2026-03-01

*ملاحظة: العبارات داخل الأقواس المتبوعة بعلامة يساوي (= ….) هي من إضافات المترجم لإيضاح العبارة السابقة عليها.
١٨ سبتمبر ٢٠١٨
مثل سقراط، كان يعرف أن صدق المرء مع نفسه هو أهم عمل فلسفي
“أتيتُ لكي أعترف”.
قالها فتغنشتاين عام ١٩٣٧، حين وصل إلى منزل معلمته الروسية فانيا باسكال، في كامبردج. وأراد أن يعترف بتورطه في حادثة تؤرق ضميره منذ أكثر من عقد من الزمان.
الاعتراف، كما يعلم أغلبنا، يتطلب شجاعةً، ولاسيما عندما يكون ما تعترف به سلوكاً نندم عليه أو عملاً غير مستحب. الاعتراف يدفعنا إلى أن نواجه الأشياء التي نخفيها عن الآخرين وعن أنفسنا. مواجهة خداع النفس أيضاً يتطلب إجراء تغيير في الشخصية.
فتغنشتاين، الذي يعده البعض أعظم فيلسوف في القرن العشرين، كان حسب أغلب الروايات رجلًا مخلِصاً وشديدَ النقد لذاته، وكان يعاني في حياته كثيراً لكي يصلح نفسه. فليس من الغريب إذن أن يرى فعلَ الاعتراف بوصفه وسيلةً للهرب من خداع النفس.
ورغم الأثر الجليل الذي تركه فتغنشتاين في التاريخ الفكري، إلا أنه لا يزال شخصية غامضة. لكن بعض الملاحظات التي وردت في سيرته الذاتية قد تنير الصورة. ففي عام ١٩١٩، بعد انتهاء تجنيده في الجيش النمساوي-المجري، تلقى تدريباً لكي يعمل معلِّماً في مدرسة ابتدائية، ودرَّس في النمسا من عام ١٩٢٠ إلى عام ١٩٢٦. وكان (= أثناء الخدمة العسكرية) قد كتب رسالته الشهيرة التي نشرت ١٩٢١ (أي: رسالة منطقية فلسفية) وظن أنه بهذا قد حلّ كل مشكلات الفلسفة. ولذا ركّز على إصلاح نفسه وتطويرها. وقد تأثر بتولستوي ورؤيته الرومانسية للتهذيب الذاتي حيث عمل وعاش مع الفلاحين، فبدأ فتغنشتاين رحلة مشابهة لتدريس أبناء المناطق القروية الفقيرة.
في مناسبات عدة في ثلاثينات القرن العشرين، قدم فتغنشتاين اعترافات لأصدقائه وأقاربه كتابةً ومشافهةً، وقبل زيارته لفانيا باسكال المشار إليها، كان قد أبلغها أنه بحاجة إلى أن يعترف لها بشكل عاجل. وفي قصةٍ تشبه اعتراف جان جاك روسو بسرقته الوشاحَ (= سرق وشاحاً من الأسرة التي يسكن معها وأهداه للخادمة، فوجدته الأسرة معها فاتهموها بالسرقة، وقد أيدهم روسو وأدان الخادمة- راجع اعترافات روسو)، اعترف فتغنشتاين بأنه أثناء تدريسه في أوترتال، آخر قرية عمل فيها معلماً، ضرب طالبة لأنها مشاغبة، وحين استجوبه المدير، أنكر فتغنشتاين ذلك، بحضور الطالبة، أو هكذا تسرد لنا باسكال الحكاية. أما راي مونك، صاحب كتاب (فتغنشتاين: واجب العبقرية) فقد عبر عن شكه في رواية باسكال. وقد وجه القراء إلى ما يعتقد أنه رواية أوثق تتناول حادثة مشابهة لكنها منفصلة نقلها رولاند هت، صديق فتغنشتاين.
يروي هت أن فتغنشتاين شهد زورًا حين أنكر التهم الموجهة له في المحكمة، وذلك بعد “حادثة هايدبور”. ففي عام ١٩٢٦، وقع الطفل الهزيل جوزيف هايدبور على الأرض مغشياً عليه بعد أن ضربه فتغنشتاين. فأرسل فتغنشتاين الطلاب لبيوتهم وقام بحمل الطفل إلى مكتب المدير ليراه الطبيب، ثم هرب (= أي فتغنشتاين). وثمة خلاف فيما إذا كان قد انتظر الطبيب أو أنه غادر على الفور. عموماً بُرّئ فتغنشتاين من التهمة؛ فقد دافع عنه زملاؤه (في المدرسة) بل طُلِبَ منه أن يستمر في التدريس، لكن هذه الحادثة وضعت حداً لعمله كمدرّس؛ إذ لم تعد له رغبة في العودة. وبأية حالٍ فما أتعب ضمير فتغنشتاين وجعله يلجأ للاعتراف لم يكن عنفَه بقدر ما كان عدم نزاهته وأمانته.
