2025-11-30

٣ يوليو ٢٠١١
لو تعلمنا درسًا واحدًا من الجنود الناجين خاصة من حروب العقد الماضي فسيكون أن الواقع العاطفي للجندي العائد يتعارض مع المدنيين الذين خلّفهم وراءه. ومع أن أُسر الناجين وأصدقاءهم يشعرون بالامتنان والراحة في أيام العطلة هذه إلا أن كثيرًا من العائدين يعانون مشاعر مختلفة على الأرجح.
وعلى رأس هذه المشاعر الشعور بالذنب، فكثيرًا ما يحمل الجنود هذا العبء إلى ديارهم، ومن منا لم يسمع بعقدة الناجي. إن وقوفك أثناء الحرب في مكان دون آخر قد ينقذ حياتك بينما يكلف رفيقك حياته، والأمر عائد للصدفة ولكنك لا تملك إلا أن تلوم نفسك، فيبث شعور الذنب حلقة لا نهائية عن أمور لم تقع ‑ أمور كان بإمكانك أو كان عليك فعلها بطريقة مختلفة مع أنك في الواقع لم ترتكب خطأ، وهذه المشاعر بطبيعة الحال لا تقتصر على ساحات الحروب، ولكن نظرًا إلى حجم الخسارة فيها فإنها تثقل كاهل الإنسان وتحتل فكره، فيحق لنا أن نتساءل عن مدى عقلانية هذه المشاعر وأساس عقلانيتها.
خطرت هذه الأسئلة للنقيب أدريان بونينبرغر Adrian Bonenberger، رئيس وحدة في أفغانستان في مقابلة مع جيمس داو James Dao وآخرون لصحيفة نيويورك تايمز ضمن سلسلة “عام في الحرب” A Year at War، تحدث أثناءها عن الجندي المتخصص جيرميا بولاسكي Jeremiah Pulaski الذي قتلته الشرطة إثر مشاجرة عنيفة في حانة بعد مدة قصيرة من عودته للبلاد. أثناء وجودهم في أفغانستان أنقذ بولاسكي حياة النقيب مرتين في يوم واحد ولكن بونينبرغر عجز عن مساعدته عندما احتاج إلى المساعدة. قال النقيب: “كان وحيدًا في محنته، ولكنه كان معنا عندما واجهنا المحن، أعلم أن مشاعري ليست عقلانية ولا منطقية، لا شيء منطقي فيما حدث لكنني أشعر بالمسؤولية”.
لكن هل هذا الشعور غير عقلاني؟ يُعتقد أن الشعور الذاتي بالذنب المرتبط بحس المسؤولية شعورٌ غير عقلاني لأن الإنسان يشعر بالذنب مع علمه بأنه لم يرتكب خطأ. أما الشعور الموضوعي أو العقلاني بالذنب – أي الملائم لأفعال الإنسان – يتبع الخطأ أو الذنب الفعلي: فالشعور بالذنب ملائم إذا آذى الإنسان إنسانًا عمدًا أو امتنع عن دفع الأذى عنه مع استطاعته، فيعتمد استحقاق اللوم هنا على استطاعته فعل شيء آخر غير ما فعله، فيحملّ نفسه أو يحمّله الآخرون مسؤولية ما حدث.
ولكننا كما يتضح من كلام بونينبرغر إننا غالبا ما نحمل أنفسنا المسؤولية بما يتجاوز ما يُمكن تحميلنا إياه منطقيًا، ونشعر بالذنب المصاحب للشعور بالمسؤولية. فهم نيتشه هذه الظاهرة فهمًا دقيقًا، وصاغ مصطلح “Das schlechte Gewissen” ويعني حرفيًا “الضمير السيء” وقصد به الوعي بالذنب مع عدم ارتكاب أي خطأ، وقال إننا لا نجد هذا الشعور في الأماكن التي نتوقع وجوده فيها، مثل السجون التي تحوي أناسًا “مذنبين” يجدر بهم الندم على أخطائهم، واستشهد في كتابه ” جينيالوجيا الأخلاق” برأي سبينوزا قائلًا: إن “لدغة الضمير” التي كتب عنها سبينوزا في “الأخلاق” ترتبط بـ”إساءة” “نتج عنها شرور غير متوقعة”، وكما يضيف نيتشه فليس الأمر في الحقيقة كتلك الحال التي يقول المرء فيها لنفسه ” كان علي ألا أفعل ذلك.”

