2026-01-01

٥ يونيو ٢٠١٧
حاول الناقد سامويل جونسن Samuel Johnson في القرن الثامن عشر دحض نظرية الفيلسوف الإيرلندي جورج بيركلي George Berkeley التي تنكر وجود الجوهر المادي وذلك بأن ركَل صخرة، ثم أعلن قائلًا – حسب ما نُقل -: “وفي هذا تفنيد رأيه”. ظننت لزمن طويل أن في هذه الحادثة دليلًا على عدم كفاءة جونسون في الفلسفة إذ كان عليه الانشغال بالنقد الأدبي وتركها لأهلها، فقد كان بيركلي يرى أن الأشياء التي ندركها مجرد أفكار – بما في ذلك شعورنا بالصخور (وركلها).
ولكني بدأت أشك مؤخرًا أن جونسون على حق، فربما لم يقصد بركلته الشهيرة إثارة التساؤل ليبين أن الصخور ليست مجرد أفكار في أذهاننا، بل لعله قصد أن يبين وجود بعض الأشياء التي يشترك فيها وعيُنا بالواقع. وهو اعتراض جيد، باعتراف بيركلي نفسه، على نظريته المعروفة باسم “المثالية”. فإذا كانت كل تصوراتنا شخصية فما الذي يفسر الأمور المشتركة في تجاربنا؟ لمَ يبدو أننا ندرك الواقع الثابت نفسه، ولو في بعض الأحيان؟ فركلة جونسون من وجهة النظر هذه ليست ساذجة بل تمثل تحديًا حقيقيًا لنظرية وجود الأشياء في أذهاننا فقط.
وإني لا أورد حادثة جونسون وبيركلي هنا من باب الفضول التاريخي، بل لأن مناخنا السياسي الحالي يردد صدى نقاشهم ذاك بطريقة تبدو لأول وهلة داعمة لوجهة نظر بيركلي. يستند رأي جونسون على افتراض أننا نتشارك تجارب معينة، ولكن قد يتراءى لنا عكس ذلك فيما يتعلق بالمسائل السياسية على الأقل – وكل شيء في أيامنا هذه يبدو سياسيًا. وأعني هنا سلسلة الانقسامات المعتادة للأسف: فما عدنا نختلف فقط حول وجود الله أو أخلاقية الإجهاض، بل حول أحجام الحشود وحساب الميزانية وسلامة اللقاحات وتورط روسيا في اختراق اللجنة الوطنية الديموقراطية – وما إن كان تغير المناخ مدعاة للقلق.
ترجع هذه الانقسامات لأسباب معقدة ولكن أحدها بالتأكيد هو التخصيص المتزايد لحياتنا الرقمية، فكل ما تراه على شبكة الإنترنت – من صفحتك على الفيسبوك إلى الإعلانات التي تظهر لك أثناء قراءة هذه المقالة – مخصص ليناسب اهتمامك. وعلى أن هذا الأمر مريحٌ ورائع، إلا أنه يزيد الانقسامات لأنه يغذي ميل الناس للانحياز التأكيدي: “أنا على حق والجميع يوافقني الرأي”. وينتج عن ذلك شعور ألِفناه بأن اليمين واليسار يعيشان واقعين مختلفين. فما عدنا نملك نقطة مرجعية أو صخرة نركلها لأننا نعيش في فقاعات معرفية مكونة بما يلائم تحيزنا السياسي.
ولكن علينا ألا نبالغ في تقدير تأثير التكنولوجيا على أهميتها، فالأيديولوجيا تؤثر أيضًا. والأيديولوجيا المؤثرة هنا هي الرفض المتزايد ليس للواقع المشترك نفسه ولكن لقيمة الاهتمام به. فيرى أصحاب هذا الرأي أن لا حاجة لنا بإيجاد أرضية مشتركة مع من نختلف معهم لأنهم بلهاء عنيدون، إضافة لذلك، لدينا هنا إلى جانبنا الكثيرُ من أبناء وطننا، كما تذكّرنا وسائل التواصل والبرامج الحوارية باستمرار. فالأرقام تشهد لنا، أو هذا ما يقنع به الطرفان أنفسهم.
