2025-07-20

٥ مارس ٢٠١٣
“أن ترشد الذبابة كيف تخرج من مصيدة الذباب”، هذا هو الهدف من الفلسفة كما قال فيتجنشتاين. ومع أننا لا ندري إن كان أحدهما – أي الفيلسوف والذبابة – يجد في هذه المقارنة شيئًا من الإطراء، إلا أن الفكرة العامة واضحة بما فيه الكفاية، كما أشار إلى ذلك بول هوروِك في مقالته الأخيرة «هل كان فيتجنشتاين على حق؟». عندما نشعر بالفضول تجاه المشكلات الفلسفية، فإن وعود التنوير الجميلة تجرنا نحو الألغاز فنجد أنفسنا عالقين في دوامة من الإحباط، ثم نظل نضرب برؤوسنا على الجدار ذاته مرارًا وتكرارًا. يقول فيتجنشتاين إن ما نحتاجه هو التحرر؛ التحرر من سجن المشاكل الزائفة التي جلبناها لأنفسنا، التحرر من الفلسفة التقليدية.
إن تحليل هوروِك تحليلٌ مهمٌّ ينفُذ إلى لبّ المسألة. لا شك أن البعض سيختلفون معه في قراءته لفيتجنشتاين، لكني لن أختلف معه لا لأني أعتقد أنه تحليل صحيح فحسب، ولكن لأني أكثر اهتماما بمعرفة ما إذا كان تحليله صحيحاً أم لا. وليس مستغربًا أن عندي بعض الشكوك.
يقول فيتجنشتاين هوروِك (أي فيتجنشتاين كما يراه هوروِك) إننا نسجن أنفسنا في أقفاص زجاجية لأننا نبالغ نحن الفلاسفة في تقدير ما حققه العلم من نجاح في تقديم تفسيرات اختزالية. إن التفسير الاختزالي لشيء من الأشياء هو التفسير الذي ينبئنا عن جوهر ذلك الشيء ويببن ما يشترك فيه هو وأفراد جنسه وحدهم. وكما يشير فيتجنشتاين هوروِك فإن المفاهيم التي يهتم بها الفلاسفة تبدو شديدة المقاومة لهذا النوع من التحليل. وهذا شيء يمكننا فهمه إذا أمعنّا النظر في الدور الذي تلعبه هذه المفاهيم في فكرنا ولغتنا. متى ما فعلنا ذلك وجدنا أن إجابات الفلسفة التقليدية لأسئلتها التقليدية هي أخطاء من قبيل “التعميمات المفرطة المنحرفة”.
خذ هذا المثال الذي يلجأ إليه هوروِك نفسه: الحقيقة. إنه يقول إن الفلاسفة درجوا على افتراض أن للحقيقة طبيعة واحدة، أي أن كل العبارات الحقيقية تشترك في هذه الطبيعة. قال البعض إن كل الحقائق تتوافق مع الواقع، وقال آخرون إن كل الحقائق مفيدة، أو متماسكة من الناحية العقلية، وما إلى ذلك. وكل هذه الآراء قاصرة، فليست كل حقيقة مفيدة، ولا كل حقيقة تتوافق توافقًا واضحًا مع الواقع الموضوعي، خذ على سبيل المثال حقائق الأخلاق والرياضيات الأساسية. من وجهة نظر فيتجنشتاين كما يراه هوروِك، فقد أدخلنا أنفسنا في هذه الفوضى من خلال تجاهل الوظيفة الحقيقية للمفهوم، وهي أن المفهوم يسمح بالاختصارات اللغوية، ولا يحدد الخصيصة العميقة التي تشترك في جميع العبارات الحقيقية. هذا كل ما في الأمر: أن المخرج من مصيدة الذباب هو في معرفتنا أنه لا توجد “طبيعة” للحقيقة.
يصعب ألا نتعاطف مع فكرة أن الفلاسفة يميلون إلى الإفراط في التعميم. بدأ الأمر مبكرًا مع طاليس، وهو من أوائل الفلاسفة المسجلين في الغرب، فقد زعم أن الماء أصل كل الأشياء؛ فاعترض أحد منافسيه مشيرًا إلى أن كل شيء في الواقع مصنوع من النار. لكن تعميمات فيتجنشتاين هوروِك حول الفلسفة تبدو، تقريبًا، مفرطة في التعميم هي الأخرى.
أولاً، إن كنا لا نستطيع تعريف الشيء تعريفًا اختزاليًّا (أي تعريفًا علميًّا) فهذا لا يعني أننا لا نستطيع أن نقول ما يساعدنا على فهم هذا الشيء. ولنرجع إلى وصف فيتجنشتاين هوروِك للحقيقة، فهو يفترض أننا بين أمرين: إما أن هناك طبيعة واحدة للحقيقة (ويمكننا تعريفها تعريفًا اختزاليًّا) أو أنه لا طبيعة للحقيقة على الإطلاق. لكن لم الاعتقاد أن هذين هما الخياران الوحيدان؟
قد تكون بعض العبارات كتلك التي نقولها عن العالم المادي صحيحة لأنها تطابق الواقع، أما تلك التي نقولها عن الحقوق السياسية أو عن الرياضيات فهي صحيحة لأنها تناسب نظرية شاملة تتوافق مع سائر معارفنا. بمعنى أنه ليس بالضرورة أن تكون للحقيقة إما طبيعة واحدة فقط أو لا طبيعة على الإطلاق، فقد يكون لها أكثر من طبيعة واحدة. إذا كان الأمر كذلك، فإن خطيئة الرؤى التقليدية تكمن تحديدًا في أخذ فكرة جيدة والمبالغة في تعميمها. لكن هذا لا يعني أننا لا يمكن أن نقول شيئًا عن الحقيقة. بل الأمر أبعد ما يكون عن ذلك، فهناك الكثير مما يمكن قوله، وذلك بحسب ماهية الأمر الذي نتحدث عنه. لذلك ربما لا يكون هناك تفسير اختزالي موحد، بل تفسير موضح، لا فرق.