ولكن ما تلك الحال التي يكون فيها هذا الشعور إذًا؟ تعود معقولية عقدة الناجي (أو “ملاءمتها” بمعنى من المعاني) إلى أن الشعور بالذنب يتبع أهمية أخلاقية أكبر من الفعل الأخلاقي. فهويتي أي شخصيتي وعلاقاتي مهمة أخلاقيًا وليست أفعالي فقط، ولا شك أن الأفعال تعبر عن الشخصية وإذا لم توافق أفعالنا أقوالنا فإننا مقصرون ولكن مشاعرنا ومواقفنا تعبر أيضًا عن شخصياتنا. ركّز أرسطو على هذه النقطة في كتابه “الأخلاق النيقوماخية” فقال: “تتعلق الفضيلة بالعواطف والأفعال” وامتلاك شخصية فاضلة يعني “التوسط” بين أمرين”، إضافة إلى ذلك فإن كثيرًا من المشاعر المعبرة عن الشخصية لا تتعلق بما فعله الإنسان أو ما كان عليه فعله بل ما يهتم به اهتمامًا عميقًا، ومع أن أرسطو لا يتحدث عن الشعور بالذنب إلا أنه أكثر شعور يعبر عن الصراع – الرغبة في المساعدة مع العجز عنها لأسباب خارجة عن سيطرة الإنسان ودون خطأ منه، وأن لا تشعر بالذنب معناه أن تفقد الحس تجاه وخزات الضمير هذه. إنه ذلك الضعف ووخزات الضمير تلك التي شعر بها بونينبرغ حينما قال إنه لم يكن موجودًا مع بولاسكي عندما احتاجه.
في مقابلات كثيرة أجريتها مع جنود على مر السنين، يتشابك الشعور بالذنب والمسؤولية مع الشعور بخيانة زملائهم الجنود، فواجبهم تجاه هؤلاء الجنود على المحك، وكذا ضرورة الحفاظ على الروابط التي تمكنهم من القتال معًا ومن أجل بعضهم في “رابطة مقدسة” خلدها القدماء وعبّر عنها شعار البحرية “أوفياء دومًا” Semper Fidelis تعبيرًا بليغًا، وهذا الوفاء ليس مجرد واجب في العمل، إنه الحب.
يتحدث المجنّدون، وبالخصوص أصحاب الرتب الأعلى عن أفراد الوحدة بصيغة الملكية “جنودي، مشاتي، بحارتي” فهم مثل أفراد الأسرة وكأنهم أطفالهم أو أمانة وضعت في أعناقهم، وأي تقصير عن الرعاية الفائقة يعتبر غدرًا أو إخفاقًا في الوفاء بالعهد. تتعاظم عقدة الناجي بسبب الاعتقاد الباطني بأن الحظ جزء من لعبة صفرية، فأن يحالفك الحظ يعني أن شخصًا آخر حرم منه، وما حُرقة الشعور بالذنب ووجعه إلا وسيلة لتقاسم المصير السيء، وهو شكل من أشكال الأسى التقمصي.
بحث العديد من الفلاسفة عن مصطلحات أخرى لتعريف هذا الشعور، فتوصلوا إلى مصطلح “ندم الفاعل” (وهو مصطلح صاغه الفيلسوف البريطاني برنارد ويليامز Bernard Williams ولكن استخدمه كثيرون غيره) وليس السيناريو الكلاسيكي هو الحظ السعيد كما هو الحال في “عقدة الناجي” ولكن الحظ السيء وعادة يتعلق بحوادث يقل فيها اللوم على المتسبب أو ينعدم، وفي هذه الحالات قد يكون الإنسان مسؤولًا سببيًا عن الأذى، فيتسبب بالأذى ولكنه لا يكون مسؤولًا أخلاقيًا عما حدث.
ولكني أعتقد أن ندم الفاعل لا يوضح شعور الذنب الشخصي توضيحًا دقيقًا، فرغم استعمال كلمة “فاعل” يبدو المصطلح سلبيًا وباهتًا مثل تعبير “الأسى لسوء الطقس” أو بعيدًا عن الأسى التعاطفي مثل الرسالة التي تُنقل لقريب الفقيد بعد أن يطرق أحد الجنود الباب: “يأسف وزير الدفاع لإبلاغكم بأن…”
في الواقع لم يشعر الجنود الذين تحدثت إليهم ممن تورطوا في حوادث نيران صديقة أودت بحياة رفاقهم بالندم بل بشعور عميق جلي بالذنب، واستمر الشعور مدة طويلة بعد التحقيق معهم وتبرئتهم رسميًا. في إحدى الحالات المؤلمة التي حدثت في شهر أبريل عم 2003 في العراق، اختل مدفع في مركبة قتالية من نوع برادلي مما أدى إلى تفجير وجه الجندي جوزيف مايك Joseph Mayek وقد كان واقفًا قرب المركبة، وبعد التحقيق في الحادث اتضح أن السبب كان بطارية بديلة معيبة سمح بها القائد المسؤول، وعندما شُغلت المركبة عجزت البطارية البديلة (وكانت بطارية بحرية بدلًا من بطارية الجيش) عن وقف التيار عن البندقية، وتوفي مايك البالغ من العمر 20 عاما.
