2026-05-07

٢٧ يونيو ٢٠٢٦
قدم لي حوار ستيفن كولبيرت وبيل أورايلي على برنامج “ذا ليت شو The Late Show” بعد يومين من مذبحة أورلاندو درسًا قيمًا بصفتي طالبًا أدرس الشر. قال أورايلي عن المسلّح عمر متين: “إنه رجل شرير”، فسأله كولبيرت: “ما الرد المناسب على الشر؟” رد أورايلي: “تدميره، فالشر لا يُحتوى لأن ذلك مستحيل بل يجب تدميره، داعش شريرة ومتين شرير”.
يجسّد موقف أورايلي من الشر التبرير الأخلاقي للقرارات السياسية الأمريكية الأبرز على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، وللقرارات التي ستتخذ كرد فعل على مذبحة أورلاندو وما يشابهها. علّمنا التاريخ الحديث والفلسفة أن العنف نتيجة مؤكدة للتسرع في وصف الآخرين بالشر، ففي أحسن الأحوال قد يستأصل هذا الحل الشيء الذي نسميه شرًا لمدة، ولكن “تدمير” الشر مهمة مستحيلة، ولدينا الآن فرصة لإعادة تقييم سياسات الشر والبحث عن استجابات من شأنها تخفيف المعاناة الإنسانية بدلًا من زيادتها.
ولأني طالبٌ لاهوتي جذبتني الأفكار المتعلقة بالشر بينما أحاول فهم الحروب الطاحنة في أفغانستان والعراق التي تزامنت مع إعدادي للكهنوت. أتذكر وصف الرئيس جورج بوش للعراق وإيران وكوريا الشمالية بأنها “محور الشر” في خطابه عن حالة الاتحاد عام 2002، وحتى الآن تثير العبارة حسًا غريزيًا بفزع خارق للطبيعة وهو ما هدف إليه تمامًا، فأثناء إعداد كاتبَي الخطابات الرئاسية ديفيد فروم ومايكل جيرسون للخطاب، غيّرا العبارة من “محور الكراهية” التي تبدو أكثر اعتدالًا إلى “محور الشر” ليمنحاها مسحة “لاهوتية”.
احتكر اللاهوت دراسة الشر عبر معظم التاريخ الفكري الغربي، من أوغسطين والأكويني إلى لوثر وكالفين اشتغل المفكرون المسيحيون بـ”معضلة الشر” وكيف يسمح إله خيّر بوجود الشر في العالم، ولما قدم إيمانويل كانط مفهوم الشر الجذري الموجود خارج حدود العقل والإرادة تحررت معضلة الشر الأزلية من قبضة الكنيسة.
يضفي مفهوم الشر قوة خفية على ميل المجتمع لفرض النظام محل الفوضى والهلع ربما بسبب أصوله الدينية والعلمانية المختلطة، وكما كتبت سوزان نيمان في دراستها البارزة “الشر في الفكر الحديث”: يمكن التعبير عن معضلة الشر بعبارات لاهوتية أو علمانية ولكنها في الأساس مشكلة تتعلق بوضوح العالم ككل.
ومما لا شك فيه أن فروم وجيرسون سعيا جاهدين لتلبية حاجة البلاد إلى الوضوح وسط الشعور الجديد المرعب بانعدام الأمان في ذلك الوقت، ولكن مع تطور الأحداث أصبح التأكيد البديهي وشبه اللاهوتي على الشر السائد على النظام العراقي بأسره إطارًا أخلاقيًا مسلمًّا به لأعمال العنف.
فاتضح أن هناك لاهوت حسن ولاهوت قبيح، على الأقل إذا رأينا أن التصعيد المتزايد للعنف قبيح، كان الرد على 3000 قتيل في هجمات 11 سبتمبر ما يقارب الـ 460 ألف قتيل في العراق وحدها بما فيهم الجنود الأمريكان الذين فاق عددهم عدد المدنيين الذين قضوا نحبهم في مركز التجارة العالمي، ورغم هذه التكلفة العالية يتفق أورايلي مع الرئيس أوباما في أن الشر يسود المنطقة مثل أي وقت مضى ويشكل التهديد نفسه للولايات المتحدة.
وبصفتي مكلفًا بدور السلطة الأخلاقية يقلقني هذا المسير من الشر إلى العنف في الخطاب السياسي، فعجزنا عن الإجابة على الأسئلة الأساسية المتعلقة باستدعاء الشر في خطابنا العام فاقم المعاناة الإنسانية، لذا من الضروري المطالبة بتوضيح الفهم المشترك للشر، كيف يمكننا التأكد من أن أمرًا ما شر وليس أمرًا متعارضًا مع مصالحنا فحسب؟ هل يمكن تدمير الشر بالكامل، وإذا كان الجواب بلا هل لنا أن نوقف حملتنا ضده عند نقطة ما؟ وإذا كان الشر مطلقًا، هل نملك حقًا مطلقًا في استعمال أي وسيلة للقضاء عليه؟
قادتني هذه الأسئلة إلى أعمال بول ريكور Paul Ricoeur، وهو فيلسوف غزير الإنتاج نشأت اهتماماته جزئيًا من مواجهته للشر الواضح في فرنسا القرن العشرين. تيّتم ريكور عندما قُتل والده في الحرب العالمية الأولى أثناء خدمته في الجيش الفرنسي، فقبض عليه الألمان عام 1940 وقضى خمس سنوات أسيرًا. ومثل غيره من المثقفين الأوروبيين الذين شكل العنف المستمر في عصرهم حياتهم، سعى جاهدًا لخلق قنوات تمكن الغرباء والأعداء من رؤية الإنسانية المشتركة لدى بعضهم بعضًا.
