2025-12-07

٣٠ سبتمبر ٢٠١٩
معرفة الجواب قد تدفعنا نحو إيجاد حل حقيقي
إذا لم تقنعك حرارة الصيف، التي أعقبها إعصار دوريان، بأن تغير المناخ حقيقي، فمن المحتمل ألا يقنعك أي شيء إطلاقًا. والمقتنعون منا سيرغبون في التخفيف من حدته إذا استطعنا. ويتطلب القيام بذلك فهم الأنواع المختلفة من المشاكل التي يفرضها تغير المناخ، فهي اقتصادية وسياسية وفلسفية. إن الأنواع الثلاثة من المشاكل متشابكة بشكل لا يمكن فصله. وهذا هو أحد الدروس التي يعلمها النظام الجديد نسبيًا للسياسة والفلسفة والاقتصاد (PPE).
أُطلِقَ مصطلح PPE للإشارة إلى هذا الموضوع منذ طرحه لأول مرة في جامعة أكسفورد بعد الحرب العالمية الأولى. والآن يتم تدريسه في مائة جامعة أمريكية أو أكثر، فهو يجمع بين الموارد الفكرية للتعامل مع القضايا الإنسانية المعقدة.
ولندرك المشاكل التي تواجه أي محاولة للتخفيف من تغير المناخ، فعلينا أن نبدأ بمصطلح فني من الاقتصاد: “المصلحة العامة” (Public Good).
بعيدًا عن المعنى العادي لهاتين الكلمتين، في النظرية الاقتصادية، المصلحة العامة ليست سلعة مثل: المدارس أو الطرق التي توفرها الحكومة للشعب، بل هي سلعة تمتاز بوجود خاصيتين تغيبان عن السلع الأخرى ومن بينها المدارس والطرق. الخاصية الأولى هي أن المصلحة العامة تُستَهلك بطريقة غير تنافسية؛ فمهما استهلك منها شخص، فإن الكثير منها سيبقى ليستلهكه الآخرون.
إنارة الشوارع مثال جيد على ذلك: عندما أستهلك الأمان الليلي الذي توفره بقدر ما أريد، لا يزال هناك الكثير المتبقي لك. نحن لسنا منافسين في استهلاك المصلحة العامة. المدارس العامة ليست منافع عامة بهذا المعنى، فكلما زاد الاهتمام الذي يحظى به طفلك، قلّ الوقت الذي يمنحه المعلم لطفلي.
الخاصية الثانية أنه لا يمكن استبعاد المصلحة العامة: من المستحيل أن أستهلك إنارة الشوارع دون أن تكون متاحة لك في نفس الوقت. الطريقة الوحيدة لاستبعادك من الاستهلاك هي إيقافها، ولكن بعد ذلك لن أستطيع استهلاكها أيضًا. أما المدارس العامة فهي سلع مستبعدة. يمكن طرد طفلك من مدرسته، لذا فإن المدارس ليست منفعة عامة.
حدد اتفاق باريس للمناخ هدفًا يتمثل في منع درجات الحرارة العالمية من الارتفاع أكثر من 1.5 درجة مئوية. وستكون هذه النتيجة من أجل المصلحة العامة. لا أستطيع أن أستهلك أيًا منها إلا إذا كانت متاحه لك أيضًا، ومهما استهلكت منها لمنفعتي الشخصية، فلن يقلل ذلك من الكمية التي يمكنك استهلاكها.
وكما هو الحال مع إنارة الشوارع، فإن بعض الناس سوف يستفيدون أكثر من غيرهم من السلعة العامة. ومن المؤسف أن حياة النساء عمومًا تتحسن بفضل إنارة الشوارع أكثر من حياة الرجال. إن التخفيف من آثار تغير المناخ لن يفيد الجميع بقدرٍ متساوٍ. لكن لا يمكن أن يستفيد فرد دون أن يستفيد الجميع، ومهما استفدت، سيبقى لك المزيد من الفائدة.
وهنا يأتي دور السياسة والفلسفة. وكما هو الحال مع كل المنافع العامة الأخرى، فإن الحد من تغير المناخ يخضع لما يسمى معضلة السجين: إذا اجتمعت بقية الدول الرئيسة المسببة للتلوث في العالم للحد من الانبعاثات، فلن يكون لدى الولايات المتحدة خيار آخر وسوف تستفيد. ومن ناحية أخرى، إذا لم تفعل الصين والاتحاد الأوروبي والهند وروسيا وكوريا الجنوبية أي شيء، فلا فائدة من أن تحاول الولايات المتحدة ولو لمجرد المحاولة. فلا يمكنها أن تحل المشكلة وحدها. ويبدو أنه في كلتا الحالتين، لا ينبغي للولايات المتحدة أن تفعل أي شيء للحد من انبعاثاتها. وإذا كان زعماء الحكومات الأخرى يفكرون بنفس الطريقة، فمن الأرجح أن تكون النتيجة ظواهر مناخية كارثية في جميع أنحاء العالم.
