2026-05-17

١٦ مايو ٢٠١٩
القوة هي الخطابة، والقدرة على إقناع الآخرين بوجوب فعل ما تريدون منهم فعله
على مدى السنوات القليلة الماضية، دأب القادة السياسيون القوميون اليمينيون المتطرفون حول العالم على استخدام خطابات قاسية ضد الأقليات، وخاصة المهاجرين. نعلم جيدا من التاريخ البشري أن أعمال الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والإرهاب سبقتها فترات استخدمت فيها الحركات السياسية والاجتماعية مثل هذا الخطاب. على سبيل المثال، في ألمانيا النازية، وُصف اليهود بالحشرات، وزعمت وسائل الدعاية النازية أن اليهود ينشرون الأمراض. كما سبقت التطهير العرقي الأخير لشعب الروهينجا في ميانمار دعايةٌ تربط رجال الروهينجا بالاغتصاب.
في الولايات المتحدة، كانت لدينا نظرية “المفترس الفائق”. بدأت معدلات جرائم العنف في البلاد بالانخفاض عام ١٩٩٣ واستمرت في الانخفاض طوال العقد. ومع ذلك، في عام ١٩٩٦، بدأ علماء الجريمة بنشر ذعرٍ غير مبرر بشأن ما يُسمى بالمفترسين الفائقين – “أحداثٌ مُتشددون لا يرحمون”، وفقًا لعالم السياسة جون ديوليو – مما أدى إلى موجة من القوانين الجديدة في عدد من الولايات فرضت عقوباتٍ قاسية على القُصّر. ساعدت أوصاف السياسيين للشباب السود بأنهم “بلطجية” و”أعضاء عصابات” في التسعينيات على تحويل الولايات المتحدة إلى الدولة ذات أعلى معدل سجن في العالم. يمثّل الأمريكيون السود ٤٠٪ من السجناء، بينما لا يمثلون سوى ١٣٪ من سكان الولايات المتحدة.
السيطرة على الفرد هي القدرة على تغيير سلوك أو أفكار شخص آخر بما يتوافق مع رغبات الذات. القوة هي إحدى طرق التحكم في سلوك شخص ما. أما الطريقة الأفضل لتغيير سلوك الآخرين فهي امتلاك القدرة على تغيير التزاماتهم وما يعتقدون أنه واجب عليهم. إذا استطعت إقناع شخص ما بأنه يجب عليه فعل ما تريد منه فعله، فإن قوتك سلطة حقيقية عليه. ولكن هل للكلمات حقًا القدرة على تغيير سلوكنا؟
نعلم جيدا من أدبيات التسويق أن الخطابة يمكن أن يكون لها تأثير كبير على المواقف. على سبيل المثال: طرح أسئلة، حتى لو كانت افتراضية بحتة، على الناس يُغيّر لا شعوريًا تفضيلاتهم وسلوكياتهم اللاحقة بطرق دراماتيكية في كثير من الأحيان. في دراسة أجراها أستاذا التسويق غافان فيتزسيمونز وبابا شيف عام ٢٠٠١، أُخبر المشاركون مسبقًا بأنهم سيُطرح عليهم أسئلة افتراضية بحتة. سُئلت إحدى المجموعات: “إذا ظهرت أدلة قوية من الدراسات العلمية تُشير إلى أن الكعك والمعجنات وما إلى ذلك ليست ضارة بالصحة كما يُشاع عنها غالبًا، وقد تكون لها بعض الفوائد الصحية الكبيرة، فماذا سيحدث لاستهلاكك لهذه المواد؟”
أُخبر المشاركون أن الدراسة “تتعلق بتأثيرات تغيير البيئة على كيفية تعبير المستهلكين عن آرائهم حول المنتجات”، ولذلك وُجّهوا إلى غرفة أخرى وعُرض عليهم خيار بين وجبات خفيفة موضوعة على عربة بين الغرفتين: كعكة شوكولاتة أو سلطة فواكه. أما المجموعة الأخرى، وهي المجموعة الضابطة، فلم تُطرح عليها أي أسئلة افتراضية.
في المجموعة الضابطة، اختار 25.7% الكعكة. وعلى النقيض تمامًا، اختار المشاركون الذين طُرح عليهم السؤال الافتراضي فقط، دون أي تفصيل إضافي، الكعكة في 48% من الحالات. ولاحقًا، أدى حثّ المشاركين على “التفكير مليًا قبل الإجابة على السؤال” للاستعداد لتبرير إجابتهم إلى زيادة نسبة اختيارهم للكعكة من 48% إلى 66%. ومن الواضح أن المشاركين لم يكونوا على دراية بتلاعب السؤال الافتراضي بهم، إذ أنكروا جميعًا، دون استثناء، تأثر تفضيلاتهم أو سلوكهم به في المقابلات المعمقة اللاحقة. وأكد جميع المشاركين أن اختيارهم لم يتأثر بطرح السؤال الافتراضي.