يقودني هذا إلى ما أعتقده الوجه الثاني من وجوه إفراط فلسفة فيتجنشتاين هوروِك في التعميم، فالفلسفة عنده وصفية بحتة يجب عليها أن “تترك العالم كما هو” – وألا تصف إلا الكيفية التي نفكر ونتحدث بها، وتقف عند هذا الحد.
بوسع الفلسفة في تقديري أن تلعب دورًا أهمّ. ولنعد إلى ذبابتنا. لم يكن فيتجنشتاين أول ولا أشهر من قارن الفيلسوف بالذبابة. أولهم وأشهرهم كان سقراط الذي زعم أن على الفيلسوف أن يكون كالذبابة التي تزعج الدولة. هذه استعارة مختلفة تمامًا، فالذبابة تلدغ وتزعج ولا تترك العالم كما هو. يستطيع الفلاسفة في تقديري فعل ذلك كذلك؛ فهم لا يصفون طرق تفكيرنا فحسب، بل يغيّرون طرق تفكيرنا ويغيّرون طرق تصرفنا أحيانًا. الفلسفة ليست وصفية فحسب، بل هي كذلك معيارية.
وأوضح ما يكون ذلك في الأسئلة الأخلاقية. وجهة نظر لوك مثلًا القائلة بأن هناك حقوقًا للإنسان لم تترك العالم كما كان ولم يُرَد لها أن تترك العالم. أضف إلى ذلك مسألة ما يجب أن نعتقد به، وهي سؤال مركزي في نظرية المعرفة. وكما قلت هنا في (ذا ستون) من قبل، فالأسئلة المتصلة بالمدى والكفاءة المناسبة للأسباب لا تتعلق بما هو كائن، بل بما ينبغي أن يكون. إن الفلاسفة لا يتركون العالم كما هو عندما يحثون الناس على تبني مستوى جديد من العقلانية المستندة إلى الدليل – كما فعل فلاسفة التنوير العظماء، وهذا أمر جيد.
أظن أن فيتجنشتاين هوروِك سيوافق على كل هذا، لكنه سيشير إلى أن نصيحته متصلة بالميتافيزيقا: فالظلام موجود هناك في الميتافيزيقا. هناك عندما نطرح السؤال المتعلق بطبيعة الحقيقة أو الهوية أو السببية أو العقل، يرى فيتجنشتاين هوروِك أن من الأفضل لنا أن نلزم أنفسنا بوصف كيفية ممارسة ألعابنا اللغوية فقط.
الفلسفة ليست علماً. من المهم لنا أن نعرف كيف نستخدم مفاهيم الحقيقة أو الهوية أو السببية. لا شك أن فيتجنشتاين كان على حق عندما قال إن الفلاسفة وقعوا في حالة من الارتباك عندما تجاهلوا هذه الحقائق. ومع ذلك، حتى عندما يتعلق الأمر بما يقع في اهتمام الميتافيزيقا من أمور مجردة، يمكن للفلسفة، بل ينبغي لها أن تطمح إلى أن تكون أكثر من مجرد وصف لما هو عادي، فقد يكون العادي في بعض الأحيان مخطئا. نحتاج في بعض الأحيان أن نتحرر مما هو مألوف، لأن مفاهيمنا العادية نفسها لها تاريخ، تاريخ يتشكل جزئيًا من بعض الافتراضات الميتافيزيقية.
انظر إلى فكرة أن جوهر الحقيقة الفعلي هو المرجعية، أي أن الصحيح هو ما يأمر به أو يقبله الله أو الملك أو الحزب. هذا تعريف اختزالي، إلا أنه تعريف يتوارى خلف وجهات نظر الكثير من الناس حول العالم. لا بل هو تعريف استخدم على مر القرون لخنق المعارضين ورفض التغيير. ولكي يحررنا الفيلسوف من هذا النوع من الأفكار، يجب عليه ألا يكتفي بإظهار الخطأ في مثل هذه التعريفات، بل يجب عليه أيضًا أن يحدث قفزات مفاهيمية. يجب أن يهدف إلى المراجعة بقدر ما يهدف إلى الوصف، وأن يضع نظريات ميتافيزيقية جديدة تستبدل التفسيرات القديمة بتفسيرات جديدة. عليه أن يجازف بمصيدة الذباب.
مقال آخر ذو علاقة: “ما فائدة الفلسفة؟“.
الكاتب: أستاذ فلسفة في جامعة كونيتيكت ومؤلف كتاب “مدح العقل” و “الحقيقة الواحدة والكثيرة”.
المترجم: أستاذ اللغويات المساعد بجامعة أم القرى، عضو مؤسس جمعية الفلسفة.
المراجع: فيلسوف، عضو جمعية الفلسفة السعودية، من مؤلفاته: ١- الفلسفة بين الفن والأيدلوجيا، ٢- قراءات في الخطاب الفلسفي، ٣- الوجود والوعي، ٤- الهرمنيوطيقا (ترجمة).
Of Flies and Philosophers: Wittgenstein and Philosophy
Michael P. Lynch
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
