2025-12-04

٣١ ديسمبر ٢٠١٦
*ملاحظة: العبارات داخل الأقواس المتبوعة بعلامة يساوي (= ….) هي من إضافات المترجم لإيضاح العبارة السابقة عليها.
سرُّ السعادة في أغلب العلاقات هو معرفةُ ما لا يجب قوله. اسأل حبيبتك الجديدة عن حبها القديم، عندها ستعرف أكثر مما كنت تريد أن تعرفه، وستسمع أشياء لن تطيق سماعها. اخبِرْ معلمَك أن كلبك أكل دفترَ الواجبات عندما أخذت جدتك للمستشفى، وقتها لن يصبر عليك المعلم أكثر مما لو قلتَ ببساطة إنك نسيت حل الواجب.
أحد الأسباب التي تجعلنا نفضّل إرسال الرسائل “المختصرة” عبر الإيميل هو أن الكثير من المعلومات ربما تجعل الشخص متلقي الرسالة يسيء الفهم أو يظل يحاول قراءة الرسالة إلى وقت متأخر. السبب الآخر هو أنك إذا أرسلتَ رسالة طويلة، فإن الشخص الذي تكتب إليه ربما يشعر بأنه مضطر لإرسال رد طويل أيضاً، عندئذٍ ستقوم أنت بالتفكير المضني فيما كان يقصده بكلمة (و) أو لماذا لم يذكر ستيف؟ أو ربما، إذا لم يرد، أن تسأل: لماذا لم يرد عليّ؟
لقد كنّا، بالطبع، واعين بهذا الخطر (= كم المعلومات الكبير) منذ بداية الزمان، ومع ذلك فإنّا لم نكن في وضعٍ يسمح لنا بالتهام “أو تقديم” هذا العدد الهائل من المعلومات اليوم، في عالمٍ تتجدد فيها الأخبار والسوشال ميديا يومياً. نحن اليوم أكثر من أي وقت مضى معرضون لنسيان أن “بحر” المعرفة محدود. أما بحر الجهل، والتكهّنات، وسوء الفهم فلا حدود له.
عندما نتدبر تلك المفاجآت الهائلة في الماضي القريب – بدءاً من فوز بوب ديلان بجائزة نوبل، وانتهاء بانتخاب ترامب- فإننا سنتذكر جيداً أن ما كنّا نعرفه قليل. في السابع من نوفمبر، وبفضل المعطيات التي كانت أكثر مما تم جمعه من قبل، والتي يتم تحديثها كل ثانية، لمدة ستة عشر شهرا ونيف، كنا نعرف ماذا سيحصل. بحلول منتصف الليل في اليوم التالي، أدركنا أن كل المعطيات والبيانات التي جمعناها في العالم كله لم تضِفْ شيئاً لحياتنا الواقعية.
لنتذكر، في مسرحية “عطيل” كيف أن المحارب الخبير ضُلِّلَ، عن طريق صديقه القديم ياجو، بعيداً عن المعرفة وأخذه إلى عوالم التكهنات والشائعات. في اللحظة التي أُبعِد فيها عن الحياة الواقعية، بما يعانيه من وساوس، معلِناً: “ياجو هو الأكثر صدقاً” وذلك بعدما كشف لنا ياجو نفسه قائلاً: “أنا لست أنا”، سنعرف عندها أن هذا النبيل المغربي لم يكن متيقناً من أي شيء. إن منظمي استطلاعات الرأي ومحللي الأخبار لدينا يفعلون نفس الشيء تقريباً، لكن، ربما، بشكل أقل خبثاً، ليقنعونا أن الإشاعة + الرأي + التخميات = الحقيقة.
مؤخراً حصلت على دورة تدريبية في هذه المسألة عندما زرت الحرم الجامعي. أُخبِرتُ بأن البروفيسور (س) سيدعوني لطعام العشاء، فقررت التعرف عليه عبر الإنترنت، وأعتقد أنه فعل ذلك أيضا ليتعرف علي. كنت أريد أن أريه أني على معرفة به، وكان عليّ أن أكون منتبهاً طوال ساعتي اللقاء. بحث عنه في (قوقل)، في موقع خاص بتقييم الأساتذة، ووجدت أن مضيفي يوصف بأنه متغطرس، فظ، بل حتى ساديّ. كل نبذة عنه أسوأ مما قبلها. بعد ذلك، لاحقاً، تساءلتُ: هل قتل الشخصية هذا مؤامرة قام بها قلة من الطلاب الذين أخذوا درجات متدنية؟ لم أتوقف عن التفكير في أنه يجب عليّ ألا أثق فيمن أعمارهم ١٩ عاماً في أي مجال، وخاصة إذا كان مستقبلهم على المحك. لم أكلف نفسي عناء التفكير في أن من يفرّغون أنفسهم ويقومون دائماً بالتعليقات في مواقع الإنترنت، هم أولئك الذين يتابعون الأجندات أو جداول الأعمال.
