2026-04-09

٨ يوليو ٢٠٢٠
عارض تشوانغ تسي قبل ٢٥٠٠ سنة فكرة أن “العادي” جيد وأن الاختلاف سيء
في أحد حكاياته الفلسفية، يصف الفيلسوف الطاوي تشوانغ تسي Zhuangzi (القرن الرابع قبل الميلاد) رجلًا يسميه سبلاي ليمب شو Splay-limb Shu (شو ذو الأطراف المتفرّعة). يكتب تشوانغزي أن “ذقنه غائر في بطنه. وكتفاه تعلوان رأسه، ومتقاربتان حتى كأنهما تشيران إلى السماء. وأعضاؤه الخمسة في الأعلى،وفخذاه مشدودتان إلى أضلاعه”. في زمن تشوانغ تسي كما هو الحال في زمننا، كان معظم الناس سيعتبرون أن شو هذا إنساناً تعيساً أو سيء الحظ.
ولكن تشوانغ تسي والذي تحدى في كثير من الأحيان أعراف المجتمع، يرى الأمور بشكل مختلف. ويشير على سبيل المثال إلى أن شو ليس تحت خطر التجنيد في الجيش أو تحت ضغط للعمل القسري. فبدلًا من ذلك، هو يعيش راضيًا في مجتمعه ويدعم نفسه من خلال “رتق الملابس وغسلها”. ويخلص تشوانغ تسي إلى أن شو “قادر على إبقاء نفسه على قيد الحياة وأن يعيش السنوات التي منحته إياها السماء” على وجه التحديد لأنه مختلف عن الآخرين.
وحتى اليوم، لا تزال هذه الرؤية مذهلة. يطرح تشوانغ تسي فكرة أن اختلاف شو الذي يمكن أن نصنفه اليوم على أنه إعاقة، ليس سوء حظ، وبذلك يتحدى الافتراض الموجود في الثقافات بجميع أنواعها منذ آلاف السنين.
من الصعب تحديد مصدر هذه الفكرة القائلة بأن كونك من ذوي الإعاقة أمر سيء بطبيعته، ولكن في الغرب، تعود الأمثلة إلى اليونان القديمة. يظهر الرابط بين الفضيلة والجمال و”الحالة الطبيعية” في رواية أفلاطون عن حوار سقراط مع كريتون، حيث يؤكد سقراط أن “الحياة الطيبة والحياة الجميلة والحياة العادلة هي ذات الشيء” وأن الحياة “لا تستحق أن تُعاش بجسد فاسد وفي حالة سيئة”.
وفي وقت لاحق، جادل أرسطو، تلميذ أفلاطون، بوضوح في كتابه “السياسة” بأنه “لاينبغي تربية أي طفل مشوه” بل ينبغي بدلًا من ذلك تركه ليموت بسبب التعرض للعوامل الطبيعية. وجد الفلاسفة الإسلاميون واليهود والمسيحيون فيما بعد أن مفهوم أرسطو المعياري للطبيعة البشرية ينسجم مع التقاليد الإبراهيمية السائدة: إن الشكل المثالي للإنسان موجود في عقل الله الذي “خلق الإنسان على صورته”. وأي اختلافات أو انحرافات عن هذه القاعدة تعتبر شاذة. ليس من قبيل الصدفة أن يؤكد الكتاب المقدّس أنه لا يجوز للمرء أن يصبح كاهنًا إذا كان “رجلًا أعمى أو أعرج… أو رجلًا مكسور القدمين أو مكسور اليدين أو معوجًا أو قزمًا أو به عيب في جسده” (سفر لاويين 21:18-20 طبعة الملك جيمس).
لكن في السياق الصيني، يجادل تشوانغ تسي ضد المفهوم الكونفوشيوسي لـ “الحالة الطبيعية” والذي، مثل الأرسطية، يُعد غائيًا. فهناك قوة عليا، السماء تقرر ما هي “الطبيعة البشرية”، والطبيعة البشرية تحدد كل الحقائق المعيارية مثل عدد الأطراف التي يجب أن يمتلكها الإنسان ومعايير الجمال الجسدي والأذواق في الطعام والموسيقى والأخلاق. هذا الرأي يعني أن كونك “مختلفًا” فأنت مَعِيب.