تنافس في الانتخابات التمهيدية الرئاسية للحزب الجمهوري عام 2000 حاكم الولاية جورج دبليو بوش ضد السيناتور جون ماكين. قبل الانتخابات التمهيدية في ولاية كارولاينا الجنوبية، أجرت حملة السيد بوش استطلاعًا لآراء الناخبين الجمهوريين المحتملين في الانتخابات التمهيدية بسؤال افتراضي: “هل ستكون أكثر ميلًا أم أقل ميلًا للتصويت لجون ماكين إذا علمت أنه كان أبا لطفلًا أسود غير شرعي؟”. فاز السيد بوش لاحقًا في كارولاينا الجنوبية.
كان هذا مثال تكون فيها اللغة، أي طريقة صياغة شيء ما، هي المؤثرة؛ ففي السؤال الافتراضي، لا يُقدَّم أي مبرر لقبول الفرضية. مثالٌ آخر صارخ على التلاعب باللغة، من عالم النفس الاجتماعي كريستوفر برايان وزملائه: إذا سألناك “ما مدى أهمية التصويت في الانتخابات بالنسبة لك؟”، فمن المرجح أن تُصوِّت أكثر بكثير مما لو سألناك “ما مدى أهمية التصويت؟”. سماع السؤال الأول يجعلك تُفكِّر في سماتك الأصيلة فيما يتعلق بالتصويت؛ أما السؤال الثاني فيُشكِّك في خططك فحسب. للخطاب قوة؛ فهو يؤثر على المواقف والسلوك والالتزامات المُتصوَّرة.
إن فهم الآليات التي تُعطي خطاب الكراهية قوته يُسلِّط الضوء على طبيعة خطره. إحدى الطرق التي يُغيِّر بها الخطاب الالتزامات المُتصوَّرة هي من خلال التوصية بممارسات مُعيَّنة. في بحثها الصادر عام ٢٠١٢ بعنوان “ألعاب اللغة الإبادية”، تصف الفيلسوفة لين تيريل كيف أن أغلبية الهوتو، لسنوات قبل الإبادة الجماعية في رواندا، كانوا يطلقون على جيرانهم التوتسي ألقاب “الصراصير” و”الأفاعي”. في رواندا، تُشكّل الأفاعي تهديدًا للصحة العامة. تقول تيريل: “في رواندا، يفخر الأولاد عندما يوثق بهم لقطع رؤوس الأفاعي”. إن وصف التوتسي بـ”الأفعى” يربط ذبح التوتسي بالممارسة البطولية لقتل الأفاعي.
وبالتالي فإن وصف المهاجرين بـ”الغزاة” يُشبه ربط الممارسات المتبعة التي قد يتبناها الواحد منا ضد الغزاة المعادين بالجماعات المهاجرة. حين يدعم الواحد منا منظومة القيم القومية، فإن نوع الممارسة التي يُنصح بها عند استخدام صفة “الغزاة” لوصف المهاجرين هو العنف. هذا الخطاب قويّ لأنه يدفع الناس إلى اعتبار العنف ضد المهاجرين أمرًا إلزاميًا. في خطابه من المكتب البيضاوي في مارس/آذار، ندد الرئيس ترامب بـ”المهاجرين غير الشرعيين”، قائلاً: “يكره الناس كلمة ‘غزو’، لكن هذا هو الواقع الحقيقي لما يجري. إنه غزو المخدرات والمجرمين والبشر”. عندما تُعزّز القوة البلاغية المرتبطة في وصف المهاجرين بالغزاة بسلطة الرئاسة، فإنها تتمتع بقدرة كبيرة على تغيير الالتزامات المُتصوَّرة.
قد تبدو القوة البلاغية فكرةً سحرية. إلا أن صعوبة أخذ قوة الكلمات على محمل الجد كغيرها من أشكال القوة، تُسهم في أهميتها كقوة اجتماعية. تُغيّر القوة البلاغية مواقفنا من خلال التلاعب. لكن التلاعب عادةً ما يكون شيئًا خفيًا، بينما الخطاب اللغوي مكشوف. انفتاحه يعزز طبيعية الممارسات التي يوصي بها.
الكاتبان: جيسون ستانلي أستاذ فلسفة في جامعة ييل، ومؤلف كتاب “كيف تعمل الفاشية” الصادر مؤخرًا. وديفيد بيفر أستاذ اللغويات والفلسفة في جامعة تكساس في أوستن، وهما مؤلفان مشاركان في كتاب “صخب: سياسات اللغة” الذي سيصدر قريبًا. (صدر الكتاب بعنوان: سياسات اللغة عن دار نشر جامعة برينستون نوفمبر ٢٠٢٣/المترجم).
المُترجم: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
المراجعة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
Beware of “Snakes”, “Invaders” and Other Fighting Words
Jason Stanley and David Beaver
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
