2026-05-14

١٣ مارس ٢٠١٩
كان الحديث عن أقدس طقوس المدينة القديمة وأشدّها سرّية يُعاقَب عليه بالموت. ونحن نمضي بحثًا عن الحقيقة.
حان الوقت في أثينا كي أقوم برحلة نحو العالم السفلي.
قبل أن أصل هنا في يناير، تملكني الفضول لوقت طويل حيال الاحتفالات الغامضة في إليوسيس، حيث أهم موقع للطقوس الدينية في أثينا القديمة والذي ذاعت شهرته في العالم القديم. ما يلفت الانتباه عن إليوسيس وبغض النظر عن حقيقة وجود الآلاف من المشاركين في هذه الطقوس لقرون عديدة، فإن أحدا لم يفش أسرار ما حدث، وهذا أمر مفاجئ لأن المدينة القديمة كانت في أقل الأحوال حافلة بالأحاديث؛ كل شيء بدا وكأنه متاح للمناقشة والتحليل والسخرية الجدلية والكوميدية.
ثمة سبب واضح في حلول الصمت: وهو أن الكلام عن الطقوس كان جريمة عقوبتها الموت. هنالك قصة حول الكاتب الدرامي إسخيليوس وتعرضه للاضطهاد جرّاء كشفه حقائق عن هذه الغوامض في مسرحياته لكن تمت تبرئته. وقيل إن ألقبيادس وهو الطالب المحبوب لسقراط والسياسي الانتهازي والخائن قد أدى بعض المشاهد عن هذه الغوامض في وطنه أثينا، لكننا لا نعرف سوى القليل.
إذن مالذي جرى في إليوسيس؟ انطلقت محاولا معرفة ذلك. رتبت لي صديقتي الطيبة ناديا أرجيوبولو مع رئيسة علماء الآثار في الموقع كي تكون مرشدتنا وهي كاليوبي بابانجيلي، أو بوبي كما يدعونها. أمضت بوبي مشوارها المهني كاملا في موقع إليوسيس وعملت هناك لأكثر من ثلاثين سنة وهي تحب المكان حبا جما.
قدنا السيارة ونحن نطل على الشرق من النافذة، كان ثمة ثلج أعلى قمم جبال بينتيلي. عندما نظرنا إلى الأمام كانت المنطقة المحيطة بمدينة إليفسينا الحديثة قد تبدت لنا، وهي متاهة متباعدة الأطراف تقع فيها أكبر مصفاة نفط في اليونان وبقايا الأبنية الصناعية المهجورة التي تبدو وكأنها من الطراز القوطي.
كانت إليفسينا في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ميناء صناعيا هاما. مكان يصطدم فيه الماضي العتيق بالتاريخ الصناعي الحديث على نحو مربك، وهذا ما يتجلى في أسماء العديد من هذه المصانع: كمصنع كرونوس لإنتاج الكحوليات، ومصنع آيسيس للدهان والطلاء، وشركات هرقل والجبار تيتان للإسمنت (لازال مصنع إسمنت تيتان يعمل فمداخنه المرتفعة تحيط بالمعبد عن قرب). ثمة صور فوتوغرافية رائعة تعود لعام 1955 للفنان السوريالي اليوناني أندرياس إمبريكوس التقط فيها التقابل بين العصر القديم والعصر الصناعي. ولازالت هذه المدينة تجسد حتى هذا اليوم ما سماه الشاعر اليوناني الفائز بجائزة نوبل جورج سيفيريس بـ”النصب التذكارية القديمة مع الحزن الحديث”.
وصلنا إلى المكان، التقينا في مقهى قريب من المدخل. اكتظ المكان بالسكّان المحليين وعبق برائحة القهوة ودخان السجائر الكثيف الذي يجعل كل نيويوركي يشعر بالحنين للماضي. عندما شُيّد المقهى سأل المالكون بوبي عن الاسم المناسب له، واقترحت اسم كايكيون، والذي كان اسما لمشروب قُدّم للمشاركين في المعبد قبل الطقوس. كان المشاركون يشربونه بعد ثلاثة أيام من الصيام وليلة طقسها الرقص، وكان هذا المشروب موضع التكهنات الحماسية حياله، واعتقد كثيرون أن هذا المشروب له آثار هلوسية تشبه مادة LDS بسبب تواجد “الشقران ergot” وهو مكوّن يُحتمل أن يكون له تأثيرا نفسيا.
هل كان المشاركون يترنحون أثناء الطقوس؟ صغت هذا السؤال بأسلوبين مختلفين لبوبي، آملاً أن تكون إجابتهما ثرية. لكنها كانت واضحة جدا بقولها إن الكايكيون مكون من الشعير والنعناع والماء فقط.