اتفق ريكور مع عدد من المفكرين في أن الشر ليس شيئًا محددًا بل يوجد فيما يشبه الثقب الأسود في الفكر وهو معضلة aporia. وهذه الحقيقة تعقّد الحجج القائلة بتدمير الشر: فكيف تدمر شيئًا لا جوهر له؟ يرى ريكور أننا نفهم الشر عبر عالم الأساطير أو الروايات العظيمة المعبرة عن التجارب الإنسانية المشتركة، فالأساطير ليست باطلًا بل هي تغلف الحقائق المتعلقة بمواضيع مثل الشر لعجزنا عن إدراكها بالعقل وحده، وبهذا المعنى فإن “محور الشر” أسطورة أو تفسير يضفي منطقًا على الكوارث في عالم نراه خيرًا ونتمكن من العيش فيه جميعًا.
ولأن الشر يقع خارج حدود العقل فلا يهتم ريكور بقدرتنا على تحديد الشر بل أن نرد عليه ردًا مناسبًا، فيلاحظ أن مأساة الشر لا تكمن في الفعل المُرتكب بل في تجربة الضحية. إن فصل الشر المرتكَب عن الشر المُعانى يغير السؤال من: ما هو أو من هو الشر إلى ما هي أفضل الطرق لمواجهة الشر وهذا السؤال حسب رأيه “ليس حلًا بل استجابة.”
تتطلب حلول الشر حسب الفهم المشترك قِصاصًا، وأوضح سبل القصاص العنف. ومن ناحية أخرى تولد الاستجابات ما يسميه ريكور “الحكمة” وهي التزام ثابت بتخفيف المعاناة ومنعها، لذا فإن أي عنف يستعمل في مواجهة الشر سيركز على رفع المعاناة بدل التركيز على محاولة القضاء على الشر أينما اعتقدنا وجوده.
لدينا أدلة وافرة على أن حلولنا للشر بعد أحداث 11 سبتمبر كانت فاشلة، فلو كان هدف تدخلنا العسكري في الشرق الأوسط هو القضاء على محور الشر، فإن تأكيدنا على استمرار وجود الشر في المنطقة دليل على فشل ذريع. ماذا نملك من أدوات لتدمير الشر أعظم من القوة الكاملة والمهارة والشجاعة لجيش الولايات المتحدة وحلفائها؟ لو كانت القوة وحدها كفيلة بتدمير الشر لفزنا في لعبة “ضرب الخلد Whack-a-mole” التي ما برحنا نلعبها ضد الشر طيلة عقد ونصف.
لم تردع هذه المعلومات القادة من الدعوة إلى الحلول بدل الاستجابات بعد حادثة أورلاندو، حتى مع احتلال الشر مركز الصدارة في الخطاب السياسي أكثر من ذي قبل، فأعلن وزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر عن خطط لتدمير “الورم الأم لداعش في سوريا والعراق” لأن التنظيم “يروم نشر أيديولوجياته الشريرة والتآمر على الهجوم على الأمريكيين أو الحث على ذلك.” وبعد يومين من مذبحة أورلاندو، اقترح حاكم ولاية فلوريدا ريك سكوت القصاص ممن رأى أنه مصدر الشر المرتكب ضد ولايته: “لقد سئمنا. نريد تدمير داعش. لا مكان هنا للإسلام الراديكالي، إذا كنت تؤمن بالشر فلن نقف مكتوفي الأيدي حيال ذلك، بل سنتصرف.”
إلا أن خطاب الرئيس أوباما في أورلاندو حمل لمحة شائقة عما يمكن أن تبدو عليه الاستجابة طويلة المدى للشر، فوسط النداء المعتاد لتدمير داعش والقاعدة انتقامًا لأحداث الأسبوع “الشريرة الحاقدة” ركز تركيزًا صادقًا على تجارب الضحايا، وبعبارة أخرى على الشر المُعانى لا على الشر المرتكَب، وافتتح حديثه بوصف مطول للقاءاته بأسر القتلى رابطًا حزنهم بحزن “العائلة الأمريكية”. لعل ثماني سنوات من المطاردة المرهقة في صراع الشر وأهداف الطائرات المسيرة والأعداء الثائرون منحت الرئيس حكمة “ريكوريّة” في أشهره الأخيرة في المنصب، ومن الحكمة أن يتعلم خليفته الدرس نفسه.
الكاتب: كاهن أسقفي ورئيس كنيسة جميع القديسين في بروكلين، طالب دكتوراه في اللاهوت والدين في جامعة أكسفورد.
المُترجمة: حاصلة على ماجستير في دراسات الترجمة من جامعة أدنبرة، متخصصة في ترجمة النصوص الفلسفية، وعضوة في جمعية الفلسفة.
المُراجعة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
?”How Should We Respond to “Evil
Steven Paulikas
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
