2026-03-12

١٣ أغسطس ٢٠١٨
الحدود القديمة للذات الإنسانية أصبحت ضبابية بسبب التكنولوجيا. المخاطر حقيقية ولكن الاحتمالات الممكنة مذهلة
هنا عدد من الأمور الصحيحة اليوم:

(لعبة تتيح لك الرسم في الفضاء في مركز VR World في مانهاتن، نيوروك ١٢ أغسطس ٢٠١٨. الصورة: فنسنت تولو لصالح صحيفة نيويورك تايمز)
ماذا يعني أن نعيش في هذا النوع من العالم الناشئ؟ يعني أن تعيش في عالم يتسم بالإمكانية والسيولة والتغيير والقابلية للتداول أكثر من الصور القديمة ذات الطبيعة والقدرات الثابتة. عالم من الاحتمالات الشخصية والاجتماعية المميزة. أصبحت المشاركة والتضامن الجماعي الآن أسهل من أي وقت مضى، كما أن رسم الخرائط الجماعية للمسارات الإلكترونية الجديدة يمكّن التركيبة السكانية المتعددة التي كانت مخفية في السابق من اكتساب الاحترام الاجتماعي والتجاري والسياسي. إنه عالم حيث الذكاء البشري نفسه مهيأ للإصلاح وإعادة التشكيل. عالم أصبحت طبيعته الأساسية نفسها مرنة، حيث تعمل التراكبات الرقمية على تعزيز الواقع بمؤشرات شخصية (أبناء عمومة غنية بالمعلومات من الأقزام والبكسلات المعاصرة في Pokémon Go). إنه أيضًا عالم تتخلله شريحة متزايدة من الذكاءات الفضائية (فقط اسأل أليكسا، على الرغم من أنها لن تعترف بذلك أبدا).
كل هذا يطمس الحدود بين الجسد والآلة، بين العقل والعالم، بين الواقع المعياري والواقع المعزز والافتراضي، وبين الإنسان وما بعد الإنسان. وعلى أعتاب هذه الموجات من التغيير، نحن في لحظة يتصاعد فيها التوتر بين أشكال جديدة من الشمول (مثل توسيع الحريات الشخصية والاجتماعية والجنسية) وتهديدات متزايدة من الإقصاء، حيث يتميز من باتوا معززين، مرنين، ومتصلين في الفضاء السيبراني أنفسهم بشكل متزايد عن أولئك غير المعززين، الأقل اتصالاً، والذين يُعرفون بـ”فقراء الفضاء السيبراني”. ربما هذا جزء من الثمن الذي ندفعه لقاء كل ذلك التخفّف المستحق للثناء؟
على كل حال، مضى علينا زمن كان فيه النص العلمي المكتوب مجالًا خاصّا لمجموعات قليلة فقط من البشر في وضع يحسدون عليه. في النهاية (ومع اختراعات الإنتاج الضخم المتاح بدون تكلفة عالية) تم تحرير الإمكانات التحويلية للنص وأعادت تشكيل العالم.
هذه لحظة يجب الاستمتاع بها، حتى عندما نصدر ملاحظات جديدة من الاهتمام والحذر بشأن سرعة وطبيعة ومدى هذه التغييرات. يتضمن جزء من هذه العملية التعود على الطبيعة الغريبة والانتشار الواسع للعديد من الذكاءات الخفية الجديدة التي تحيط بنا الآن. هذه هي الخوارزميات التي تتحدث معنا تراقبنا و تتاجر لنا والتي تحدد التواريخ لنا، والتي تقترح إلى ما قد نشتريه أو نبيعه أو نرتديه. إنها الخوارزميات التي تجمع المعلومات عنا، والتي ستتخلل ببطء النطاقَ الكامل للبيئات التي بناها الإنسان من الجسور إلى الطرق إلى المدن والمزيد من الأجهزة الذكية الصغيرة.
تلك الذكاءات كلها ليست مثل ذكائنا بعد. لكن بعض أعظم إمكاناتها تكمن في الطرق التي قد نتعاون بها نحن البشر معها لتشكيل أنظمة هجينة جديدة تقدم أفضل ما في كل منّا. علاوة على كل هذا يساعد الفهم الجديد للعقل والدماغ على كسر الحدود القديمة بين ما هو نفسي وما هو جسدي، حيث لا نتعلم فقط مدى أهمية الجسم للعقل، ولكن أيضًا كيف يساعد الدماغ على التنبؤ و بناء عالم التجربة الإنسانية.
نلمح الآن الخطوات التالية في التطور الثقافي والذهني للإنسان مستكملة الاتجاه الذي بدأ مع وصول اللغة البشرية واختراع الكتابة (بعد ذلك بكثير) والتخزين الخارجي للأفكار ونقلها. تبشر الخطوات الجديدة بعصر من الانسيابية وتتطلب إجابات لمجموعة من الأسئلة والقضايا التي يجب معالجتها في محادثات مثل هذه المحادثة هنا. إن أهم سؤالين من هذا القبيل هما ببساطة: كيف يجب أن نتفاوض على هذه المساحة الكبيرة المخيفة للإمكانات البشرية؟ وما هي التكاليف التي نحن على استعداد لتحملها على طول الطريق؟