حكى لي ضابط الجيش المسؤول حينها النقيب جون بريور John Prior الأحداث المروعة والمحاولات الفاشلة في خيمة الطبيب لإنقاذ حياة مايك، ثم تحدث عن إحساسه بالمسؤولية: “أنا الذي وضع المركبات، أنا المسؤول عن الأمن، ومثل معظم الحوادث أنا لست في السجن الآن، فمن الواضح أني لست مسؤولًا مسؤولية فاضحة، بل هي سلسلة أخطاء كوميدية. أي قرار من قرارات عديدة اتخذت على مدى شهرين ولا يخطر ببالك أي منها وقتها، لو حدث أي منها بشكل مختلف لربما أنقذ حياته. وهكذا عشت وما زلت أعيش مع الشعور بالذنب لأني أوديت بحياته… ولا أظن أن يومًا مر دون أن أفكر فيه ولو تفكيرًا عابرًا.”
شعر بريور بالذنب وليس فقط بالندم لأن الأمور لم تجرِ بشكل مختلف. إنه يشعر بالثقل الفظيع لإدانة الذات، وبالتعاطف مع الضحية والناجين، وبالحاجة إلى عمل إصلاح أخلاقي، ولو لم يشعر بهذا لقل احترامنا له كقائد.
في حالته حصل الإصلاح الأخلاقي بإنشاء علاقة تعاطفية مؤلمة مع والدة مايك، فقد أرسل برايور والرقيب الأول بعد الحادث رسالة إلى أم مايك، بعدها استمرت في إرسال الرسائل وطرود الرعاية إليهم مدة من الزمن. يقول برايور: “كان الأمر فظيعًا، “لم تكن الرسائل تنقل حقائق فقط (هذا ما فعلناه اليوم) بل كانت أشبه بأم تكتب لولدها.” صار برايور الابن الذي فقدته كما يقول: “كانت هذه طريقتها لمواجهة الحزن، وكان علي أن أحاول تعويضها.”
وفي هذا يمكننا أن نقول إن في الشعور بالذنب – الذنب الذاتي – جانب فدائي، وهي الطريقة التي يفرض بها الجنود نظامًا أخلاقيًا على الفوضى والعشوائية الفظيعة لعنف الحرب، وهي طريقة لأنسنة الحرب لأنفسهم ولرفاقهم ولنا كمدنيين أيضًا.
ولكن إذا كان هذا هو كل ما ينطوي عليه الأمر فإنه يبدو غاية في الأخلاقية، فيصبح الشعور بالذنب ملائمًا لأنه نافع للمجتمع، ويمنحنا طريقة يمكن أن نتعامل بها جميعًا مع الحرب. لعلنا بدلًا من ذلك نريد أن نقول إنه ملائم لأنه سمة تكيفية تطورية مثل الخوف، ولكن مرة أخرى لا ينصف هذا الرأي الظاهرة، فشعور الذنب الذي يحسه الجنود ليس فقط ملائمًا أخلاقيًا أو هو سمة تكيفية، بل هو ملائم لأنه يوضح بعض السمات الأخلاقية “أو القيمية” لعالم الجنود – أن الجنود الأخيار يعتمدون على بعضهم، ويحبون بعضهم، ويلتزمون برعاية بعضهم بعضًا وإعادتهم للوطن بأمان، وقد أطلق الفلاسفة منذ عهد كانط على هذه القيم اسم “الواجبات الناقصة”: فحتى في أفضل الظروف نعجز عن الوفاء بها وفاءً تامًا، لذا فحقوق الآخرين يجب أن تفسح المجال – حتى في حياة الجندي القائمة على الخدمة والتضحية – لحقوق النفس من تسامح وتعاطف مع الذات، وهي جزء من الإصلاح الأخلاقي الكامل.
الكاتبة: أستاذة فلسفة بجامعة جورج تاون، وشغلت منصب أول رئيس متميّز للأخلاقيات في الأكاديمية البحرية الأمريكية. وهي مؤلفة لعدد من الكتب، من بينها “محاربو الرواقية: الفلسفة القديمة وراء العقلية العسكرية” و “الحرب غير المرويّة: داخل قلوب وعقول وأرواح جنودنا”.
المترجمة: مترجمة حاصلة على ماجستير في دراسات الترجمة من جامعة أدنبرة، متخصصة في ترجمة النصوص الفلسفية، وعضوة في جمعية الفلسفة.
المُراجع: أستاذ اللغويات المساعد بجامعة أم القرى، عضو مؤسس جمعية الفلسفة.
The Moral Logic of Survivor Guilt
Nancy Sherman
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
