2026-03-04

١٣ مارس ٢٠٢٠
تنبأت روايتها “الإنسان الأخير” بالأسباب السياسية للوباء العالمي وبالحلول الجماعية له.
يترنح العالم في قلق جماعي إبان الجائحة. ثمة وباء جديد وقاتل يفرش مخالبه حول الأرض. إنه يدمر البشر بالتزامن مع تقويضه لأنظمتهم الاقتصادية والسياسية. تجتمع نخب من القادة السياسيين لأجل أن تسأل: مالذي ينبغي فعله لمواجهة أزمة الصحة العامة عالميا؟
يفترض أن مسار هذه القصة مألوف، لكنني هنا لا ألخص عناوين الأخبار عن وباء كوفيد 19 وإنما أتذكر حبكة عمل أدبي عظيم. إنها رواية ماري شيلي المستقبلية عن وباء عالمي وهي “الإنسان الأخير” المنشورة عام 1826.
رأت شيلي أن كارثة الوباء تقودها السياسة، وهذه السياسة ذات طابع شخصي عميق ولكنها عالمية النطاق، فالأزمة الصحية المتفاقمة يتسبب بها ما قام به الناس والقادة وما فشلوا بالقيام به في المسرح الدولي، في التجارة والحرب المتعلقة بمساوماتهم الشخصية والتحالفات والصراعات التي سبقت ذلك.
وحينما نستمع لتحذيرات العلماء وكوننا ندخل عصر الأوبئة” فإننا قد نستفيد من قراءة “الإنسان الأخير” كأول عمل هام في حقبة مابعد نهاية العالم. في عملها الثاني والكبير من الخيال العلمي بعد “فرانكشتاين” عام 1818 كانت شيلي، وهي ابنة عائلة فلسفية، قد منحت قرائها عقلية وجودية للتعامل الجمعي مع التهديد العالمي للكارثة التي صنعتها يد الإنسان.
تدور أحداث “الإنسان الأخير” في سنة 2100 والصراع الذي يقود الرواية يتمثل بمرض شديد العدوى. كان الوباء في الرواية مثل فيروس كورونا ينتشر عبر مزيج من الجسيمات الهوائية التي تلامس ناقلي العدوى، وفي الحالتين تم احتضان الوباء وتفاقم وتُرِك من دون معالجة جراء السلوك البشري المدمر.
كانت رواية “الإنسان الأخير” مؤثرة للغاية للحد الذي تجد نفسك متآلفا مع حبكتها الرئيسية حتى وإن لم تقرأها بعد. تقدم الرواية سيرة الناجي الوحيد والمعروف من الوباء العالمي. ومثل “فرانكشتاين” فإن “الإنسان الأخير” أعيد إنتاجها باستمرار في أجناس الخيال العلمي والرعب، منذ أعمال إدجار آلن بو إلى عدد لا يُحصى من أفلام الزومبي ونهاية العالم المستوحاة من فيلم “الإنسان الأخير على الأرض” عام 1964 فهذا الفيلم الأخير لم يكن بطله سوى ملك الرعب فينسنت برايس الذي أدى دور الإنسان الأخير المتروك حيا على الكرة الأرضية بعد أن حولت العدوى الخبيثة بقية البشر إلى مصاصي دماء.
كان اسم الرجل في رواية شيلي ليونيل فيرني والذي وجد نفسه في موقع خطير ومتزعزع. عند إعادة صياغتها المجازية للسردية الإنجيلية في سقوط وإعادة ميلاد البشرية، فيرني هو راع متواضع وصبي يتزوج من عائلة ملكية في قصر وندسور. يرتقي بسرعة إلى قمة الرتب القيادية ويعمل كمستشار موثوق به لدى اللوردات والوزراء والمشرعين، وحينها يتفشى الوباء في القسطنطينية زاحفا باتجاه لندن.
بعد فشله في قيادة رحلة استكشافية للناجين من الوباء في جمهورية إنجلترا المنهارة إلى السواحل المهجورة لإيطاليا، يُترك وحيدا في روما كي يتأمل المستقبل. يتسلق قمة القبة لكاتدرائية القديس بطرس وينحت سنة 2100 على الحجر. عند هذا المنظر السامي يرمق بقايا الحضارة الإنسانية. يستدعي أمله في وجود ناجين في مكان ما في الكوكب. وفي الفصل الأخير يغادر فيرني في رحلة بحرية ملحمية لاكتشافهم. يجلب لرفاقه بعض الإشارات التي تدل على إنسانيته، فيحضر كلبه، وكُتُب هوميروس وشكسبير. ومع أن فيرني غير متأكد من عثوره على رفاقه البشر، إلا أنه يدرك واجبه العميق تجاه نفسه وتجاه الكوكب بأسره بأن يتصرف وفق ذلك الأمل.
