2026-03-22

٢٧ مايو ٢٠١٢
اندلعت “حرب الأمومة” مجددًا عقب نشر الترجمة الإنجليزية لكتاب “الصراع: كيف تقزّم الأمومة الحديثة مكانة المرأة The conflict: How Modern Motherhood Undermines the Status of Women” للكاتبة إليزابيث بادينتر Elisabeth Badinter التي ذكرت فيه أن نمطًا حديثًا من أنماط الأمومة يضعف من مساواة المرأة، وهو نمط يتطلب تفانيًا تامًّا من الأم تجاه طفلها، بدءًا من الولادة الطبيعية إلى الاقتصار على الرضاعة الطبيعية حسب حاجة الطفل، إضافة إلى حمل الطفل المستمر باستعمال الأحزمة (أو ما يعرف “بارتداء الطفل”) وحتى النوم معه.
وقالت إن الآثار السلبية لهذا النمط تعود إلى أنه يقصي الآباء من المشاركة الفاعلة في التربية، ويحمّل الأمهات أعباء ثقيلة حتى يستحيل عليهن موازنة العمل والأمومة (خاصة بعد تهميش دور الأب)، كما أنه يتضمن رسالة مفادها إن الامور التي تعين الأمهات على العمل خارج المنزل كالحضانات والرضاعة الصناعية والتدريب على النوم وغيرها أمورٌ ضارة بالأطفال وأن من تلجأ إليها من الأمهات أمٌ أنانية.
وفي وقت سابق من الشهر نُشرت مقالة على صفحة النقاشات Room for Debate في صحيفة نيويورك تايمز وَصَفت الصراع المذكور في كتاب إليزابيث بأنه صراع بين الأمومة والنسوية، ولكن النقاش المذكور أغفل نقطة أوضحتها إليزابيث في كتابها وهي أن النقاش حول الأمومة ليس صراعًا بين النسويات والنساء عامة بل هو صراع داخلي في الفكر النسوي نفسه.
ومع أن الصحافة تصف إليزابيث بأنها “فيلسوفة فرنسية بارزة” إلا أننا لا يمكننا وصف كتابها بأنه تحليل فلسفي رفيع المستوى ولا سيما إذا ما قورن بالدراسات النسوية الفلسفية المنشورة في زمننا هذا، فحجج الكاتبة ضعيفة وأغلب الأدلة التجريبية التي جمعتها لدعم فرضيتها قولية وغير منهجية. كما أثيرت شكوك حول موضوعية الكاتبة خاصة فيما يتعلق بحججها ضد الرضاعة الطبيعية وذلك لوجود علاقات مالية بينها وبين شركات إنتاج حليب الأطفال مثل نستله وسيميلاك وإنفاميل.
ومع ذلك، سلّط الكتاب والنقاشات التي أثارها الضوء على بعض التحديات العميقة التي تواجه نظرية النسوية وتطبيقاتها.
تمحورت الكثير من أعمال الموجة النسوية الثانية في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي حول تحليل النظام القيمي الذي تقوم عليه المجتمعات الأبوية، فذكر أنصار النسوية إن البنية القيمية الأساسية لهذه المجتمعات تستند إلى سلسلة من الثنائيات المفاهيمية: العقلانية مقابل العاطفة، والحضارة مقابل الطبيعة، والعقل مقابل الجسد، والعام مقابل الخاص، مشيرين إلى إن هذه التناقضات لا تشكل في المجتمعات الأبوية مجرد تقابلات بل هي تسلسلات هرمية ضمنية قُدّم فيها العقل على العاطفة والحضارة على الطبيعة وهلم جرا، ثم رُبطت المصطلحات عالية القيمة في هذه التسلسلات بالذكورة والمصطلحات منخفضة القيمة بالأنوثة، فاعتُقد أن الرجال أكثر عقلانية ومنطقية وأقل عاطفية وهم أكثر تحضرًا وبالتالي أكثر ملاءمة للحياة العامة، في حين أن النساء أكثر عاطفية وأقل عقلانية وهن أقرب للطبيعة لأنهن أكثر ارتباطًا بأجسادهن وبالتالي فهن أقل ملاءمة للحياة العامة.
حدث الانقسام في الموجة النسوية الثانية عند الحلول المقترحة لهذه المشكلة، فرأى بعض النسويين أن الحل الأمثل هو أن تعلن النساء امتلاك القيم المرتبطة تقليديًا بالذكورة، فكان هدف النسوية من وجهة النظر هذه هو السماح للنساء أو تشجيعهن على أن يصبحن أشبه بالرجال، وهذا يعني من الناحية العملية أن يزداد تحصيلهن العلمي ونشاطهن في الحياة العامة ويقل ارتباطهن بالأسرة ويركزن على الحياة المهنية.
وعارض البعض الآخر هذا التوجه قائلين إن هذا النهج الليبرالي الاستيعابي تجاهل إشكاليات البنية القيمية التي ربطت الأنوثة بالدونية، وهدفت النسوية من وجهة النظر هذه إلى إعادة تقييم الصفات التي رُبطت تقليديًا بالأنوثة والأنشطة التي خُصّصت للنساء وعلى رأسها الولادة والأمومة والرعاية.
ولكل نهج مزاياه ولكن بينهما عيبًا مشتركًا وهو أنهما أبقيا على الثنائيات المفاهيمية كما هي، وبهذا جازف النهج الليبرالي الاستيعابي بأن يبدو متفقًا مع كارهي النساء عبر التاريخ على دونية الأنوثة، أما النهج النسوي الحضاري مع معارضته للتحقير السائد للأنوثة إلا أنه يجازف بإضفاء شرعية ضمنية على تهميش المرأة وذلك بالتأكيد على اختلافها عن الرجل.