فهل من سبيل للهروب من معضلة السجين المرتبطة بتوفير المنفعة العامة؟
اكتشفت هذه المشكلة لأول مرة في القرن السابع عشر على يد الفيلسوف توماس هوبز، الذي سعى إلى تبرير السلطة السياسية. يتمحور سؤال هوبز حول كيفية الهروب من فوضى معضلة السجين. واعترف بأن سيادة القانون تُستهلك دون منافسة أو استبعاد، حتى للأضعف والأفقر. ومن الواضح أن بعض القوانين أفضل لبعض الناس من البعض الآخر، لكن هوبز زعم أن أي قوانين، حتى قوانين الدكتاتور المستبد، مهما كانت ضارة، تمنح الجميع الحد الأدنى من الفوائد غير القابلة للاستبعاد والتي يمكننا استهلاكها دون منافسة.
إن سيادة فرض حكم القانون، أياً كان، يخلصّنا في الحد الأدنى من حالة الطبيعة التي وصفها هوبز، حيث تكون “حياة الإنسان فيها منفردة وبائسة وشريرة و وحشية وقصيرة”. كما يرى هوبز أن الطريقة الوحيدة لتوفير هذه المصالح العامة هي أن يسلم كل واحد منا كل السلطات للدولة حتى تتمكن من فرض الطاعة للقانون. إن وصفة هوبز للهروب من معضلة السجين لم تجذب الكثير من الدعم. كما إن تاريخ الفلسفة السياسية من لوك إلى رولز هو سلسلة من البدائل المقترحة لاستراتيجية هوبز. وسعى كل منهم إلى إيجاد أساس يستطيع الناس من خلاله إلزام أنفسهم طوعًا بمصداقية لتوفير المصالح العامة المتمثلة في “القانون والنظام”.
بمجرد أن يحدد الفيلسوف المشكلة، يمكن لعالم السياسة أن يتعامل معها بشكل تجريبي: محاولة تحديد الظروف في الحياة الواقعية حيث قام الناس بشكل عفوي بحل مشكلة توفير المصالح العامة لأنفسهم، من أجل مصلحتهم الذاتية فقط ودون إكراه.
إجابةً على هذا السؤال، فازت عالمة السياسة إلينور أوستروم بجائزة نوبل التي كان من المفترض أن تذهب إلى الاقتصاديين فقط. أمضت حياتها المهنية في تحديد الظروف، في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك العالم النامي، والتي في ظلها تتمكن المجموعات من حل معضلة السجين من خلال إنشاء مؤسسات طوعية وقواعد، ومعايير وممارسات يستفيد منها كل عضو، دون منافسة. ومن خلال القيام بذلك، قدمت أوستروم وصفة لكيفية تجنب معضلة السجين التي تفرضها المصلحة العامة. المكونات المطلوبة واضحة: يجب أن يتفق المشاركون على أعضاء المجموعة؛ هناك مجموعة واحدة من القواعد التي يمكن لجميع المشاركين الالتزام بها فعليًا؛ تتم مراقبة الامتثال والمطاوعة بشكل فعال، مع فرض عقوبات متدرجة على المخالفة؛ التنفيذ والفصل في المنازعات بتكلفة ميسورة؛ ويجب على السلطات الخارجية السماح للمشاركين بالامتثال للقواعد. وأخيرًا، على المدى البعيد، يجب أن تكون المجموعة التي تقدم المصالح العامة لأعضائها متداخلة، ومرخصة من قبل مجموعات أعلى منها مستوى. وتستمر بدورها عندما تتمكن من تزويد نفسها بمجموعة مختلفة من القواعد والأعراف والقوانين والمؤسسات التي لا يمكن استبعادها ولا تقبل المنافسة، والتي تحقق المنفعة المتبادلة.
ليس من الصعب إدراك مدى صعوبة تلبية 200 دولة تقريبًا في العالم لهذه الشروط. فإن اتفاق باريس بعيد كل البعد عن وصفة أوستروم. وستكون العقبة الرئيسة أمام تنفيذها هي عدم الرغبة في التنازل عن السيادة الوطنية.
لكن اصبح لدينا على الأقل فكرة جيدة عما نواجهه، وعن بعض الأدوات التي تساعدنا على الاقتراب من الحل. على سبيل المثال، يستطيع المواطنون استخدام وصفة أوستروم لبناء استجابات عالمية متزايدة لتغير المناخ، وبالتالي توفير بعض من هذه المصلحة العامة لكثير من الناس.