كتب فتغنشتاين مستذكراً في اعترافاته عام ١٩٣٧:
“العام الماضي، لملمت ذاتي، وقررت أن أعترف، وقد قادني هذا نحو مياه هادئة. لكن الآن، فلم أعد بعيداً عما كنتُه من قبل. أنا جبان بشكل لا يمكن تصوره. وإذا لم أصحح ما قمتُ به من خطأ، فسأنجرف لتلك المياه مرة أخرى”.
في كتابٍ عن ذكريات شخصية مع فتغنشتاين كتبها باسكال وآخرون من المقربين إليه، يرى الفيلسوف، ومحرر كتب فتغنشتاين، رَش ريس، أن عبارة “أنا جبان بشكل لا يمكن تصوره” على أنها تحيل إلى صعوبة إدراك فتغنشتاين لخداعه لنفسه، وذلك بسبب “ضعف الإرادة” التي “لم يكن من الممكن إصلاحها إلا بالشجاعة”. الشجاعة المطلوبة للاعتراف تساعدنا على فهم اعترافات فتغنشتاين على أنها، حسب استعارة مونك، ضربٌ من جراحة ذاتية لاستئصال الجبن. لقد رأى فتغنشتاين على أن عدم أمانته مع الآخرين هو عدم أمانة مع نفسه.
ويذكر ريس أيضًا، في تلك الشهادات، أن فتغنشتاين كان يخشى، على نحو ينسجم مع شدّة نقده لذاته، من أنه “وحش”. وهذا النقد يذكرنا بمحاورة (فيدروس) لأفلاطون، حيث يناقش سقراط أصالة الفيلسوف، ففيها يعترف سقراط أنه كان قد فشل في تطبيق أوامر <كاهنة> دلفي التي تقول (اعرف نفسك). يقول سقراط: “إنه من الغريب أن أزعم أني قادر على حل مشكلات الآخرين بينما أنا عاجز عن معرفة نفسي”. ثم يستمر: “إني أنا نفسي أعرف ما إذا كنت وحشاً، وليس الآخرون”. كانت مواجهة فتغنشتاين لعدم أمانته، وكذلك سعي سقراط لمعرفة نفسه، هو سعي نحو الأصالة.
مثل سقراط، يرى فتغنشتاين أن الفلسفة تدريب على الصدق مع النفس، إضافة إلى كونها محاولةً فكرية. وفي ملاحظة كتبها فتغنشتاين، ونشرت ١٩٧٧ ضمن كتاب (الثقافة والقيمة) يقول إن صعوبة الفلسفة تكمن “في الإرادة وليس في العقل”. وهذا يصدق كذلك على الاعتراف. ففتغنشتاين لا تعوزه البصيرة التي تمكنه من تشخيص عيوبه، وإنما، كما يقول ريس، وجد صعوبة في الإقرار بأنه كان يتصرف “بشخصيةٍ غير أصيلة … لأنه يفتقر للإرادة”. وللهرب من خداع النفس احتاج فتغنشتاين إلى “شيء يتطلب الشجاعة” – أي، إلى الاعتراف.
لم يكن فتغنشتاين معنياً بالإقرار بخطئه ولا بالسعي نحو المغفرة، بل كان هدفه الهربَ من خداع النفس، والسعيَ نحو تغيير ذاته. وكان الاعتراف وسيلته لذلك فهو يتطلب الشجاعة وضبط النفس. وكانت مطالبه من نفسه عالية إلى درجة أن باسكال سألته أثناء اعترافه: “ماذا؟ هل تريد أن تكون كاملاً؟”، فرد بفخر: “طبعًا، أريد أن أكون كاملاً”.
ينظر فتغنشتاين إلى الفلسفة بطريقة تقشفية مماثلة. فكتب عام ١٩٣١: “العمل في الفلسفة يشبه كثيراً العمل على الذات”. يذكر ريس أن فتغنشتاين عبر في رسائل عديدة وملاحظات شخصية أنه يريد أن “يتحرر من خداع النفس فيما يتعلق بعيوبه حتى يسير في حياته سيرة مختلفة”. الهدف كان أن يصبح شخصاً مختلفاً. كتب عام ١٩٣١: “الاعتراف يجب أن يكون جزءاً من حياتك الجديدة”.