وبعبارة أخرى، يدرك فيرني أنه حتى وإن كان الإنسان الأخير على هذا الكوكب يتوجب عليه أن يعيش كما لو لم يكن كذلك. عليه أن يحافظ على الإنسانية عبر التصرف وفق حسه العميق بالترابط بين مصيره وأشكال الحياة الأخرى أكانت إنسانية أم لا.
أكملت شيلي “الإنسان الأخير” عندما كانت أرملة بعمر الثامنة والعشرين، حزنت على فقدانها لزوجها الشاعر بيرسي شيلي وأبنائهم الثلاثة. كانت طفلتها الأولى قد وُلدت قبل أوانها وبقيت على قيد الحياة لأقل من أسبوعين، وماتت الفتاة الثانية بسبب الحمى، ومات ابنها وهو مولودها الأول بالملاريا، ثم غرق زوجها الشاب في حادث إبحار وهو في قمة مشواره الأدبي. كانت كتابة “الإنسان الأخير” محاولة منها لمصالحة نفسها مع مآسي الحياة من دون فقدان الأمل بالإنسانية.
حددت شيلي جذور الإنسانية في الوباء الخيالي وذلك في الحرب التي دامت قرونا بين اليونان وتركيا. اعتقد العلماء أن انتشار الوباء الجديد لفيروس كورونا قد نمى عبر خليط سام من العوامل الاقتصادية والسياسية والبيئية التي تحيط بسوق اللحوم البرية غير المنظم والعشوائي في الصين وما ورائها. تحوّل الأمر منذئذٍ إلى لعبة لوم الأمم لبعضها بلا مسؤولية، وقادتها ينشرون الشائعات عن فيروس كورونا وكونه سلاح بيولوجي أجنبي، بل وينكرون أزمة الصحة العامة داخل حدودهم. ومثلما هو أمر تفشي فيروس كورونا كان المسافرون في “الإنسان الأخير” ينقلون المرض القاتل عبر القارات، فيُعدُون عائلاتهم ومجتمعاتهم.
ومثل رواية شيلي الأولى “فرانكشتاين” كان “الإنسان الأخير” قد أثبت أنه عملا للخيال العلمي السياسي. إن “فرانكشتاين” يُظهر تخلي العالم عن مخلوقه الذي تم تصنيعه وما يجلبه ذلك من آثار مضاعفة للمعاناة عليهم وعلى المجتمع. ولعل شيلي تماهت في سن المراهقة مع “وحش” فكتور فرانكشتاين المزعوم، إذ إن ولادتها تسببت في وفاة أمها، ماري وولستونكرافت، جرّاء عدوى نُقلت إليها عبر إجراء جراحي.
على نحو مشابه تنبع رواية “الإنسان الأخير” من تجربة المؤلفة في الفقد الشخصي المرير، فبعد أن عانت شيلي من أزمة عقلية حول ما إذا كانت تستطيع أن تعيش بعد أن خسرت تقريبا كل من أحبتهم من حولها، فكتبت جوابها العالمي على هذا السؤال الوجودي؛ أي النهاية اللامتوقعة والمفعمة بالأمل في “الإنسان الأخير” والتي ترى أن كل الكوارث مهما هددت أفراداً أو دُولاً بعينهم، فإنها في نهاية المطاف تدور حول مسؤولية الإنسانية تجاه العالم ككل.
تذكرنا شيلي بحكمة تتخطى عمرها من خلال الصوت البطولي لفيرني حيث يجدر بنا دائما أن نتصرف وفق الأمل والحفاظ على مايجعلنا مُحبين وإنسانيين ومترابطين مع الآخرين، حتى أثناء مواجهة كارثة كبرى.
نشعر بالقلق عند قراءة عناوين الأخبار عن انتشار فيروس كورونا المتصاعد حول العالم، بل ونشعر بالخوف خصوصا تجاه أنفسنا ومن نحب. لكن مثل شيلي ورمزية فيرني علينا أن نستدعي القوة للنظر تجاه ماهو أبعد من الخوف عبر موقف من الأمل والحل الجماعي للمشكلات. حينها فقط يمكن لنا أن نعمل معا بصورة إنسانية لمحاربة انتشار كوفيد 19 بدلا من المساهمة بكارثة وبائية ودولية أخرى.
الكاتبة: منظرة سياسية ومؤلفة كتاب “الحياة الاصطناعية بعد فرانكشتاين”.
المترجم: مؤلف ومترجم سعودي.
المراجع: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
Mary Shelley Created ‘Frankenstein,’ and Then a Pandemic
Eileen Hunt Botting
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
