2026-05-10

٣٠ نوفمبر ٢٠٢٠
أخشى أنه كلما زاد ما أخبرك به، قلّ فهمك لمن أكون.
لست شخصًا كتومًا، إنما العكس تمامًا. ولكن لدي سرّان. الأول يخصّ بعض “الأحداث السيئة” التي حدثت لي منذ زمن (نعم، إنها من النوع الذي تفكّر به الآن)، والثاني “حقيقة” ليس لها علاقة بالسرّ الأول، وتخص تركيبتي العصبية.
دعوني أكون أكثر وضوحًا: لست خجلة من أي من هذين السرّين. غير أن إبقاءهما سرًّا يخلق في داخلي شعوراً غير مريح، وكأنني أخفي أمرًا، وكأنني أشعر بالخزي، وهذا يزعجني طوال الوقت، مثل بطاقة سعر خشنة معلقة في ثوبي تحكّ جلدي. لكنني لا أستطيع أن أخبرك ما هي “الحقيقة”، لأنك لن تصدقني، ولا أستطيع أن أخبرك عن “الأحداث” لأنك ستصدقني.
بالكاد أخبرتك أي شيء عن “الأحداث”، لكنني أظن أنك بدأت تصدقني بالفعل. ترغب بأن تكون ممّن يُصدّق النساء. وترى في هذا التحدي اختبار التصديق الذي كنت تنتظره، وترغب في الارتقاء إليه. عندما أخبرت معالجتني النفسية لأول مرة عن “الأحداث”، قالت: “بالطبع. بأثر رجعي، يفسر هذا على نحوٍ تام أمور كثيرة…”
اعتذرت مني لاحقًا عن هذا التعليق، واعتبرته تجاوزاً علاجياً. حتى المعالجين لا يستعطيعون تمالك أنفسهم، ينطلقون كمن اندفع إلى سباق، يصدّقون ويصدّقون. وفي هذا الموضوع، يُحشد الكثير داخل عبارة “أن تُصدَّق”، إلى حد أنني أخشى أنه كلما أفصحت لك أكثر، ازددت بعداً عن فهمي.
لا أريدك أن تظن أنك تفهم معنى “الأحداث”. لا أريد أن أصنف على أنني “متضررة” أو “مكسورة”. ولا أريدك أن تشعر بالرضا عن نفسك لأنك صدقتني. ولا أريدك أن تشفق علي، والأهم من هذا كله، لا أريدك أن تمدح شجاعتي لأنني “أفصحت” أو لأنني “نجوت”. إن مجرد احتمال أن أتلقى ثناءً أو تكريماً على هذا الإفصاح يملؤني غضباً. فعندما أتخيّل إعجابك، أتخيل فوراً أنني أقذفه في وجهك.
“الحقيقة” التي أود أن أخبرك بها تتعلق باختلاف ما بين الطريقة التي نفكّر بها، أنت وأنا. ولكن لأكون أكثر تحديدًا بشأن هذا الاختلاف، عليّ أن أستخدم كلمة تربطها بأشخاص لا يتكلمون، ولا يستطيعون الاعتناء بأنفسهم، والذين تبدو عوالمهم الداخلية لك مبهمة تماماً، أشخاصٍ يؤذون أنفسهم، أشخاصٍ تجد صعوبة في رؤيتهم كبشر، أشخاصٍ تعتبر وجودهم مأساة.
ستجد هذه المقارنة سخيفة. ستقول لي أنه لا ينبغي أن أستخدم “تلك الكلمة”، وستعرض علي وبحسن نية بدائل أخف وطئه. ربما ستعترف بأنني “غريبة الأطوار” أو “ذات طابع خاص” بالمعنى الإيجابي لهذه الصفات! وأن بعض هذه الخصوصيات قد يشبه، ظاهرياً، بعض كا لدى أولئك الأشخاص. لكن لديّ مسيرة مهنية، ولديّ عائلة. ولا يمكن أن أكون مثلهم. (اسأل نفسك: كم من المعرفة ستحتاج حقًا كي تجزم بذلك؟).