ينبغي أن نفهم اعتراف فتغنشتاين على أنه طريقة روحية لتحسين ذاته. هناك مفكران يجلّهما فتغنشتاين ولهما أثر عميق عليه وهما القديس أغسطين، وتولستوي. وكلاهما يريان أن الاعتراف هو جزء من السيرة الذاتية. وكانت الغاية القصوى من اعترافهما، مثلما عند فتغنشتاين، هو التقشف أو الزهد: تطوير الذات عبر التطهّر (= الكاثارسيس) والتكفير عن الذنب، وهو ما يؤديه الاعتراف. كانت رغبة فتغنشتاين في تطوير ذاته أقدم من سنوات التدريس. إذ يذكر ريس أن فتغنشتاين كان يسعى إلى تغيير شخصيته من خلال الانخراط في الأنشطة “التي تغير نظرته لحياته ولنفسه”، ومن ضمنها عروض علنية للشجاعة، قد تحفز تطوير الذات مثل أن “يضع نفسه في مواقفٍ خطيرة على حياته”. ومن أجل ذلك، فقد طلب، عام ١٩١٦، أن يوضَع في مكان خطير في الجيش وهو موقع المراقبة الأمامي في إحدى المناطق المحرمة (= إبان الحرب العالمية الأولى). وكان ذلك يعد وسيلة للهرب من خداع الذات لأنه يتطلب الشجاعة وضبط النفس.
لهذا، كان فتغنشتاين يتلذذ بفكرة أنه في كل ليلة، قد يُقتل. وقد كتب عام ١٩١٦: “بالأمس أُطلقت النار عليّ. كنت مرعوباً. خفت من الموت. والآن ينتابني توقٌ شديد إلى أن أعيش”. “الموت وحده هو ما يعطي الحياة معناها” كما كتب في مذكراته إبان الحرب. ومع أنه اعتبر نفسه جبانًا بمعاييره العالية، إلا أنه كان بطلاً بالمعايير التقليدية؛ إذ قد نال على ميداليات الشجاعة.
شخصية فتغنشتاين صعبة مثل فلسفته. وكانت إليزابيث إنسكوم تشعر “بارتياب عميق نحو أي شخص يزعم أنه فهم فلسفة فتغنشتاين”، رغم أن إنسكوم تعد واحدة من أعظم الفلاسفة في عصرها، إضافة إلى أنها كانت المسؤولة عن تحرير كتابات فتغنشتاين، وكانت تلميذة له. لكن من بين ما يمكن أن نفهمه بخصوص هذا الفيلسوف هو رغبته في تغيير نفسه، وقد رأى أن الاعتراف هو الوسيلة لتحقيق هذه الرغبة.
“لا شيء أصعب من خداع النفس”، كتبها فتغنشتاين عام ١٩٣٨. رؤيته للذات الأصيلة قد تكون هي الأخرى غاية تتجاوز المنال، مثلها مثل رؤية كيركغارد ونيتشه، وكانت كاتباتهما مألوفة لفتغنشتاين.
فالأصالة، عبر تاريخ الفلسفة، تفهَم دائماً على أنها “مثالٌ أعلى” نستلهمه، ولكن كونها مثالاً لا يمنع من الاستفادة منها في تطوير الذات. والاعتراف يمكن أن يزيل العقبات من طريقنا نحو ذواتنا الأصيلة.
إذا كان الاعتراف قد أعان فتغنشتاين على ذلك، فلعلّه يعيننا نحن أيضًا.
الكاتب: رئيس قسم الدين والفلسفة في مدرسة كوين آن في كافيرشام، إنجلترا، وهو المحرر المشارك لكتاب “فتغنشتاين والعلموية”.
المترجم: فيلسوف، عضو جمعية الفلسفة السعودية، من مؤلفاته: ١- الفلسفة بين الفن والأيدلوجيا، ٢- قراءات في الخطاب الفلسفي، ٣- الوجود والوعي، ٤- الهرمنيوطيقا (ترجمة).
المراجعة: حاصلة على ماجستير في دراسات الترجمة من جامعة أدنبرة، متخصصة في ترجمة النصوص الفلسفية، وعضوة في جمعية الفلسفة.
Wittgenstein’s Confession
Jonathan Beale
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