نرى الهدف من انتقادات تشوانغ تسي في فقرة أخرى من كتاباته، حيث يلتقي كونفوشيوس برجلٍ مبتور الأطراف يُدعى شوشان نو-توز Shusan No-Toes (شوشان بلا أصابع قدم). في البداية يتعامل كونفوشيوس مع هذا الرجل بازدراء، ولكن بعد ذلك، موجهاً كلامه إلى تلاميذه، يمدحه بنبرة تنطوي على تعالٍ، مشيداً بأدائه الجيد رغم إعاقته. وعلى الرغم من أن هذه الواقعة يُفترض أنها حدثت قبل٢٥٠٠ عام، إلا أن نمط التبادل سيكون مألوفًا لأولئك الذي يطلق عليهم اسم “المعاقين” اليوم. (راجع مقال جون ألتمان لعام ٢٠١٦ بعنوان “لا أريد أن أكون ملهمًا”).
لكن نو-توز يشرح أنه من منظور الكون لا يوجد تمييز حقيقي بين الأشخاص غير المعاقين والمعاقين: “ليس هناك شيء لا تغطيه السماء، ولا شيء لا تتحمله الأرض”. ويشير نو-توز إلى أن كونفوشيوس هو “المعاق” حقًا بسبب عدم قدرته على تجاوز الفروق التقليدية السابقة. إذن فإن مفهوم الإعاقة في حد ذاته هو “مشروط اجتماعيًا” ويتم تحديده من خلال قيود المجتمع وليس القيمة الحقيقية للفرد، وهي حجة موجودة في أعمال العديد من فلاسفة الإعاقة المعاصرين بما في ذلك شيلي تريمين وجو ستراموندو وميليندا هول وكول مونتغمري.
يفهم تشوانغ تسي الفضيلة كما تتجلى في العيش وفقًا للطبيعة. يحدث الفساد وفقًا لتشوانغزي فقط عندما ينحرف المرء عن مسار الطبيعة. فإذا قررت الطبيعة أن لدى الإنسان ذراعًا واحدة أو أطرافًا مفلطحة أو ظهرًا محدبًا فإنه يستطيع أن يتقبل هذه التغيرات ويتناغم معها. وكما يقول تشوانغ تسي “الفضيلة ليس لها أي شكل”.
تشوانغ تسي مؤلف مبدع ومرن، لذلك ليس من المستغرب أنه في وقت لاحق من نفس العمل يجعل كونفوشيوس المتحدّث الرسمي لآرائه. تقول هذه النسخة من كونفوشيوس إنه يريد أن يصبح تلميذًا لشخص مبتور الأطراف، “رويال ناج Royal Nag”، لأنه “ينظر إلى الطريقة التي تكون عليها الأشياء واحدة (أو كاملة) ولا يرى ما ينقصها. إنه يرى في فقدان القدم أمرًا بسيطًا، وكأنه ينفض الغبار”. لقد رأى رويال ناج (وتشوانغ تسي)، قبل فترة طويلة من علماء المعرفة المعاصرين، أن التشابه والاختلاف يعتمدان على وجهة النظر: “بالنظر إلى اختلافاتهما، فإن الكبد والمرارة متباعدتان كتباعد ولاية تشو Chu عن ولاية يو Yue . وإذا نظرنا إليها من خلال تماثلهما، فإن آلاف الأشياء كلها شيء واحد”. باختصار، لن يكون الافتراض الشائع بأنه من “السيء” أن تكون “معاقًا” منطقيًا إلا إذا أسقطنا قيمنا الإنسانية الضيقة والمشروطة تاريخيًا على نسيج الكون.
أحد الردود على هذا النقد هو أن الإعاقات سيئة، ليس لأنها انتهاكات للبنية الغائية الموضوعية للكون، ولكن لأنها غير فعّالة. أولئك “المعاقون” هم ببساطة أقل قدرة على الأداء وأقل قدرة على تحقيق أهدافهم من أولئك “العاديين”. وهذا يؤدي بسهولة إلى استنتاج مفاده أن القضاء على الإعاقات سيكون أفضل، ليس للمجتمع فقط، بل أيضًا للمعاقين أنفسهم. ويبدو أن التكنولوجيا المعاصرة قد وضعت هذا الأمر في متناول أيدينا تقريبًا. ومع ظهور كل من تقنيات الفحص الجيني وتقنية تحرير الجينات كريسبر، فإننا نقترب من عصر قد نتمكن فيه من تصميم جسم الإنسان. ربما سيكون الوضع الطبيعي الجديد للعائلة الأمريكية قريبًا هو الأطفال المصممون. وربما نقترب من عالم يتم فيه القضاء على المرض، عالم من الانسجام والتجانس الجسدي والعقلي بين جميع الشعوب. سيجادل كثيرون بأن هذا هو بالتأكيد من قبيل المدينة الفاضلة “عالم جديد وشجاع”.
