2025-09-25

٢٨ يناير ٢٠١٢
في أكتوبر الماضي، في مدينة فوشان الصينية، دهست شاحنة طفلة في عامها الثاني. لم يتوقف السائق، وعلى مدى الدقائق السبع التالية، مرَّ بجوار الطفلة المُصابة أكثر من اثني عشر شخصًا، مُشاة وراكبي دراجات، حتى دهستها شاحنة أخرى. في النهاية، سحبتها امرأة جانبًا. بعدها، وصلت والدتها، لكن الطفلة لفظت أنفاسها في المستشفى. صُوِّرَ المشهد بأكمله وأثار ضجة عندما عرضته محطة تلفزيونية ونُشر على الإنترنت. وقع حدث مماثل في لندن عام 2004، كما حدث عدة مرات في أماكن أخرى، بعيداً عن عدسة الكاميرا.
مع ذلك، يمكن للبشر أن يتصرفوا بطريقة مغايرة تمامًا، وهذا ما يفعلونه غالبًا.
إنْ بحثنا في الأخبار عن كلمتي: “بطلٌ ينقذ” فسنحصل على عدد كبير من النتائج لأخبار العابرين الذين جابهوا القطارات المندفعة والتيارات العنيفة والحرائق المستعرة لإنقاذ مَن لا صلة لهم به من الأذى. إن التصرفات التي تنم عن لطف بالغ ومسؤولية عالية وتعاطف عميق هي كأضدادها عالمية تقريبًا.
لماذا نجد لدى البعض استعدادًا للمخاطرة بحياته لمساعدة شخص غريب عنه، بينما آخرون لا يتوقفون حتى لطلب خدمة الطوارئ؟
بحث العلماء كثيرًا في هذه المسألة منذ عقود. ففي الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي، أشارت التجارب الشهيرة التي أجراها ستانلي ميلجرام Stanley Milgram وفيليب زيمباردو Philip Zimbardo إلى أن معظمنا، تحت ظروف معينة، قد يؤذي طوعيًا الأبرياء إيذاءً كبيرًا. خلال الفترة نفسها، أظهر جون دارلي John Darley ودانييل باتسون C. Daniel Batson أنه يمكن لبعض طلاب المدارس اللاهوتية وهم في طريقهم لإلقاء محاضرة حول السامري الصالح، إذا أشعروا بتأخرهم، ألا يلتفتوا إلى ذاك الغريب الذي يئن على قارعة الطريق. لقد أخبرتنا الأبحاث الحديثة الكثير عما يحدث في الدماغ عندما يتخذ الانسان قراراته الأخلاقية. ولكن هل نحن نقترب أكثر من فهم دوافع سلوكنا الأخلاقي؟
بيد أن أكثر ما غاب عن مثل هذه المناقشات هو حقيقة أن البعض قد تصرف بالفعل تصرفا أخلاقيًا. ويبدو أن تجربة حديثة (ولدينا بعض التحفظات الأخلاقية بشأنها) في جامعة شيكاغو تلقي ضوءاً جديداً على سبب ذلك.
أخذ الباحثون فأرين كانا شريكين في قفص. حُبس أحدهما في أنبوب لا يمكن فتحه إلا من الخارج. حاول الفأر الحر عدة مرات تحرير شريكه حتى نجح في النهاية. لوحظ أن الفأر الحر رغم أن لديه فرصة لتناول كامل الشوكولاتة إلا أنه آثر تحرير شريكه. فسر الباحثون نتائج التجربة على أنها تظهِر وجود التعاطف لدى الفئران. ولكن برغم ما نتج عن هذه الحالة، فقد أظهرت حالات أخرى سلوكًا مختلفًا، إذ قام 23 فأرًا فقط من أصل 30 بتحرير شركائهم المحاصرين.
يبدو أن أسباب الاختلاف بين سلوكهم تكمن في الفئران نفسها. وعلى ما يبدو أيضًا أن استعداد البشر لمساعدة الآخرين، مثل الفئران، موزعون بين طرفي الاستجابة. لقد أجري قدر كبير من الأبحاث على الأشخاص غير الطبيعيين كالمرضى النفسيين، ولكننا بحاجة إلى معرفة المزيد عن الاختلافات المستقرة نسبيًا (ربما المتجذرة في جيناتنا) لدى الغالبية العظمى من الناس أيضًا.
