2025-12-25

٢٦ نوفمبر ٢٠١٨
ظل الفلاسفة يتحدثون عن الشكوكية لفترة طويلة، وقد تلقي بعض هذه الأفكار الضوء على خطابنا العام المتعلق بتغير المناخ.
مهما كان ذكاؤك ومهما كان تعليمك، فما لا تعرفه يفوق بكثير ما تعرفه. لقد علمنا سقراط فضيلة الاعتراف بحدودنا، وقال إن الحكمة تتطلب أن يكون لدى المرء شيء من التواضع يتجلى في إدراكه لجهله. أصبحت منذ ذلك الحين قيمة إدراك المرء لجهله موضوعًا متكررًا في الفكر الغربي، إذ قال رينيه ديكارت إن المرء يلزمه أن يشك في كل شيء حتى يتسنى له بناء أساس متين للعلم؛ وقال لودفيج فيتجنشتاين في معرض حديثه عن حدود اللغة إن “صعوبة الفلسفة تكمن في ألا نقول أكثر مما نعرف”.
يبدو أن الوعي بالجهل أمر شائع في السياسة أيضًا. قال الرئيس ترامب عن ظاهرة الاحتباس الحراري في مقابلة أجريت معه مؤخرًا في برنامج ستون دقيقة: “لا أعلم أنها من صنع الإنسان”. وقد ردد نفس الفكرة لاري كودلو مدير المجلس الاقتصادي الوطني. ولعل ترامب وكودلو الواثقين من جهلهما بهذه القضايا المهمة يعبران ببساطة عن حكمتهما وتواضعهما الفلسفي، وربما العكس.
عندما يعبر المرء في بعض الأحيان عن شكه فإنه في الواقع يوصي بإجراء معين. فلو أخبرتك مثلًا أنني لا أعرف إن كان في الثلاجة حليب أو لا، فأنا لا أستعرض حكمة فلسفية، بل أوصيك ببساطة أن تفحص الثلاجة قبل أن تذهب للتسوق. من هذا المنظور، فإن ما يفعله ترامب يخبرنا أن القرارات الحكومية لا ينبغي لها أن تفترض أن الاحتباس الحراري سببه البشر.
وفقاً لوكالة ناسا، يعتقد ما لا يقل عن 97% من العلماء الناشطين في نشر أبحاث عن المناخ أن “من المرجح أن ارتفاع درجة حرارة المناخ خلال القرن الماضي كانت ناجمة عن أنشطة بشرية”. والأميركيون متفقون بأغلبية ساحقة على أن على الحكومة الفيدرالية اتخاذ إجراءات مهمة. وفي استطلاع حديث أجرته جامعة ستانفورد وقناة أي بي سي نيوز ومعهد أبحاث ريسورسز فور ذا فيوتشر، قال 61% ممن شملهم الاستطلاع إن الحكومة الفيدرالية يجب أن تتخذ قدرًا كبيرًا من الإجراءات للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي، فيما قال 19% أن على الحكومة أن تتخذ قدرًا متوسطًا من الإجراءات.
بصفتي فيلسوفاً لا أزيد على ما قالته الأدلة العلمية المتعلقة بالاحتباس الحراري، ولكن بوسعي أن أخبركم كيف يمكننا أن نشكك في أمر رغم وفرة الأدلة التي تثبته. وعندي كذلك بعض الاقتراحات حول كيفية حل الإشكال.
لنأخذ بعض التجارب الذهنية كي نفهم كيف يمكن أن نشكك في أمر من الأمور رغم وفرة الأدلة التي تثبته. تخيل أنك ترقب متسوقًا يشتري تذكرة يانصيب من متجر صغير، وأنت تعلم أن احتمالية خسارته لليانصيب مرتفعة ارتفاعًا فلكيًا بما يزيد في العادة عن 99.99 بالمائة، لكن من الصعب أن تسمح لنفسك بالقول إنك تعلم أن هذا الشخص سيخسر اليانصيب. ثم تخيل أن طبيبك يقوم بفحصك للتأكد من أحد الأمراض، وجاء الاختبار سلبيًا. لكن ضع في الحسبان احتمال أن تكون نتيجة هذا الفحص من تلك الحالات “السلبية الكاذبة” النادرة. هل أنت في الواقع تعرف أن نتيجة هذا الفحص تحديدًا ليست سلبية كاذبة؟
توحي هذه السيناريوهات إلى أنك قد تشعر كما لو أنك لا تعرف أمرًا من الأمور، حتى لو كان عندك الكثير من الأدلة التي تثبته. يسمي الفلاسفة مثل هذه السيناريوهات حالات “الضغط الشكي” وهي تنشأ في حالات عادية لا علاقة لها بالسياسة أو بما يريد المرء الاعتقاد بصحته. حالة الضغط الشكي في العموم هي تجربة ذهنية يكون لدى صاحب رأي فيها دليلٌ جيدٌ على رأي يعتقد به، ولكننا نذكر القارئ بأن من الممكن أن صاحب الرأي هذا قد وقع في خطأ من الأخطاء. لا بل قد تروى القصة بطريقة تجعل القارئ يميل إلى الاعتقاد بأن رأي هذا الشخص ليس معرفة حقيقية.
