2025-07-26

٢٠ فبراير ٢٠١٩
السعي وراء العظمة يعيقنا أحيانًا
يتكرر ظهور مفهوم العظمة عبر الطيف السياسي الأمريكي، ومع اختلاف أنصار برنامج ليندون جونسون “مجتمع عظيم” مع أتباع رونالد ريغان ودونالد ترامب المنادين بـ” إعادة عظمة أمريكا” في رؤاهم عن كيفية بلوغ العظمة إلا أنهم يتفقون على كونها غاية تُبتغى، فيظهر من وجهتي النظر هاتين وغيرهما عبر التاريخ الأمريكي أن التركيز على العظمة عنصر أساسي في الهوية الذاتية الأمريكية.
وقد وحَّد السعي وراء العظمة مختلف المدارس الفلسفية للأخلاق الغربية، حيث دعا أرسطو إلى ممارسة أعظم الفضائل، وآمن كانط بقاعدة أخلاقية شديدة الصرامة لم يعتقد هو حتى بقدرة البشر على اتّباعها، وركزت نفعية بنثام على تعظيم السعادة، أما ماركس فسعى لبناء عالم عظيم للجميع، وعظّم التحرّريون المعاصرون الحرية والربح الشخصي. اختلف هؤلاء الفلاسفة في تعريفهم للعظمة ولكنهم جميعًا سعوا إليها باختلاف طرقهم.
ولكننا نجد نهجًا أخلاقيًا متعارضًا مع السعي وراء العظمة تتبناه مدارس فكرية مختلفة مثل البوذية والرومانسية ومدرسة التحليل النفسي. ولعلنا نستقي اسم “الحياة المعتدلة” لهذا النهج بالاستعارة من كتاب “اللعب والواقع” لدونالد وينيكات أحد المؤثرين في مجال التحليل النفسي، فقد كتب في كتابه عن “الأم المعتدلة”، ولم يعنِ بقوله “معتدلة” أنها عادية بل أنها تمارس مهمّة صعبة تتمثل في تهيئة الوليد لعالمٍ يشعر فيه بالرعاية وإعداده في الوقت نفسه لمواجهة إحباطات الحياة الكثيرة. فأن تصبح معتدلًا يعني أن تنمو في عالمٍ هو “معتدلٌ” بذاته، أي أن فيه من الحب والرعاية ما يعادل المعاناة والإحباط.
تقدم لنا الرؤية البوذية والرومانسية نظرة شاملة للعالم المعتدل المتخيل، فتنتقد البوذية النظام الطبقي واستعباد بعض الناس لتحقيق عظمة آخرين، وتقترح بدلًا من ذلك فكرة “الطريق الوسط” أي عيش حياة وسط ليست بالمادية المسرفة ولا الزاهدة المفرطة. حتى أن بعض المفكرين البوذيين، مثل الراهب الفارسي الصيني جي زانغ الذي عاش في القرن السادس أكد أن هذا الطريق الوسط، هذه الحياة المعتدلة حق مكتسب لجميع البشر بل وللطبيعة. وفي هذه الرؤية المتطرفة للحياة المعتدلة لا يتمثل الهدف في إنشاء مجتمع إنساني مثالي بل عالم معتدل يمتلك فيه كل الناس موارد تكفيهم – ولا تزيد عن حاجتهم – لمواجهة المعاناة الحتمية في عالم معقد مليء بالصدف.
توسع الشعراء والفلاسفة الرومانسيون في مفهوم الحياة المعتدلة متبنين ما سمّوه “العادي” أو “اليومي”. وهم لا يقصدون بذلك الإحباطات والانزعاجات اليومية التي نمر بها بل يقولون أن بإمكاننا أن نجد في العادي والبسيط والمألوف سعادة سنعجز عن تخيلها لو انصب كل تركيزنا على العظمة. وقد عبرت جورج إليوت تعبيرًا بليغًا عن المشاعر غير البطولية في ختام روايتها “مدل مارش”: “يعود الفضل ولو قليلًا في إن حياتي وحياتك ما كانت بذاك السوء لنفرٍ من الناس عاشوا حياة مخلصة خفيّة ثم رقدوا في قبور لا يزورها أحد.” كما انعكس هذا الشعور ذاته في قصيدة “الشهيرة” للشاعرة نعومي شهاب ناي: “أريد أن أُعرف عند الرجال المارين في زحام الحياة… والأطفال الدبقين المنتظرين في طوابير الدكاكين.”
وليس من السهل أن تحيا حياة مُعتدلة، فأن تتبسّم وأنت تنتظر في طابور الدكّان منهَكًا يتطلب جهدًا كبيرًا، أو أن تكون معتدلًا مع أحبائك فتدعمهم وتتيح لهم في نفس الوقت تجربة الشعور بالإحباط. ويبقى السؤال إذا ما كان من الممكن لنا كمجتمعات أن ننشئ علاقات معتدلة مع بعضنا بعضًا، علاقات لا يسعى فيها الأفراد ولا الأمم لنيل عظمة شخصية بل يتعاونون لخلق ظروف لائقة تلبي ضرورات الكل.
إن تحقيق هذا الهدف يتطلب أيضًا بناء علاقة معتدلة مع عالمنا الطبيعي، ندرك فيها وفرة المصادر ومحدوديتها في هذا الكوكب الذي نتشاركه مع مخلوقات لا حصر لها يسعى كل منها في طريقه الخاص لبلوغ الكفاية. إننا لن ننجح في تحقيق أي من هذه الأهداف ببلوغ العظمة بل بإدراكنا أن لا سبيل إلى تحقيقها إلا بتخلينا عن مفهوم العظمة نفسه.
الكاتب: يدرّس الكتابة في جامعة برينستون وهو مؤلف كتاب “الأصول العالمية للذات الحديثة”. يعمل حاليًا على كتابة سيناريو عن حياة الناشط والكاتب سول ألينسكي.
المترجمة: مترجمة حاصلة على ماجستير في دراسات الترجمة من جامعة أدنبرة، متخصصة في ترجمة النصوص الفلسفية، وعضوة في جمعية الفلسفة.
المراجعة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
The Good-Enough Life
Avram Alpert
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