دخلتُ إلى منزل مضيفي وأنا متحفّز، لم أكن أعرف ما أفعل مع هذا الرجل الذي يظهر لي لطيفاً ومهذباً وذي روح مرحة. لا شك أنه يتساءل لماذا أبدو له متحفزاً ومتحفِظاً. أو ربما أنه اطلع بدوره على تعليقات حولي وعرف منها أني متغطرس وجاهل وفظ.
إن انتشار المعرفة الهائل هو إحدى مآثر عصرنا. وحتى الأشخاص ذوي الأوضاع المادية المحدودة في بلدان أخرى يملكون مكتبات بحجم مكتبة الإسكندرية، بل وتزيد عليها كثيراً. بين أيديهم معارف هائلة لم تحدث لأي جيل من قبل. لقد أصبحنا نتحكم بكم هائل من البيانات والمعطيات بشكل غير مسبوق. في رحلة لكوريا الشمالية قبل سنتين، بعد سنوات بعيدة، أتذكر وأنا مصدوم كيف يمكنك أن تعيش في عالم قبل رقمي (= نظراً لتأخر الثورة المعلوماتية في كوريا الشمالية)، حيث لا نعرف إلا ما يسمح لنا بمعرفته.
عندما كنت أتجول في بيونغ يانغ، أشاهد آثار بوتمكن، ذكرت نفسي بأن ناطحات السحاب الشامخة حولي كانت مجرد مسرح يسكنه الأشباح، وأن تلك المرأة التي تبتسم لي في سيارتها وترحب بي بكلمات إنجليزية كانت تفعل ذلك بأوامر من حكومتها. أول ما رجعتُ إلى ما أعتبره كوكب الأرض، ذهبت للإنترنت وسررتُ بما وجدتُ فيه من محتوى مما نعتبره حقائق مقررة ومعترف بها عالمياً.
لكن الشيء الوحيد الذي يحدث عندما نكتسب كماً كبيراً من “المعرفة” هو، مثل عطيل، أننا أحياناً نفشل في التمييز بينه وبين ما لا يمكن معرفته، والذي قد لا يكون بالضرورة خاطئاً. والشيء الآخر هو أننا منجذبون إلى أن نفقد البصيرة للتمييز بين تلك الميادين، كالعلم والصحة، حيث كلما امتلكنا المزيد من البيانات، كان ذلك أفضلَ لنا. أما في ميادين أخرى، كالعلاقات الإنسانية، فلربما أن العكس هو الصحيح.
المعرفة تبدو أنها غاية في ذاتها، وعندما نتحصل عليها ونهضمها بلا توقف، نكتشف أن من ينتجها هو ياجو – أو ذلك الشخص المجهول الذي يكتبها في ويكيبيديا. إن الحكمة أحياناً تقوم على إدراك مقدار المعارف التي لا نحوز عليها، وعلى أن أيامنا العادية تتشكل وفق ما نجهل أو وفق ما هو مفاجئ لنا.
عندما كنت فتياً، كنت أعي أن المعرفة هي شكل مهم من أشكال القوة. كل مراهق يريد أن يكون على اطلاعٍ ومعرفة. ما لم أتمكن من إدراكه هو أن هناك مسائل مهمة- (كالحب، والرعب، ومسألة وجود إله، ولم كان ياجو مسكوناً بالشر)- تقع خارج إطار المعرفة (= كتجميع معلومات). فكلما زادت معلوماتنا عن، مثلا، إنجيلينا جولي أو دونالد ترامب، قلّت معرفتنا بهم. لا أحد جدير بالثقة يرغب في الترشح لمنصب عام اليوم، وذلك، جزئياً، بسبب أنه لا أحد، لاسيما في عصر المعلومات، منزّهٌ في حضرة محكمة الإنترنت.
إي شخص يقرأ هذه المقالة سيراكِم معارف أكثر مما حصل عليها شكسبير في حياته كلها. لكن شكسبير كان يعرف أنه من الصعب علينا رؤية ذلك. عندما كان أصحابي يخبرونني بما سيحدث في حكم ترامب، كنت أتذكر كل شيء كانوا يخبرونني به قبل ثماني سنوات عندما قرروا أن باراك أوباما سيغير العالم. الحمد لله أن أوباما كان حكيماً أحياناً ليشير إلى أنه ولا واحد منا يعلم ماذا سيحدث هذا المساء ناهيك عن المستقبل.
الكاتب: زميل رئاسي متميّز في جامعة تشابمان، وهو مؤلّف لعدد من الكتب، من أحدثها “الرجل داخل رأسي” و “فن السكون”.
المترجم: فيلسوف، عضو جمعية الفلسفة السعودية، من مؤلفاته: ١- الفلسفة بين الفن والأيدلوجيا، ٢- قراءات في الخطاب الفلسفي، ٣- الوجود والوعي، ٤- الهرمنيوطيقا (ترجمة).
المُراجع: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
?What Do We Know
Pico Iyer
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