قد تميل إلى التراجع قليلًا لو سمعت الأمر من بعض المختصين الطبيين. على الرغم من أن رأياً واحداً قد لا يكون كافيًا. ستحتاج إلى رأي ثانٍ وثالث. لاحظ أنك لو علمت أنني مصابة بالسرطان أو السكري أو الاكتئاب، أو حتى أنني عسراء، فلن تصر على رؤية ما يثبت ذلك من مستندات. ولن يخطر ببالك أنني أزيف عسريتي بأنني دربت نفسي على استعمال يدي البسري، أو أنني لا أشبة المكتئبين “إلا من بعض النواحي”.
بالنسبة “للأحداث” فأنت تتطلع لمنحي صفة الضحية، وبالنسبة “للحقيقة”، فأنت حذر من إسنادها إليّ. وبالنسبة لك، لا يوجد سوى سؤال واحد: كم مقدار المعاناة الذي يحق لها، أن تدّعيه؟
أنت منشغل إلى حد كبير بمحاولة الإجابة عن هذا السؤال، بمحاولة أداء دور الحكم في أولمبياد الألم والمعاناة والحرمان، حتى أنك لا تستطيع سماع أي شيء مما أحاول أن أقوله لك. وهذا يعني أنني لا أستطيع التحدث معك. فلا أحد يستطيع أن يُصرّح بصدق بكلمات يعلم أن معناها سيُشوّه بمعجم مُحاوره. أنا لا أريد الخصوصية، لكنك فرضتها عليّ.
قد تتساءل لماذا عليّ إخبارك بهذه الأمور. أليس بوسعي أن أجد مجتمعاً داعماً من أشخاص مرّوا بأحداث مماثلة، وألا أكون مُصدّقة لدى آخرين يحملون الحقيقة نفسها؟ بلى، والروابط الفردية من هذا النوع ثمينة جدًا، لكن على مستوى الجماعة لم ينجح معي هذا النوع من الدعم.
فكوني محاطة بأشخاص يُفترض أنهم “يشبهونني” يؤدي ذلك بالضرورة إلى الشعور الأقصى “بالاختلاف”. وربما كان عجزي عن الاستفادة من مثل هذه المجتمعات علامة على أنني لم أعاني كثيرًا، وأنني لا أستحق إلا قدراً ضئيلاً جداً من “رصيد الضحية”. فليكن ذلك!
ليس التضامن ما يليق بي، بل بالانفتاح. ومن تبعات “الحقيقة” بالنسبة لي أنني أميل إلى الشفافية في جميع السياقات. عليّ أن أمنع نفسي بوعي من الإفراط في مشاركة التفاصيل (وأكثر مما أفعل)، وأنا صادقة انطلاقاً من الضرورة لا الفضيلة.
ولهذا كلّه سبب: إنني سيئة، سيئة للغاية، لا يمكنك تخيل مدى سوء ذلك، في استنباط الأمور وحدي. فإذا خطوت خطوات كثيرة في التفكير من دون تدخل شخص آخر، انتهيت إلى أخطاء بعيدة جداً. لذلك اعتدت أن أفكر على الملأ قدر ما أستطيع، وأن أحرص على تعريض أخطائي للتصويب.
أنا أعلم أنني لا أدري من أي زاوية قد تأتي المساعدة. لا أريد أن أفضي بسري إلى مجموعة مختارة من الأشخاص الذين يتذمرون فيما بينهم من سوء فهمك “لنا”. أريد أن أتحدث إليك، وإليك وإلى أي منكم جميعًا، بحرية، كي تساعدوني على أن أتوقف عن سوء فهمي لنفسي.