مما لا شك فيه أن العوامل الظرفية يمكن أن تحدث فرقا كبيراً، وربما للمعتقدات الأخلاقية أثرها كذلك، ولكن إذا كان البشر مختلفين فقط في ميولهم الخاص للتصرف بشكل أخلاقي، فنحن بحاجة أيضا إلى معرفة المزيد عن هذه الاختلافات. عندها فقط سنكتسب فهمًا مناسبًا لسلوكنا الأخلاقي، بما في ذلك سبب تباينه الشاسع بين الأفراد، وما إذا كان هناك أي شيء يمكننا القيام به حيال ذلك.
إذا أظهرت الأبحاث المستمرة للدماغ اختلافات كيميائية حيوية بين أدمغة أولئك الذين يساعدون الآخرين وأدمغة أولئك الذين لا يبدون أي استعداد لمساعدة الآخرين، فهل يمكن أن يؤدي هذا إلى تبني فكرة “حبة الأخلاق”، دواء يجعلنا أكثر ميلاً إلى المساعدة؟ ونظراً لنتائج العديد من الدراسات التي ربطت بين الحالات البيوكيميائية والمزاج والسلوك، وما تلا ذلك من انتشار للعقاقير لغرض تعديل الأمزجة والسلوك، فإن الفكرة ليست بعيدة. إذا كان الأمر كذلك، فهل سيختار الناس تناولها؟ هل يمكن إعطاء المجرمين هذا الخيار كبديل للسجن، على النحو الذي يجعلهم أقل عرضة لإيذاء الآخرين؟ هل يمكن للحكومات أن تبدأ في فحص العامة لاكتشاف الأشخاص الأكثر ميلاً لارتكاب الجرائم؟ قد يُعرض عليهم حبة الأخلاق؛ وإذا رفضوا، فقد يُطلب منهم ارتداء جهاز تتبع يسجل مكان وجودهم في أي وقت، حتى يعلموا أنهم إذا ارتكبوا جريمة، فسيتم اكتشافهم.
قبل خمسين عامًا، كتب أنتوني بيرجيس رواية «البرتقالة الآلية» (A Clockwork Orange)، وهي رواية مستقبلية تدور أحداثها حول زعيم عصابة شرير يخضع لإجراءات تجعله غير قادر على ممارسة العنف. أثارت النسخة السينمائية التي أخرجها ستانلي كوبريك عام 1971 جدلاً حيث زعم الكثير أننا لا يمكن تبرير حرمان شخص من إرادته الحرة، بغض النظر عن مدى بشاعة العنف الذي يمكن منعه بهذه الطريقة. لا شك أن أي اقتراح لتطوير حبة الأخلاق سيواجه بالاعتراض نفسه.
ولكن إذا كانت كيمياء أدمغتنا تؤثر على سلوكنا الأخلاقي، فإن مسألة ما إذا كان هذا التوازن قد تم تحقيقه بطريقة طبيعية أو عن طريق التدخل الطبي لن يحدث أي فرق في مدى حرية تصرفنا. إذا كان هناك بالفعل اختلافات بيوكيماوية بيننا يمكن استخدامها للتنبؤ بطريقة سلوكنا الأخلاقي، فإن هذه الاختلافات إما أنها متوافقة مع حرية الإرادة، وإما أنها- على الأقل فيما يتعلق ببعض أفعالنا الأخلاقية- دليلٌ على أنه لم يكن لدينا حرية إرادة بأي حال من الأحوال. في كل الأحوال، سواء كنا نمتلك إرادة حرة أم لا، فقد نواجه قريبًا خيارات جديدة حول الطرق التي نرغب من خلالها في التأثير على السلوك وجعله يتطور نحو الأفضل.
الكاتبان: بيتر سينجر أستاذ أخلاقيات علم الأحياء في جامعة برينستون وأستاذ بوسام شرفي (laureate professor) في جامعة ملبورن، وهو مؤلف كتاب “الحياة التي يمكنك إنقاذها”. و أجاتا ساجان باحثة.
المترجم: كاتب ومترجم في فلسفة التقنية وتاريخها.
المراجع: فيلسوف، عضو جمعية الفلسفة السعودية، من مؤلفاته: ١- الفلسفة بين الفن والأيدلوجيا، ٢- قراءات في الخطاب الفلسفي، ٣- الوجود والوعي، ٤- الهرمنيوطيقا (ترجمة).
?”Are We Ready for a “Morality Pill
Peter Singer and Agata Sagan
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
