2026-02-18

١٩ يونيو ٢٠١١
يقول هيغل إن التاريخ تحركه الأفكار، أما سائر الناس تقريبًا فيرون أن هذا رأي أخرق، فما معنى “تحريك الأفكار للتاريخ” إذا ما قسنا الأمر على ما في ليبيا اليوم على سبيل المثال من حماس واندفاع وكروب؟
ولكن كان لهيجل أسبابه، فالأفكار عنده ليست محصورةً في الأذهان، بل إنها علنية تعمل على تنظيم السلوك، إنها باختصار كلمات ذات معنى عملي، فالقول بأن التاريخ ” تحركه الأفكار” يعني أن بناء الأمم يتطلب مفردات أساسية مشتركة، ، شأنه في ذلك شأن كل أنواع التعاون بين الناس.
من المفردات البارزة في المعجم الأمريكي مفردة “الفردانية”، فمجتمعنا يمنح الأفراد حقوقًا وحريات فريدة نفخر بها بشدة لدرجة أننا ما نفتأ نسعى إلى فرضها على بلدان أخرى، لكن الفردانية أي رغبة المرء في التحكم بأمور حياته لها أشكال عديدة، فقد رآها توكفيل ضربًا من الأنانية وتوجس منها، بينما رآها إيمرسون وويتمان تعبيرًا لحظيًا عن الذات المتفردة فأحباها.
بعد الحرب العالمية الثانية، طغى نوعٌ ثالثٌ من الفردانية في أمريكا، عرّف الفردانية على أنها اختيارات المرء التي تفضي إلى تعظيم رغباته وتفضيلاته، ويختلف هذا النوع عن “الفردانية الأنانية” من حيث أن رغبات المرء وتفضيلاته غير محددة، فقد تكون هذه التفضيلات إيثارية وقد تكون أنانية، وهي تختلف عن “الفردانية التعبيرية” في اعتمادها خوارزميات عامة لاتخاذ الاختيارات، وهذا ما يجعلها عقلانية.
هذا الشكل من الفردانية لم ينشأ مصادفة، ففي كتاب أليكس أبيلا “جنود العقل” (2008) وكتاب س. م. أمادي “عقلنة الديمقراطية الرأسمالية” (2003)، يُعاد أصل هذه النزعة إلى “نظرية الاختيار العقلاني” التي وُلدت عام 1951م بمؤسسة راند، وهي مركز أبحاث واسع النفوذ في سانتا مونيكا، كاليفورنيا. لقد كان الوصف الرياضي لاختيارات الفرد في نظرية الاختيار العقلاني – الذي صيغ في الأساس في إطار السلوك التصويتي – علاجا مخصصا للجدليات الجمعية في الماركسية؛ وبما أن الماركسية، في نظر العديد من المحاربين في زمن الحرب الباردة، كانت مهيمنة فلسفيًّا في جميع أنحاء العالم، فقد كانت الحاجة ماسة إلى مثل هذا العلاج، وسرعان ما قام وسّع العاملون في مؤسسة راند بتوسيع هذه النظرية من أداةٍ للتحليل الاجتماعي إلى مجموعة من العقائد الكونية التي يمكن أن نطلق عليها “فلسفة الاختيار العقلاني”، وقد نشرتها ندوات الحكومة وزمالاتها في كل جامعات البلاد، وسندُها في ذلك أن أي بديل لها سيكون بطبيعته جمعيًّا، وهو أمرٌ لم يكن مرغوبًا فيه البتة في بدايات الحرب الباردة.
حقّق المشروع نجاحًا باهرًا، فما إن ترسّخت فلسفة الاختيار العقلاني في الجامعات، حتى انتقلت انتقالًا سلسًا على أيدي طلابها إلى “العالم الحقيقي”، عالم الأعمال والحكومة، وساعدتها في هذا الانتقال بالتأكيد روايات راند – وأعني بذلك هذه المرة آين راند. أما اليوم، فتفترض الحكومات والشركات حول العالم أن الواقع الاجتماعي ببساطة لا يعدو كونه مجموعة من الأفراد الذين يتخذون قرارات عقلانية بحرية تامة، وقد شُنَّت الحروب ولا تزال من أجل جلب هذه الحرية للكوريين والفيتناميين والعراقيين والغريناديين والآن إلى الليبيين، وبلا شك المزيد من البلدان مستقبلًا.
وفي الداخل تُصاغ السياسات المناهضة للتنظيم استنادًا لوجهة النظر القائلة إن الحكومة لا ينبغي لها بأي حال أن تتدخل في حرية الأميركيين في الاختيار، بل حتى الأديان تتنافس في سوق الخلاص، حرصًا منها على أن يختارها أولئك الذين يفضلون، لأسباب مفهومة، الجنة على النار، أما أشد المتحمسين دفاعًا عن الفردانية اليوم، سواء كانوا في وول ستريت أو في حفلات الشاي، فإنهم غالبًا ما ينسون أن جذورهم تعود إلى برنامج قديم من برامج الدعاية الحكومية.
يُحسب لفلسفة الاختيار العقلاني أنها قدمت دعاوى واضحة وجلية في مجالات الفلسفة الثلاثة الرئيسية، فمن ناحية أنطولوجية، اقتضى تركيزها على الاختيار الفردي أن الواقع يقدم مجموعة من البدائل المنفصلة التي يمكن للمرء الاختيار من بينها، أي أن الواقع عبارة عن “سلاسل سببية” خطية تتقاطع تقاطعًا محدودًا أو تقاطعًا لا يذكر، أو لا تتقاطع على الإطلاق. أما من الناحية الإبستمولوجية، تطلب التركيز على الاختيار أن تكون المراحل الأولى من هذه السلاسل على الأقل قابلة للمعرفة بدرجة قريبة من اليقين، إذ لا يكون اختيارنا عقلانيًا، إلا إذا علمنا ما نختاره. وهكذا أصبحت المعرفة ذات طابع تأسيسي وتراكمي.