الحقيقة أنني لا أعرف معنى “الأحداث” في حياتي. أليس من الممكن على الأقل أنها ببساطة لا تحمل أي معنى؟ أو لعل معناها سيتبدل عندما يُسمح لي بالتحدث عنها بصوتٍ عالٍ؟ ربما أكون حقًا مجروحة مدى الحياة،لكن هل يلزم أن نفترض ذلك من البداية؟
لو استطعت أن أناقش الأمر على نحو مفتوح، لربما كان لدي أمل في فهمه. لأن هذه هي الطريقة الرئيسية التي أستخدمها لحل جميع المشاكل الصعبة في حياتي: أتحدث عنها مع أي شخص متاح، كلما بدت المشكلة ذات صلة بشيء آخر أفكر فيه. أستمع، أعيد التفكير، أكتب، ثم أعود وأكتب شيئًا آخر،مرة بعد مرة… ومع مرور الوقت تتشكل لدي صورة مستقرة.
أما مع “الأحداث”، فأنا تائهة. لفترة طويلة لم أسمح لنفسي حتى أن أنطقها لنفسي. والآن بمجرد أنه يمكنني القيام بذلك، يجرحني أنك تكون قد قررت أنني إذا أردت أن أتحدث عنها معك فعليّ أن أتبع قوانينك، وأن أسمح لك بأن تدوس علي. وربما سيتحدث المزيد من الأشخاص الذي عايشوا “أحداث” كهذه معك لو ظنوا أنك ستقلّل من “التصديق” وتزيد من الإصغاء.
من ناحية الحقيقة، ما أرغب في معرفته هو: ما هي الأمور، إن وُجدت، التي تجمع بين “الاختلافات السطحية” في طريقة لباسي، وطريقة حديثي، وقفزات ذهني، وحركاتي التكرارية، وحساسياتي، وأنماط أراها وأخرى أغفل عنها، ووساوسي، وعدم قدرتي على التفكير بشكل مجازي، وتذبذبٍ غريب لديّ بين الحاجة إلى الوحدة والحاجة إلى البقاء مع الآخرين، بين أن أبدو لك لطيفة وجذابة وبين أن أكون غير محتملة. لماذا أعاني كثيراً في فهم أي شعور أشعر به؟ ولماذا أخفق إلى هذا الحد في التنبؤ بما ستجده فيني مسيئًا؟
إن “الحقيقة” تجعلني جزءًا من جماعة حدودها مُلتبسة وغامضة. فنحن لا نتعرف جميعنا على بعضنا البعض، وحتى حين نفعل، لا نكون متأكدين مما نشترك فيه بالضبط. أنت ترغب في أن إدارة هذا الوضع بطريقة محددة جدًا: أولاً، أن تفصل ما تعتبره “أشد الحالات”، ثم أن تجد علاجاً يمنع ظهور مزيد منها.
ثانيا، استيعاب البقية – أشخاص مثلي – بوصفنا “عاديين”، أو عاديين بما يكفي، ما دمت متسامحاً ومراعياً بدرجة كافية. لكنني أظن أن كل التسامح والمراعاة في العالم لم يجعلا مني شخصًا عاديًا. هل علينا أن نتظاهر بأنني كذلك؟ أهذا هو الشرط الذي على أساسه تقبل أن تنخرط معي؟ ثم ألا يمكن لجماعة من الأشخاص أن يجمعا شيءٌ مشترك حتى لو لم يكن “مقدار المعاناة” هو هذا الشيء؟
إنني أحتاج لمساعدتك – لا دعمك ولا موافقتك ولا تطمينك، بل مساعدتك بوصفك جمهوراً منفتحاً ومفكراً يواجه معي هذه الأسئلة الصعبة. لكنك لن تساعدني، لأنك لن تصغي إلى ما أحاول قوله، ولأن كل ما يشغلك هو مقدار “صفة الضحية” التي استحقها. أنت تُخيّب ظني حقًا.
الكاتبة: أستاذة مشاركة في الفلسفة في جامعة شيكاغو، ومؤلفة كتاب “Aspiration: The Agency of Becoming”، تكتب عن فلسفة العامة في مجلة The Point.
المترجمة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
المراجع: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
.I Don’t Want You to ‘Believe’ Me. I Want You to Listen
Agnes Callard
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
