2025-11-20

٢١ ديسمبر ٢٠٢٠
نحن نعيش في زمن حاضر مستمر. ونحن ننتظر.
بيثاني،كونيتيكيت—منذ شهر مارس، داومت عائلتي على قياس الزمن من خلال لوحة الألوان المتبدّلة من أوائل الربيع حتى الخريف، ذلك الانتقال المتدرّج من الرمادي إلى الذهبي. وقد زارتنا مجموعة من الطيور والوحوش، من بينها دب أسود سمين، جاءت جميعها إلى خارج نافذة مطبخنا لتناول حبوب الطيور، دون أدنى اكتراث بالتجمّع في مجموعات أو مشاركة وجبة. كنا نراقبهم، ونحن نغبطها على حريّتها الجريئة.
بعد أن سمحت لابنتي أنا وشريكي بمشاهدة فيلم “هاملتون” على شاشة التلفاز في الرابع من يوليو، حفظت الفتاتان الألبوم الغنائي كاملاً عن ظهر قلب. يبدأ كل يوم بجوقة غنائية، ولكل دش أو حمام موسيقاه المرافقة. وفي السيارة أو الفناء، تقومان بتمثيل مشاهد كاملة. تلعب ابنتي الكبرى أدوار بور وأنجيليكا وجيفرسون، بينما تتولى الصغرى أدوار هاميلتون وإليزا وواشنطن. أسمعها أحياناً تغنّي لنفسها أغنية “Burn” بهدوء في غرفتها.
في شهر أغسطس، تلت إعصار إيساياس Isaias عاصفة، وكان من الصعب ألاّ نفكر في إله العهد القديم المنتقم الضيق الأفق الذي راهن مع الشيطان وامتحن أيوب. تبدو كل عملية تنظيف وكأنها مقدمة لكارثة جديدة: التقط الأغصان واقطع الفروع واسحبها بعيدًا وكرر الأمر من جديد–رتابة مستمرة في غسل الصحون وترتيب الأسرّة وغسل الأيدي والبقاء متباعدين ومحاولة الحفاظ على تماسك كل شيء. كل ذلك من أجل الامتناع عن الوصف بـ “العاجز”.
جلب شهر أكتوبر أول تساقط للثلوج. استيقظنا على حقل أبيض، مع أنّ الأوراق ما زالت متشبّثة بأغصانها. لم يدم ذلك طويلاً، لكن لوهلة بدا العالم كما كان في شهر مارس، كأن شيئًا لم يتغيّر، وكأننا عدنا إلى نقطة البداية.
عينا ابنتي الكبرى تبدوان حزينتان فوق قناع الوجه. كان الإغلاق محتملًا بجرعات صغيرة، لكنها الآن، وهي توّاقة النمو والاتساع وللوجود مع الأصدقاء، انكمشت داخل قوقعتها. أستطيع أن أرى أنها باتت تشعر بثقل الزمن، بانغلاق اتساعه ومرونته. كم يدوم أي شيء بالنسبة للطفل؟ كم من الوقت انتظرت الحافلة عند أعلى الطريق عندما كنت في السابعة، وكان ذلك يبدو كالأبدية كل صباح في الظلام؟ ما طول الساعة أو اليوم؟ هل سنتذكر شعور تلك الأيام والأسابيع الأولى من شهر مارس، ونحن نذرف الدموع في المطبخ، ونضيّق من نقابلهم أكثر فأكثر حتى لم يبقَ سوى بضعة وجوه؟
هذا هو الزمن الحاضر present tense. حاضر متوتر tense present. لقد انكمش الماضي إلى ذلك اليوم الأخير من شهر مارس عندما اصطحبت الفتاتين من المدرسة. أما المستقبل فلا يمتد أبعد من موعد النوم في أي ليلة كانت. هنري بيرجسون، فيلسوف الحيوية المحبوب في القرنين التاسع عشر والعشرين، أطلق على مثل هذا الوقت الزمن اسم “المدة durée”: وهي المدة التي تُفتح مثل فجوة في خضم مسيرة الزمن الدؤوبة إلى الأمام. ووصف المدة durée بأنها الوقت الذي يستغرقه ذوبان مكعب السكر في كوب الماء. قد تمر بضع دقائق فقط، لكن توتر الانتظار يمدد اللحظة الحاضرة إلى عبء لا يطاق ولا نهاية له.