توضح جاذبية هذه الحجة خطر هيمنة التفكير الذرائعي، وهو التفكير المستخدم لإيجاد الطريقة الأكثر فعالية لتحقيق هدف معين. هذا جانب مهم من جوانب الحكمة، ولكنه يحمل أيضًا إغراء اختزال العقلانية في كفاءة الوسائل والغايات، وخاصة في المجتمع الرأسمالي الحديث. وفي بعض الحالات، تؤدي كفاءة الوسائل والغايات إلى معيار غير مناسب وغير إنساني.
سيكون من اللطيف الاعتقاد بأننا تجاوزنا هذا المأزق، لكننا لم نفعل ذلك بعد. لا يزال ملازم لنا كثيرًا. مع بدء جائحة فيروس كورونا في إرباك القدرات الطبية في الولايات المتحدة في مارس، قال الناشط والكاتب في مجال الإعاقة آري نيمان إن إرشادات الفرز التي كانت تطبقها بعض الولايات تشير إلى أنه من الأفضل ترك الشخص المعاق يموت لمجرد أنه سيتطلب المزيد من الموارد لإبقائه على قيد الحياة. وكتب نيمان أن مبدأ منح قيمة متساوية للحياة البشرية سيتم بعد ذلك “التضحية به باسم الكفاءة”.
لا نهدف في هذا المقال الموجز استبعاد الفلسفة بأكملها خارج نطاق فكر تشوانغ تسي. فقد تضمنت أقوال كونفوشيوس مقطعًا يَظهرُ فيه المعلم مضيفًا محترمًا ولطيفًا لأستاذ موسيقى أعمى (“مختارات” ١٥، ٤٢)، وتتضمن التقاليد الكونفوشيوسية اللاحقة هذا النداء المؤثر،”كل من تحت السماء ممن هم متعبون، أو مقعدون، أو منهكون، أو مرضى، أو بلا إخوة، أو بلا أبناء، أو الأرامل، جميعهم أخوتي الذين لا حول لهم ولا سند يلجوؤن إليه”. سوف يدرك قرّاء العهد الجديد أن هذه قيمة أساسية في تعاليم المسيح. في الواقع، كانت العديد من الشخصيات والمؤسسات في التقاليد الإبراهيمية في طليعة من اعتنوا بذوي الإعاقة، وذلك على وجه التحديد بالاستناد إلى الرؤية الأفلاطونية القائلة بأن القيمة النهائية للبشر تكمن في أرواحهم اللامادية، لا في بدلاً من تجسدّهم المادي العارض.
ولكن في هذا الزمن الذي تتفشى فيه الأمراض وتتفاقم فيه اللامساواة الاجتماعية، ومع إدراك واجبنا الأساسي المتمثل في تقديم المساواة في المعاملة والتعاطف ورعاية الآخرين، فإننا نعتقد أن تشوانغ تسي يمثل دليلاً مهماً وبصيراً، أو “محرضاً فكرياً” طاوياً إن صح التعبير، يدفعنا إلى مساءلة تصوّراتنا التقليدية عن الازدهار والصحة. ومع اقتراب الذكرى الثلاثين لقانون الأمريكيين ذوي الإعاقة Americans with Disabilities Act، يذكرنا هذا الطاوي الصيني القديم بأن الظروف المادية للمجتمع هي التي تحدد الإعاقة وتُعرِّفُها. ولنا القدرة على تغيير هذه الظروف المادية، وكذلك إعادة تعريف مفهوم الإعاقة.
الكاتبان: يكتب جون ألتمان عن الفلسفة للجمهور العام وهو مساهم في سلسلة كتب الثقافة الشعبية والفلسفة.
يشغل فان نوردن كرسي الفلسفة في كلية فاسار، وهو مؤلف كتاب “استعادة الفلسفة: بيان متعدد الثقافات”.
المترجمة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
المراجع: كاتب ومترجم في فلسفة التقنية وتاريخها.
?Was This Ancient Taoist the First Philosopher of Disability
John Altmann and Bryan W. Van Norden
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