لذا ساد النهج التفكيكي فيما يسمى بنظرية الموجة النسوية الثالثة (وهي تختلف عن الفلسفة النسوية)، وهو نهج يبحث في صحة التقسيم الثنائي مثل العقلانية والعاطفة أو العقل والجسد أو الذكر والأنثى، ويتحدى بذلك الافتراضات التي يقسَّم الناس بناء عليها إلى جنسين فقط.
تُظهر هذا الجولة القصيرة في تاريخ الموجة النسوية الثانية أن الخيار الذي برز في النقاش حول كتاب إليزابيث خيار زائف، وأعني به الاختيار بين النظر إلى أسلوب الرعاية التعلقية كأمر مناهض للنسوية أو تقبله كجزء منها، فلم يناقش أي من الرأيين التقابلات المفاهيمية الأساسية التي أدت إلى إباحة إخضاع النساء وعقلنته.
وحتى لو قُبل التحليل الذي قدمته – ولا شك أن كثيرًا من المنظرين النسويين سيجدونه مثيرًا للجدل – قد يتساءل البعض: هذا كلام لا غبار عليه نظريًا ولكن ما الذي يعنيه من الناحية العملية وبالخصوص لممارسة الأمومة؟ فأي معضلة يسعد المنظرون بتفكيكها يجب بحثها في الحياة العملية ضمن إطار زماني مكاني، أي داخل العالم الاجتماعي والثقافي القائم. ومن حق النساء اللواتي يواجهن هذه المعضلة – باتخاذ قرار الأمومة من عدمه وفي حال فعلن فهل يتوفر لهن الأمن الاقتصادي لاتخاذ هذا القرار أم لا وهو حال معظم الأمهات فكيف عندما يجمعن بين الأمومة والوظيفة – من حقهن الحصول على إجابات عملية لهذه الأسئلة من النسوية.
وهذا يقودني إلى مسألة الصراع التي تشير له إليزابيث في عنوان كتابها. ركزت أغلب مناقشات الكتاب على الصراع النفسي الداخلي الذي تعاني منه الأمهات العاملات خارج المنزل – سواء كان عملهن بدافع الاختيار أو الضرورة – وشعورهن بالذنب لعجزهن عن تحقيق المتطلبات الخيالية لأيديولوجيا الأمومة المعاصرة. وأنا على دراية تامة بهذا الصراع بصفتي أمًا لأربعة أطفال عملت في المجال الأكاديمي لستة عشر عامًا وأتفق أنه صراعٌ متعب ومؤذٍ للنساء. ولكن الكتاب يشير إلى نوع آخر من الصراعات ليس باطنيًا نفسيًا بل هو صراع بنيوي، وهو الصراع القائم بين السياسات الاقتصادية والمؤسسات الاجتماعية التي تضع عقبات أمام النساء العاملات خارج المنزل – في الولايات المتحدة مثلًا: انعدام حضانات عالية الجودة بأسعار معقولة، والإجازات الوالدية المدفوعة، والدوام المرن وما إلى ذلك – والإيديولوجيات التي تستند إليها هذه السياسات والمؤسسات من جهة وبين المساواة للنساء من جهة أخرى.
وهذا هو الصراع الذي يجدر بنا الحديث عنه، ولكن يصعب الخوض في هذه النقاشات في الولايات المتحدة للأسف لأن النقاشات حول النسوية تختزل دومًا لمسألة الاختيار. وعيب تأطير صراعات الأمومة في إطار الاختيار هو أن النساء الحاصلات على مستويات تعليمية عالية والثريات والبيض غالبًا تملكن وحدهن حرية الاختيار الفعلية في أن يصبحن أمهات خارقات (رغم أن الطرق التي تؤثر فيها عوامل مثل التعليم والاقتصاد والتفوق العرقي على خيارات النساء مسألة لا يجب تجاهلها)، ولكن المشكلة الأخرى هي وجود عواقب مهما كان الاختيار في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الراهنة، فإذا اختارت الأمهات البقاء في المنزل فإنهن سيعانين من الضعف الاقتصادي والاعتماد على أزواجهن مما يضعف قدرتهن على إنهاء العلاقة وبالتالي قوتهن فيها، أما إذا اخترن الخروج للعمل فإنهن يواجهن التكاليف المرتفعة للحضانات وصعوبة مجاراة الموظفين الذين ليس لديهم أطفال أو لديهم أزواج يعتنون بهم في المنزل وهذا يؤدي إلى اتساع الفجوة في الأجور والإبقاء على السقف الزجاجي، وتتفادى الأسر التي تعمل فيها الأمهات بينما يرعى الآباء الأطفال بعض هذه المشاكل ولكنها تدفع تكلفة انتهاك العادات والتقاليد الجندرية.
إذا استمر تأطير “الصراع” على أنه صراع بين النساء – بين النسويات الليبراليات والحضاريات، أو بين النساء العاملات وربات البيوت، أو بين المهنيات الأثرياء ونساء الطبقة العاملة، أو بين الأمهات وغيرهن من النساء – فسيستمر في صرف انتباهنا عما يجدر بنا فعله: وهو التعاون – نساءً ورجالًا – لتغيير الظروف الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي تُتخذ في ظلها هذه القرارات الحاسمة.
الكاتبة: أستاذة مميزة للأبحاث في العلوم الإنسانية، وهي أيضاً أستاذة الفلسفة ودراسات المرأة والجندر في كلية دارتموث.
المُترجمة: مترجمة حاصلة على ماجستير في دراسات الترجمة من جامعة أدنبرة، متخصصة في ترجمة النصوص الفلسفية، وعضوة في جمعية الفلسفة.
المراجع: كاتب ومترجم في فلسفة التقنية وتاريخها.
Mommy Wars’ Redux: A False Conflict’
Amy Allen
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