يُحاط النقاش عن هذه الطقوس الغامضة بالخيالات الجامحة عن النشوة والمجون والعربدة، كانت وجهة نظر بوبي أن الاعتقاد بذلك يخبرنا بالكثير عن أنفسنا لا العصور القديمة، فمهما حدث في هذه الطقوس الغامضة سيمثل تجربة عميقة للغاية من المرجح أن أثرها يستمر مدى حياة الفرد.
ولجنا المعبد. كانت ترنيمة هوميروس للآلهة ديمتر هي الأساس الذي اختلق الطقوس الغامضة حيث معقل عطر إليوسيس “ربما يصعب تتبع هذا العطر اليوم لكن شيئا مميزا لازال عالقا في الهواء”.
من حولنا كلاب مُطعَمة جيدًا ولها أعين أليفة. قالت بوبي “إنها ترشد الأرواح.. وسوف تقودكم إلى العالم السفلي”. كان المشاركون يجتمعون هنا قبل البروبوليا الكبرى وهي مدخل أثري للمعبد، وذلك في الشهر القديم بيودروميون (وهو شهر سبتمبر على وجه التقريب). وهذه هي ذروة اليوم التاسع من احتفالات الطقوس الغامضة العظمى.
سار المشاركون من أثينا بأناة في الموكب، تقودهم راهبة الآلهة ديمتر، حاملةً كفنا يحوي أشياء مقدسة وغامضة، ويمكن أن يتلوه طقس للاغتسال وأداء للأغاني والترانيم وتوقف متكرر عند المذابح لسكب الخمور وإقامة القرابين.
كان طقس إليوسيس مساواتيًا، وبلغ في عصره الذهبي ما يقرب من ثلاثة آلاف مشارك في المرة الواحدة، وبالإمكان لأي امرئ أن يشارك فيه: رجالا ونساء وعبيدا وأطفالا. هنالك شرطان للالتحاق: أولهما أن يتقن كل مشارك اللغة اليونانية حتى وإن لم يكن يونانيا فقد شارك الأجانب، وفهم اليونانية هو من أجل استيعاب ما يُقال أثناء الطقوس. والشرط الثاني ألا يكون أحد المشاركين متورطا بالمجازر ويديه غير ملطختين بالدماء.
لم تكن المشاركة إلزامية كما هو شأن التعميد الديني أو الأعياد. لكنه خيار شخصي يتاح للمرء متى ما أراد وفق ما قالته بوبي. ولا يتكرر بالضرورة كل سنة مثل عيد الفصح أو عيد القيامة. لكن مالذي حدث هنا؟ وهل تعرف بوبي السر أو ستخبرني به؟
إن القصة خلف هذه الخرافة بسيطة، فديمتر هي الأم وبيرسيفوني هي ابنتها المختطفة والضائعة، بحثت عنها والدتها بيأس لتسعة أيام ونحن نشعر بأسى الأم. جلست الأم بجوار صخرة في إليوسيس بعد بحث طويل بلا جدوى وأخذت تنتحب.
تواجه ديمتر زيوس أخيرا وهو الإله الأقوى وذلك من أجل استعادة بيرسيفوني، ثم تعود من العالم السفلي حيث اختطفها بلوتو. كان هذا المنعطف في القصة متمثلا في خدعة بلوتو لبيرسيفوني وجعلها تأكل حبيبات الرمان، وهذا ما اضطرها أن تعود كل عام إلى ظلمات العالم السفلي.
لهذا كانت الظلمات والنور، والخريف والربيع، والشتاء والصيف. تطلعنا هذه الخرافة عن عودة الابنة إلى والدتها ومعها العبور من الموت إلى الحياة.
أخبرتني بوبي أنها فخورة تحديدا بارتباطها مع إليوسيس لأن هذا هو الأمر الأكثر أنثوية في الميثيولوجيا القديمة. كانت ديمتر وهي امرأة قد أقنعت زيوس أن يغير قناعته بعد أن كان بالأساس موافقا لبلوتو في خطف بيرسيفوني. ومهما كان الأمر الذي يحدث في الطقوس الغامضة فإنه كان في عمقه زوج من الآلهة الأنثوية يتفوقون في مراوغة الآلهة الذكور الأكثر قوة كما يظهر.
كانت بطون المشاركين في الطقوس الغامضة خاوية ما عدا احتسائهم لمشروب الكايكيون، وكانوا يتحركون بأناة عبر قاعات المدخل الطويل للمعبد قبيل إشاحتهم النظر عاليا وعلى اليمين لمشاهدة كهف كبير أسفل الأكروبوليس. هنا كان مدخل هيدس وكان يسمى البلوتونيون. وهو مكان تنبعث منه الانفجارات.