تتعامل الفلسفة والسياسة والاقتصاد (PPE) مع تغير المناخ من خلال مفهوم الاقتصاديين للمصالح العامة، والمشروع الفلسفي لترسيخ السلطة السياسية التي توفر هذه السلع في مصلحتنا الذاتية العقلانية، واكتشافات علماء السياسة حول الظروف التي يوفر فيها الناس لأنفسهم هذه السلع بالفعل. يوضح هذا التحليل مدى صعوبة حل مشكلة تغير المناخ، وأن الولايات المتحدة بحاجة إلى أن تأخذ على محمل الجد البحث عن حل تكنولوجي للتحدي الذي تفرضه.
لنأخذ بعين الاعتبار مشكلة إنارة الشوارع في القرن التاسع عشر. لنفترض أنك أكثر ثراءً من أي شخص آخر، وأنك ستخسر الكثير أثناء السير في شوارع المدينة ليلاً أكثر من أي شخص آخر. لديك الكثير لتخسره؛ لذا فإن الأمر يستحق بالنسبة لك أن تدفع ثمن إضاءة الشوارع بنفسك، حتى لو كان بإمكان الجميع الاستمتاع بها مجانًا. وفي هذه الحالة، سيكون من غير العقلاني اقتصاديًا أن ترفض تحمل التكلفة الكاملة للمصلحة العامة.
ماذا لو لم تكن هناك إضاءة جيدة للشوارع؟ إذا كنت أغنى بكثير من أي شخص آخر، ماذا يجب أن تفعل؟ ستقوم بدعم أبحاث توماس إديسون بالطبع. إنه يبحث عن حلٍّ تكنولوجيٍّ – إضاءة شوارع جيدة ورخيصة وموثوقة – وربما رخيصة بما يكفي بحيث تكون على استعداد لدفع ثمنها بالكامل.
إن البلدان والمؤسسات المقتنعة بأن مكاسبها من تخفيف آثار تغير المناخ يمكن أن تفوق التكاليف التي ستتحملها، سوف توفر المصلحة العامة للجميع كمنتج ثانوي، أو أثر جانبي، لما يشترونه لأنفسهم.
والمشكلة هنا هي: أن التكاليف التي يتحملها كل بلد أو شركة على حدة يجب أن تكون منخفضة بما يكفي لإغراقها بفوائدها العائدة.
وهنا يأتي دور العلم ونتائجه التكنولوجية. الألواح الشمسية وتوربينات الرياح والطاقة النووية الآمنة والهندسة الجيولوجية للغلاف الجوي أو المحيطات أو الغابات المطيرة – أي من هذه أو جميعها، لم يفكر فيها أحد بعد وهي من الممكن أن تصبح تكلفتها فعالة لواحدة أو أكثر من هذه البلدان أو الشركات. وسوف تصبح المصلحة العامة المتمثلة في تخفيف آثار تغير المناخ ذات قيمة كبيرة بالنسبة لمستهلك واحد على الأقل ــ دولة أو شركة ــ إلى الحد الذي قد يشتريه لنفسه. ومن ثم يمكننا الانتفاع و الالتحاق مجانًا.
هل يمكن أن يحدث ذلك؟ هل فعلًا سيحدث؟ هل يمكن التعجيل بالوصول؟
قضى الفلاسفة الكثير من الوقت في دراسة هذه العلوم. لقد توصلوا بحزم إلى نتيجة مفادها أنه لا يوجد منطق للاكتشافات العلمية، ولا توجد وصفة للإنجازات القادمة، وبالتالي لا توجد خوارزمية لتحسين التكنولوجيا لدينا. الاكتشاف العلمي بصيغة أخرى هو الصدفة. كل ما يمكننا القيام به هو تعزيز فرص التعليم لإخراجنا من هذه الفوضى: تثقيف العلماء، ودعم الأبحاث الدقيقة، ونشرها بحرية، ومكافأتها بالخلود، وليس فقط بالمال.
الكاتب: يدرّس الفلسفة والسياسة والاقتصاد (PPE) في جامعة ديوك، وهو مؤلف كتاب “كيف تُخطئ التاريخ في الأمور” وعدد من الكتب الأخرى.
المترجمة: حاصلة على درجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي واللغويات في جامعة الملك سعود. تصب اهتماماتها في مجال الأدب والنقد والكتابة والترجمة.
المُراجع: فيلسوف، عضو جمعية الفلسفة السعودية، من مؤلفاته: ١- الفلسفة بين الفن والأيدلوجيا، ٢- قراءات في الخطاب الفلسفي، ٣- الوجود والوعي، ٤- الهرمنيوطيقا (ترجمة).
?What Kind Of Problem Is Climate Change
Alex Rosenberg
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
