدث أن ننساه عندما نتحدث عن الآلة.
يمكن لهذه الروبوتات أن تؤدي شعور التعاطف أثناء حوار عن الصديق، أو الابن، أو الأم أو الحبيبة، لكن ليست لديها خبرة فعلية في أي من هذه العلاقات. ليس لدى الآلة أي معرفة بجوهر الحياة البشرية. فهي لا تشعر بأي شيء حيال الفقد أو الحب الذي نصفه لها. الحوار عن الحياة معها يشغل حيزاً في عالم من الافتراضات.
إلا أننا خلال تواصلنا مع هذه الآلات قد نتجاهل حقيقة مهمة: إننا نتصرف و كأن الروابط العاطفية التي نبنيها معهم ستكون تبادلية وحقيقية، و كأن هناك علاقة حقيقة عاطفية يمكن أن تبنى مع أشياء ليس لها عواطف على الإطلاق.
أثناء عملية التصنيع و التسويق لهذه المنتجات، نشجع الأطفال على تطوير رابطة عاطفية تؤدي بدورها الى طريق عاطفي مسدود لا محالة. علاوة على ذلك، أصبح من الشائع أن ينتقد علماء النفس فعل التعاطف – هذا الشكل الفريد من أشكال التواصل الإنساني – في وقتٍ نشرع فيه بالدخول في علاقات مع أشياء ليس لديها مشاعر لتعطيها. المصادفة مؤاتية للغاية: سيفقد الأطفال القدرة على التعاطف، فهم مرتبطون باستمرار بأشياء غير قادرة على بناء روابط تعاطفية.
تتحدى التقنية الإنسان ليتأمل القيم الإنسانية، يمكننا استخدام التقنية لإيجاد علاج لمرض باركنسون أو الزهايمر، و هذه نعمة عظيمة، لكن هذه النعمة ليست مبرراً للانتقال من تطوير عقل اصطناعي إلى علاقة حميمية اصطناعية.
يكثر هذا النوع في هذه الأيام. يُشاع أن رفقة الآلة ” أفضل من لا شيء” وذلك بسبب عدم وجود عدد كاف من الناس لتقديم التعليم والحب وقضاء حاجات البشر. لكن هذا يأخذنا إلى قضية أخرى: ستصبح الروبوتات أفضل من أي شيء اخر، خلافاً للإنسان، لن تهجرك الالة، ولن تموت أو تمرض. قد تكون غير قادرة على الحب، لكنها لن تحطم قلبك.
في بداية شهر مايو تمت استضافتي في فيلم وثائقي حول التقنية والإنسانية. أراني المخرج بينيت ميلر مقاطع فيديو لمقابلات أجراها مع أشهر المهتمين بدراسات المستقبل كداني هيليس، وراي كورزويل، و كيفن إسفلت. تتكرر هذه المقولات كثيراً:
لا يوجد عدد كاف من الناس لتقديم الرعاية لكبار السن، ستقوم الروبوتات بهذه المهمة.
هناك وباء من الوحدة: سيصبح هذا من الماضي بفضل الروبوتات.
يتوق الإنسان للخلود: سيُعاد تجسيدنا لجعل ذلك ممكناً.
بالإضافة إلى ذلك فإن الطبيعة الإنسانية، طبيعتنا الإنسانية، تتطور وفق أقصى إمكاناتها. إن مصيرنا الإنساني مرتبط بتطورنا لنكون كائنات متفوقة معرفياً من أجل مستقبل تحكمه الآلة.
هذا الحديث ليس جديداً علي، إلا أنه يفزعني في كل مرة. يتهمني زملائي التقنيون بحماسهم الجارف، بماذا يا ترى؟ ربما بالتعصب للجنس البشري، على ما أظن.
لا أجد نفسي مرتاحة لهذه الافتراضات التي يضعها زملائي حول مستقبل الإنسان، وبأن طبيعتنا البشرية تحتم علينا التطور لنكون أكثر من بشريين، حتى نصل إلى الخلود في نهاية المطاف. هي خطوات صغيرة. سنرغب في علاج أمراض الدماغ أولاً وبعدها، سنرغب في الحصول على أدمغة متفوقة، وبعدها سنرغب لأدمغتنا هذه بالعيش الأبدي. أشعر أنني دخيلة على هذه المقولات المبهجة، والتي لا أعتبرها محاورات عن القيم الإنسانية فحسب، بل أيدولوجيا تكنولوجية لما يجب أن تكون عليه قيم ما بعد الإنسانية.
من المثير للسخرية أن نكران ضرورة الموت يعني أن تنكر حاجة الطبيعة البشرية لإجراء حوار حقيقي حول الموضوع. قدم لنا التقنيون الذكاء الاصطناعي، وآل بنا الحال إلى أن نبدو مختلفين، بسبب نوع الذكاء الذي لا يملكه إلا البشر. إنه الذكاء المرتبط بعلاقة الإنسان بجسده، وعن مكانته في عائلته وتاريخه. يتطور العلم في هذا العصر، وبخطوات واسعة يقدم لنا – صحبة حميمة اصطناعية، شكل آخر من أشكال الذكاء الاصطناعي. هذه الصحبة الحميمة لا تتسع للتعاطف البشري، ولا لما يختبره الإنسان داخل جسده من مشاعر كالخوف من الموت، والوحدة، والمرض والألم. إننا نتضاءل كلما تنامى حجم تعاطف الآلة الظاهري. تجبرنا التقنية على نسيان ما نعرفه عن الحياة.
في هذه الحياة، تذهلنا قوة الحضور، واللحظات الصغيرة ذات المعنى، معجزة أنفاس أطفالنا، ومشاعر التواصل الإنسانية العميقة. عند ذكر التقنية فإن تفكيرك ينصرف عن هذا كله.
تُبرمج الالة لتكون تعاطفية بشكل أكبر. في العصر الحالي ان تكون انسانا يعني أن تكون متعاطفاً بحق. لنتذكر مدى أهمية ذلك ولنتذكر بماذا نعتز.
أن تكون إنساناً يعني أن تُقدِّر عظمة كونك إنسان.
الكاتبة: أستاذة في برنامج العلوم والتكنلوجيا والمجتمع في معهد ماساتشوستس للتكنلوجيا (M.I.T). وهي مؤلفة كتابيّ استعادة المحادثة و معًا على انفراد وكلاهما يتناول نقدًا للروبوتات الاجتماعية.
المترجمة: أستاذة في جامعة الملك سعود، حاصلة على الماجستير في اللغة الإنجليزية، وعضوة في جمعية الفلسفة.
المراجع: كاتب ومترجم في فلسفة التقنية وتاريخها.
There Will Never Be an Age of Artificial Intimacy
Sherry Turkle
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