لكن الأهمية الحقيقية لفلسفة الاختيار العقلاني تكمن في مجال الأخلاق، فباعتبارها فرعًا من فروع الاقتصاد، لا تسائل نظرية الاختيار العقلاني تفضيلات الناس؛ بل تدرس ببساطة كيف يسعون إلى تعظيمها، وتبدو فلسفة الاختيار العقلاني ملتزمة بهذا الحياد الأخلاقي – انظر كتاب هانز رايشنباخ الصادر عام 1951 بعنوان “صعود الفلسفة العلمية” ، وهو كتاب نفيس في بابه – إلا أنها في الواقع لا تراعيه. فأيًا كانت تفضيلاتي، فإن فرصي في تحقيقها تزداد ما دمت أملك الثروة والسلطة، وبالتالي تصدر فلسفة الاختيار العقلاني أمرًا أخلاقيًّا واضحًا ومقنعًا: زد ثروتك وسلطتك!
تزدهر اليوم المؤسسات التي تساعد الأفراد على تحقيق ذلك (كالشركات وجماعات الضغط)؛ أما غيرها من المؤسسات (كالمستشفيات العامة والمدارس) فهي تحتضر. تزدهر كليات الأعمال وكليات القانون، أما أقسام الفلسفة فمهددة بالإغلاق.
تعرضت نظرية الاختيار العقلاني لانتقادات شديدة بعد الأزمة الاقتصادية عام 2008، إلا أنها ما تزال تحتل موقعًا مركزيًا في التحليل الاقتصادي. بيد أن فلسفة الاختيار العقلاني كانت على الدوام غير مقنعة، فقد أنكر هيجل على سبيل المثال مزاعمها المركزية الثلاث في كتابه “موسوعة العلوم الفلسفية” قبل أكثر من قرن، فذكر في هذا العمل وفي غيره من كتاباته، أن الطبيعة ليست سببية ومنظمة بل عشوائية، وبسبب هذه الفوضى، ليس بمقدورنا معرفة أهمية أفعالنا حتى يخبرنا مجتمعنا بذلك؛ وبالتالي فإن الحياة الأخلاقية لا تتمثل في السعي وراء الثروة والسلطة، بل في اندماجنا في النوع الصحيح من المجتمعات.
سرعان ما وصلت الآراء النقدية إلى أمريكا بعد الحرب أيضًا، فبحلول عام 1953، أخذ دبليو كواين يكشف عن عيوب أبستمولوجيا الاختيار العقلاني، ثم جاء جون رولز بعده ليواجه حيادها الأخلاقي الزائف، مؤكدًا أن العقلانية في الاختيار تتضمن قيودًا أخلاقية، أما السببية المنظمة التي تفترضها أنطولوجيا الاختيار العقلاني التي تتعارض دائمًا مع فيزياء الكم، فقد بعثرتها الأزمة البيئية، التي كشفت عنها ريتشيل كارسون في كتاب لها صدر عام 1962 بعنوان “الربيع الصامت”، أوضحت فيه أن التأثيرات السببية للأفعال البشرية أعقد مما كنا نظن ويصعب التنبؤ بها.
غير أن هذه الجهود لم تواجه حتى الآن فردانية الاختيار العقلاني كما واجهها هيغل: في موطنها الأصلي، أي في الفلسفة نفسها، فالنسبية الأنطولوجية لدى كواين تعني أنه عند مستوى كافٍ من العمومية، يمكن لأكثر من نظرية أن تنسجم مع الحقائق؛ ونحن نختار من بين البدائل، وفلسفة رولز الاجتماعية تعتمد على الاختيار الحر بين البنى الاجتماعية المحتملة، بل حتى ريتشارد رورتي، وهو أكثر الفلاسفة الأميركيين المعاصرين تمرداً على الآراء السائدة، صاغ آراءه عن الاختيار “بلغة واثقة وما بعد تقليدية”، كما يقول روبرت شارف.
إذا لم يستطع الفلاسفة أن يكفّوا عن تأليه الاختيار داخل الفلسفة نفسها، فلن يتمكنوا من نقده في أي موضع آخر، أما لو كفّوا عن فعل ذلك فيمكنهم حينئذ الشروع في صياغة بديل شامل لفلسفة الاختيار العقلاني، وللجمعية الجوفاء التي ميزت الستالينية خلال الحرب الباردة، بدلًا من الاكتفاء بالانتقادات الجزئية التي طُرِحَت حتى الآن. وقد يبدو هذا البديل قريبًا من وجهة نظر هيغل القائلة بأن الحرية الفردية لا تكتسب قيمتها إلا عندما توجه توجيهًا جماعيًا، ولنا أن نأمل في أن تتم صياغة هذا البديل بلغة أكثر وضوحًا من لغة هيغل.
الكاتب: أستاذ اللغات الجرمانية في جامعة كاليفورنيا. وهو مؤلف كتاب “الزمن في الخندق: الفلسفة الأمريكية وعصر مكارثي” (2001)، وكتابين آخرين: “في الفلسفة: ملاحظات من زمن الأزمة” و”الزمن والفلسفة: تاريخ الفكر القاري”.
المترجم: أستاذ اللغويات المساعد بجامعة أم القرى، عضو مؤسس جمعية الفلسفة.
المراجعة: حاصلة على ماجستير في دراسات الترجمة من جامعة أدنبرة، متخصصة في ترجمة النصوص الفلسفية، وعضوة في جمعية الفلسفة.
The Failure of Rational Choice Philosophy
John McCumber
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