المدة durée هي أيضًا الزمن المضطرب للمخاض أو المرض، حين ينفلت الإحساس بالزمن، زمن الذاكرة والأحلام المتفكّك، حيث يفقد الزمن شكله الهندسي المألوف، فلا هو دائرة ولا هو خط مستقيم. ينحرف عن إيقاع العد و التواريخ المنتظم. وحين يُحرم الزمن من ماضِ منظم أو مستقبل مفتوح، فإنه يزداد كثافة وثقلاً. في لحظات المواجهة مع قوّة المدة المستهلكة والمتغلغلة، تبدو كل لحظة مثقلة وتتطلب جهدًا بطوليًا للانتقال من ثانية إلى أخرى. ينكمش أفق المستقبل إلى ذلك الحيّز الضيّق –ولكن العنيد بشكل غريب– لـ “الآن”.
تبدو هذه الأيام على هذا النحو، كلها مدّة، طوال الوقت. زمن التفكير ذبل وانكمش إلى لحظات خاطفة تُنتزع انتزاعاً بين الوجبات، أو في وقت متأخر من الليل في ظل اليوم المنقضي. كثيراً ما تخطر لي جملة، ثم تتآكل الفكرة قبل أن أصل إلى نهايتها. أحدهم يطلب شراباً. أحدهم يحتاج تنظيف. أحدهم في الخلفية يغني “هاملتون”، يتوقف فجأة ليصيح “ماذا تعني كلمة deflower؟”
لم يكن على المدة durée يوماً أن تطول إلى هذا الحد. فحتى بيرجسون نفسه، الذي جادل بأن المدة هي التجربة الحقيقية الوحيدة للزمن وأن كل ما عداها من ساعات وتقويمات وساعات يد ومقاييس إيقاعية ليست إلا آليات لتقطيع الزمن أو عدّه أو قياسه— كان يعلم أن الإنسان إذا تُرك لمدة ممتدة لا انقطاع فسيغدو معزولاً ومنفصلاً عن العالم الاجتماعي. المدة durée هي زمن خاص، ذاتي، يُعاش بطريقة فريدة عند كل شخص. ولكن لكي نعيش معًا، لا بد أن نكون قادرين على تجاوز شدة زمننا الذاتي، بل ونسيان حدّته أحياناً.
إنه شهر ديسمبر الآن. في كل شهر نقلب صفحة جديدة في التقويم، فنواجه تلك المعجزة المتمثلة في أن الزمن يمضي، على الرغم من أننا لم نتحرك من أماكننا. يبدو ألا سلطة للمدة durée على العالم الطبيعي. كان بيرجسون يعلم ذلك أيضًا، حيث أبدى دهشته في كتابه “التطور الإبداعي” الصادر عام ١٩٠٧ من تعقيد وبراعة نباتات الأوركيد والكروم المتسلقة، ومن حساسيتها وقدرتها على التكيّف، مانحاً إياها شكلاً من أشكال النمو الحدسي– ذلك النمو الذي كان يخشى أن ينساه البشر بعقولهم المتضخمة.
تتغير الفصول بلامبالاة رحيمة، بينما نظلّ نحن معلقين نراقب أعداد الإصابات وهي ترتفع. نحن ننتظر. ننتظر العام الجديد، ننتظر عيد ميلاد، ننتظر نتائج فحوصات كوفيد-١٩، مواعيد الأسنان، موعد للمشي في الخارج مع الأصدقاء. ننتظر العدالة، اللقاح، العشاء، أن يتعافى أخي، أن يتعلم الكلب خدعة جديدة، أن يتمكّن الأجداد من الزيارة، ننتظر رغيف خبز طازج، ونهاية اجتماع Zoom، وبداية الاجتماع الذي يليه، ننتظر تناول طعام الغداء، وأيّ موسيقى أخرى، ننتظر الفرح، وأول نظّارة طبيّة، ننتظر توقف مجففة الملابس عن الصرير، ننتظر التغيير، المستقبل، الأخبار، اللطف، بعضنا بعضاً، وننتظر الصبر لكي ننتظر أكثر.
الكاتبة: أستاذة مشاركة في الفلسفة والفنون في جامعة ولاية نيويورك، ستوني بروك، ومؤلفة كتاب “ليفيناس وجيمس: نحو ظاهراتية براغماتية”.
المترجمة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
المترجم: مؤلف ومترجم سعودي.
Time Isn’t Supposed to Last This Long
Megan Craig
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