(جهاز محاكاة للطيران في مركز VR World في مانهاتن، نيويورك ١٢ أغسطس ٢٠١٨. الصورة: فينسنت تولو لصالح صحيفة نيويورك تايمز)
يتعلق السؤال الأول بالممارسة ويتعلق الثاني بالأخلاق. من الناحية العملية، لن يكون من السهل اتخاذ القرار في عالم به العديد من الطرق الممكنة للوجود، والعديد من التحسينات والتعزيزات، والعديد من الممارسات الاجتماعية، بشأن أي منها أنسب لنا. هنا، قد يلعب الواقع الافتراضي الغامر دورًا مفيدًا، حيث يسمح للاستكشاف الرخيص والسهل، وإن كان سطحيًا إلى حد ما، لطرق متعددة للوجود. على سبيل المثال، يستخدم العمل من BeAnotherLab الواقع الافتراضي الغامر، مع تتبع الجسم، لتمكيننا (بطريقة صغيرة) من تجربة أن نكون أطول أو أقصر أو أن يكون لدينا جسد جندري مختلف.
من الناحية الأخلاقية، نحتاج إلى التساؤل عن التكاليف الجديدة وعدم المساواة التي قد تعنيها الحريات والزيادات التي يتحصل عليها البعض بالنسبة للآخرين. نحن بحاجة إلى أن نسأل ما إذا كنا على استعداد لتحمل بعضٍ من عدم المساواة كجزء من عملية بدء العمل في سبيل عالم أكثر مرونة وترابطًا. قضايا الخصوصية والحق في التحكم (بما في ذلك التداول أو البيع) بمعلوماتنا الشخصية قضايا مصاحبة بشكل واضح لكل هذه التطورات. ولأننا لا نعرف تمامًا أين تنتهي ذواتنا المحمية وأين يبدأ العالم من حولنا، يكافح القانون والسياسة لتحديد ما إذا كانت المعلومات المخزنة على هواتفنا -على سبيل المثال- تشبه المعلومات المخزنة في رؤوسنا بحيث تستحق نفس الحماية. يتخلف القانون والتعليم والسياسة الاجتماعية حاليًا عن العديد من موجات التغيير المتفاعلة. ما هو جاهز للاستيلاء عليه هو ما نحن عليه كبشر وما سنصبح عليه في المستقبل.
الكاتب: أستاذ المنطق والميتافيزيقا في جامعة إدنبره في أسكتلندا كما أنه المدير السابق لبرنامج العلوم الإدراكية في جامعة انديانا، بلومنقتون.
المُترجم: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
المراجعة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
.We Are Merging With Robots. That’s a Good Thing
Andy Clark
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