سيقع في هذه الناحية حدث مميز، ففي أحد نواحي البلوتونيون ثمة بئر أسطواني وهمي يمتد إلى الأسفل صوب الظلام. وتوجد فيه درجات صغرى مقدودة من الصخر. خارج فوهة هذا البئر أدى أحدهم دور بيرسيفوني – من المُحتمل أنها راهبة – وتظهر في المكان قبل تجمهر المشاركين. ستسير الراهبة خطوات قليلة من فوهة البئر إلى حفرة مستديرة وواسعة في جدار الكهف. سيكون وجهها وجسمها العلوي مرئيان وهي تختلس النظر إلى الجمهور.
في قلب الطقوس يُعاد تجسيد رجوع بيرسيفوني من عالم هيدس السفلي، فعندما تقام الطقوس في الليل ولا ينبعث سوى نور الشعلات، لن يصعب حينها تخيل الأثر الدرامي. وبكل تأكيد فإن تصميم مبنى إليوسيس بأكمله ذا طابع مسرحي للغاية وسينوغرافيا رائعة. إن هذا يماثل المرور عبر مراحل عدة بكل ما تعنيه الكلمة. للموقع سلسلة من المواقع المخصصة للأداء المشوق حيث ينشأ جو من الترقب والتلهف. ومن الواضح أن رهبان المعبد وهم (هيروفانتس) ينتمون إلى عائلتين محليتين فحسب، فيحذقون بناء الإثارة ودفع المشاركين نحو شعور من الرهبة. ومن لم يشعر بمثل هذه الرهبة في معبد إليوسيس فقد فات عليه الكثير.
صعد المشاركون من الكهف مرة أخرى صوب تيليستيريون وهو أهم صروح معبد إليوسيس، حيث أقيمت الدراما الأهم للطقوس. وهو مكان واسع للغاية يضم غابة من اثنين وأربعين عمودا عاليا تدعم سقفا فاخرا ومغلفا. يتسع المكان لآلاف المشاركين الذين يجلسون على المدرجات، وقد بقي منها ثمانية صفوف منحوتة من الجبل مباشرة. إنها تشبه المسرح تماما، ففي قلب القاعة يقف مبنى مستطيل وصغير يسمى أناكتورون، مبنيُّ بشكل حذر فوق موقع أقدم منه يعود للحقبة الموكنية في العصر البرونزي. كان هذا هو قدس الأقداس، وهو الموقع الذي وضعت فيه الأشياء المقدسة لديمتر، ووحدهم رهبان الهيروفانتس من يصرح له بدخوله.
تحاط القصة بالسرية من هنا وليس لدينا أية فكرة عما حدث، فإذا كانت القاعة الوسطى مسرحا فإن الأناكتورون هو المنصة التي ينظر إليها المشاركون إلى الممثلين من الرهبان. لكننا لا نملك نص المسرحية. جل ما نعرفه ثلاث كلمات غامضة تصف ما حدث: درومينا، ديكنومينا، ليجومينا. وتعني: أشياء نُفّذت، أشياء ظهرت، أشياء قيلت. لكن ماهي الأشياء؟ ومالذي نُفّذ؟ ومالذي ظهر؟ ومالذي قيل؟ نحن ببساطة لا نعرف أيا من ذلك.
أردت أن أتتبع مفتاحًا آخر اعتقدت بأنه قد يقودنا إلى قلب الأحداث الغامضة، فالمرحلة الثالثة والأعلى من التعميد في الطقوس كانت تسمى إبوبتيا، وحُفظَت عبر المشاركين في طقوس السنة السابقة، ولا نعلم شيئا عما حدث، لكن وفق لمصدر غنوصي لاحق فإن قمة اللغز الأبوبتي كانت “سنبلة القمح تُحصد بصمت”.
لكن مهلاً.. قمح؟ أهذا كل شيء؟
بجانب قصة الأم والبنت الإنسانية للغاية توجد قصة أخرى أكثر اعتيادية لكنها أهم. إن المفردة اليونانية للحبوب (القمح أو الشعير) cereal هي ديميترياكا، واسم ديمتر في البانثيون الروماني هو سيريس Ceres ومن هنا جاءت مفردة الحبوب cereal لدينا. منحت ديمتر البشر هديتين: العودة للحياة وهي مشخّصةً ببيريسيفوني، وزراعة القمح. ومن الجلي أن هاتين الهديتان ترتبطان ببعضهما: إنه الغذاء الذي يضمن إمكانية الحياة، فالخبز هو مادة الحياة.