ولكن الأمر أكثر تعقيدًا من هذا، كما تذكر عالمة الاجتماع أرلي راسل هوشيلد Arlie Russell Hochschild في كتابها غرباء في أرضهم Strangers in Their Own Land، أن”حكاية عميقة” منتشرة عن جماعات عديدة في أمريكا اليوم مفادها أن السرد المشترك لا يمثّل وجهات نظرهم بل يتجاهلها ويعيبها. فيمكن أن تبدو حياتك كجزء من الواقع المشترك العام خيانة لسردك الخاص. ترى البروفيسورة هوشيلد أن هذه هي الحكاية العميقة لليمين، ولكني أرى أن الأيديولوجية نفسها تنطبق على اليسار أيضًا. والنتيجة أن البلد بأكمله يبدو وكأنه شخصية من فيلم “ماتريكس” فضلت الحياة في واقعٍ مصطنع على الحياة في العالم الحقيقي. ونحن أيضًا على ما يبدو نفضل أن نغمض أعيننا، وندثر أنفسنا في فقاعاتنا المعرفية المريحة ونعيش بسوء النية، فاعتبار تصوراتنا الخاصة حقيقة أريح من محاولة إقناع أنفسنا بشعار بيركلي: أنْ يوجد الشيء يعني أنْ يُدرَك.
ولكن، للعالم خارج آفاقنا الخاصة، وسائل لإثارة انتباهنا، لذا نتفق جميعًا على معاناة الأطفال المرضى المحرومين من الرعاية الصحية، وعلى أن المواد الأفيونية تسبب الإدمان، وأن البالغين بحاجة إلى العمل حتى يوفروا لأنفسهم الطعام. فلا يمكننا تجاهل الواقع وهذا درسٌ يفيدنا تعلّمه. وبالاستشهاد بأقرب الأمثلة وأكثرها دلالة: فإن الانسحاب من اتفاق باريس لتغير المناخ حماقة؛ فمناخ الكوكب قد تغير، ولن تتبدل هذه الحقيقة لو دفنا رؤوسنا في الرمال أو وضعنا أصابعنا في آذاننا، وستنفجر فقاعاتنا نتيجة لذلك عاجلًا أم آجلًا رغمًا عنا.
إن الكثير من الحقائق الفلسفية غاية في الوضوح حدّ أننا نسلّم بها دون أن ننتبه لها، وهذا هو مقصد جونسون. علينا أن نعترف بحقيقة واضحة هي أننا نعيش واقعًا مشتركًا، وهذه الحقيقة مهمة سياسيًا وميتافيزيقيًا، إذ تتعطل الديموقراطيات إذا لم نعترف بأننا جميعًا نعيش في العالم نفسه، ونواجه المشاكل نفسها – حتى لو اختلفنا حول طرق حلها. فبدون واقع مشترك لا يتبقى لنا شيء نتعامل معه، وحتى لو تجاهلنا هذا الواقع فسننتهي إلى التعامل معه شئنا أم أبينا، لأن الصخرة أحيانًا تردّ الركلة بالركلة.
الكاتب: أستاذ الفلسفة ومدير معهد الإنسانيات في جامعة كونيتيكت. أحدث كتبه هو “إنترنت نحن: معرفة أكثر وفهم أقل في عصر البيانات الضخمة”.
المُترجمة: حاصلة على ماجستير في دراسات الترجمة من جامعة أدنبرة، متخصصة في ترجمة النصوص الفلسفية، وعضوة في جمعية الفلسفة.
المراجع: فيلسوف، عضو جمعية الفلسفة السعودية، من مؤلفاته: ١- الفلسفة بين الفن والأيدلوجيا، ٢- قراءات في الخطاب الفلسفي، ٣- الوجود والوعي، ٤- الهرمنيوطيقا (ترجمة).
Kick This Rock: Climate Change and and Our Common Reality
Michael P. Lynch
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