عند عرض هذه التجارب الذهنية على بعض طلاب الفلسفة يستنتجون منها أن المعرفة تتطلب يقينًا مطلقًا. إن الأدلة في مثل هذه الحالات من الضغط الشكي أدلة قوية ولكنها ليست أكيدة بنسبة 100%. إنها فكرة جذابة لكنها لا تنسجم مع حقيقة أننا في العادة نقول إننا نعرف الكثير من الأمور رغم أن احتماليتها أدنى بكثير من 100%. أعرف أنني مثلًا سأقوم بتصحيح أوراق الطلاب في نهاية هذا الأسبوع، رغم أن احتمال قيامي بذلك مرتفع إلا أنه ليس بقريب من 100 بالمائة، فقد أمرض أو يعرض لي شيء أهم. وفرصة الإصابة بالمرض وعدم تصحيح الأوراق أعلى في الواقع بكثير من فرصة الفوز باليانصيب. كيف إذن يمكنني أن أعرف أني سأقوم بتصحيح الأوراق ولا أعرف أن ذلك المتسوق الذي رأيته في المتجر الصغير سيخسر اليانصيب؟
لقد ظل الفلاسفة يدرسون الضغط الشكي دراسة مكثفة طوال الخمسين عامًا الماضية. ورغم عدم وجود إجماع حول كيفية ظهوره، إلا أن هناك فكرة واعدة دافع عنها الفيلسوف ديفيد لويس وهي أن حالات الضغط الشكي غالبًا ما تنطوي على التركيز على احتمال الخطأ. فما إن نبدأ في القلق والتفكير في هذا الاحتمال حتى تثور الشكوك في أذهاننا، مهما كان ذلك الاحتمال بعيدًا. تصف الفيلسوفة جنيفر ناجل هذا النوع من التأثير بـ “القلق المعرفي”.
توقعت في بعض كتاباتي أن نسخة متطرفة من هذه الظاهرة تعمل في حالات اضطراب الوسواس القهري، وهو اضطراب يؤثر على الملايين من الأميركيين. في العديد من حالات الوسواس القهري، يُشل تفكير المرضى بسبب شكهم في بعض الأمور، ولا يعتبرون بما لديهم من أدلة. قد تشك المريضة على سبيل المثال في إطفائها للموقد رغم أن تأكدت منه عدة مرات. والتركيز على احتمال أن يكون المرء مخطئًا يلعب دورًا مركزيًا في هذه الظاهرة، تمامًا كما هو الحال مع حالات الضغط الشكي.
ولنعد إلى الشكوك المتعلقة بتغير المناخ. وفقًا لعلم النفس الاجتماعي، يميل منكرو تغير المناخ إلى تبني وجهات نظر محافظة تقول بأن الأيديولوجية الحزبية مسؤولة جزئيًا عن مثل هذه المواقف. أعتقد أننا يجب أن نفكر أيضًا في الطبيعة الفلسفية لردود الفعل المتشككة، وهي ظاهرة غير سياسية.
يشبه الرد المعتاد الذي نسمعه من المشككين في تغير المناخ إلى حد كبير ردنا على حالات الضغط الشكي، فهم يدركون أن 97% من علماء المناخ يخالفونهم لكنهم يركزون على القلة القليلة المتبقية التي تنكر تغير المناخ. وكما هو الحال في اليانصيب، فقد يكفي هذا التركيز لتأييد شكوكهم. لقد رأينا هذا النمط من قبل، فالمعارضون للقاحات يدركون أن الكوادر الطبية لا تتفق معهم في موقفهم، لكنهم يركزون على أي بحث هامشي أو جزء منه يقول بخلاف ما يقوله الأطباء.
وقد يأسرهم سحر الشك فلا يزيل تراكم الأدلة هذه الشكوك، تمامًا كما هو الحال في اليانصيب فزيادة احتمال خسارتك فيه لا تجعلك تشعر فجأة أن ورقتك خاسرة.
من طرق مواجهة آثار الشك التوقف عن الحديث عن “المعرفة” والتحول إلى الحديث عن الاحتمالات، فبدل أن تقول بأنك لا تعرف هذا الزعم، حاول أن تقدر احتمالية صحته. وكما يعرف مديرو صناديق التحوط والاقتصاديون والباحثون السياسيون والأطباء ووكلاء المراهنات منذ فترة طويلة، فإن طريقة اتخاذ القرارات أثناء إدارة المخاطر هي من خلال الاحتمالات. ما إن نتحول إلى هذا المنظور إلا وتفقد دعاوى “عدم المعرفة” التي يطلقها ترامب قوتها، فنجد أنفسنا مضطرين إلى التفكير مليًّا في البيانات الحالية فننخرط بعدها في حسابات التكلفة والعائد.
ومن المثير للاهتمام أن الأشخاص الواقعين في قبضة الشك غالبًا ما يظلون على استعداد لقبول الاحتمالات الموضوعية. ولنعد إلى مثال اليانصيب مرة أخرى. رغم أنك تستصعب القول إنك تعرف أن ذلك المتسوق الذي اشترى ورقة اليانصيب سيخسر اليانصيب، إلا أنك ستوافق على الفور على أن احتمال خسارته ما زال مرتفعًا. يعني ذلك أن المشككين في المناخ قد يرجعون عن رأيهم بشأن تقديرهم لاحتمالات تغير المناخ دون التخلي عن شكوكهم الأولية. من السهل أن تقول أنك لا تعرف، ولكن من الصعب أن تلتزم بتقدير منخفض الاحتمال أمام أدلة قوية تثبت العكس.
لقد كان سقراط على حق عندما قال أن من الفضيلة إدراك المرء لجهله، لكن الفلاسفة كشفوا لاحقًا عن العديد من الثغرات في دعاوى الجهل. ولعل تفهُّم مثل هذه القضايا يمكن أن يساعد في رفع مستوى الخطاب العام حول مواضيع ذات أهمية كمستقبل كوكبنا.
الكاتب: أستاذ الفلسفة في كلية الدراسات التاريخية والفلسفية والدينية في جامعة ولاية أريزونا.
المترجم: أستاذ اللغويات المساعد بجامعة أم القرى، عضو مؤسس جمعية الفلسفة.
المُراجعة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
Knowledge, Ignorance, and Climate Change
N. Ángel Pinillos
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