ثمة صور مرئية لديمتر وبيريسيفوني على النقوش والألواح المنحوتة، لا سيما النقش الإليوسي العظيم نحو سنة 440 إلى 30 قبل الميلاد. على اليمين توجد بيريسيفوني وهي تحمل كما يبدو الشعلة كي تنير طريقها صوب العالم السفلي. وعلى اليسار توجد ديمتر بمظهرها النبيل تقدم القمح هدية. ويوجد شاب أصغر حجما تم تأطيره وهو عارٍ واعتُبِر البطل الإليوسي (تريبتوليموس) وقيل إن تريبتوليموس اخترع الزراعة وسافر حول العالم ليعلم البشر كيف يزرعون القمح.
وهذا مثير للاهتمام ويعيدنا مرة أخرى إلى قصة اختطاف بيريسيفوني، فلم تكن ديمتر منزعجة بسبب اختطاف ابنتها فحسب وإنما امتلأت بالغضب المبرر جرّاء الظلم الذي لحق بها. لقد أوقعت ديمتر المجاعة بالأرض، ولربما كان هذا التهديد بالمجاعة هو ما أقنع زيوس في إرغام بلوتو على إخلاء ابنتها بيريسيفوني.
كانت مكافأة ديمتر للمشاركين هي القمح، أي الطعام، واستمرارية الخصوبة للأرض، وإمكانية وجود الثروة. وهذا ما أعتقدُ بأنه السر.
تتواجد بقايا صوامع القمح في إليوسيس، على مقربة من مدخل المعبد الرئيسي كان ثمة مبنى كبير ومستطيل يتكون من الحجر الأزرق والرمادي، ومن المرجح أنه كان مليئا بالقمح. وهذه صفة متكررة في الحضارات القديمة وتعود إلى أقدم المستوطنات البشرية كمدينة أور في سومر حوالي عام 3500 ق.م، إذ كانت مجمعات المعابد مواقع لتخزين الحبوب. في تلك الأماكن جُمع الفائض من الحبوب وتم تخزينه لكي يُوزّع في الأوقات العسيرة. ومع حيازة فائض الحبوب وهو المصدر الأول والأهم للثروة، تأتي بعده السلطة الدينية والقوة السياسية. وثمة ارتباط مادي وثيق بين المعابد والطعام، وبين ممارسة الطقوس الدينية وأبسط مكونات الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
بعد الفراغ من الطقوس الغامضة يتم تكريم الموتى عبر سكب الخمور من مزهريات خاصة، يتفرق المشاركون، ولا نعلم كيف يتم ذلك، لكن يظهر لنا وكأنهم تحرروا فجأة من قيود الطقوس وسُمح لهم بالعودة إلى ديارهم. كيف كان شعورهم؟ لن نعرف ذلك مطلقا ولكن من وجهة نظر بوبي كانت تجربة الطقوس الغامضة مشاركة في الحزن، أي حزن الأم على ابنتها، ومشاركة في الفرح والعودة إلى الحياة. لم تكن الفرحة حالة مماثلة للنشوة الديونيزيوسية الصاخبة أو حالة من النشوة المخدّرة، إنما هي ضرب من التحرر مع ترقب نِعم الآلهة. كانت النعمة هي هدية الحبوب، أي الحياة. والإحساس بأن الحياة سوف تستمر، وسوف تمضي للأمام، ولا أمر يُخشى منه.
شعرت بالسعادة وأنا أتعلم خلال زيارتي أن إليفسينا اختيرت لتكون عاصمة أوروبا للثقافة عام 2021 وهي تسمية تسعى لإنماء التجديد الحضري في الأرجاء الفقيرة من أوروبا، وهنالك حاجة ماسة إلى هذا الأمر، لا بسبب الآثار المتأتية من أزمة الدين اليونانية في العقد الأخير فقط والتي لا زالت تحطّم حياة الناس العاديين، لكن أيضا بسبب تدفق اللاجئين الضخم إلى اليونان في السنوات الأخيرة. فمخيم سكاراماقاس، وهو مخيم لاجئيين كبير، لا يبعد سوى أميالا قليلة عن خليج إليفسينا.
ذُكّرت بأنه ما من حكمة باطنة هنا، ولا رمز سري تخفيه الطقوس الغامضة. تهتم هذه الطقوس بهذه الحياة، الآن وهنا، عبر ما يديمها وكيفية استمرارها صوب المستقبل.
الكاتب: أستاذ الفلسفة في المدرسة الجديدة للبحث الاجتماعي ومؤلف لعدد من الكتب، من بينها “مالذي نعتقده حين نفكر بكرة القدم” وكتاب “المأساة والإغريق ونحن” وهو المشرف على منتدى ذا ستون.
المترجم: طريف السليطي مترجم ومؤلف سعودي.
المُراجعة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
?Athens in Pieces: What Really Happened at Eleusis
Simon Critchley
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
