2026-02-10

٢٢ مايو ٢٠١٣
مع اقترابي من إنهاء فصلٍ دراسيٍ آخر في التدريس بجامعة نوتردام، كنت أفكّر في ما أحققه بالفعل داخل الفصل الدراسي. الرأي المعتمد عادة هو أن التدريس نقل للمعرفة، إما على شكل معرفة عملية (المهارات) أو معرفة نظرية (المعلومات). وتبدو الاختبارات مهمة لأنها تقيس المعرفة التي اكتسبها الطلاب من الدراسة. ولكن ما مدى جودة أداء معظمنا في الاختبارات التي نجحنا فيها حتى قبل بضع سنوات فقط؟ دعونا نفكر في أسئلة من النوع التالي: ناقش أسباب حرب الثلاثين عاما. ماري تبلغ من العمر 20 عامًا، وهو ضعف عمر آن حين كانت ماري في السن التي تكون فيها آن الآن: كم يبلغ عمر آن؟ كيف تختلف الكوميديا المبكرة لشكسبير عن رومانسياته المتأخرة؟ قدم ملخصًا موجزاً لقوانين مندل.
بشكل عام، يبدو التعليم الجامعي مسألة إتقان مجموعة معقدة من المعرفة لفترة قصيرة جدًا فقط ليتم نسيان كل شيء تقريبًا باستثناء بعض العناصر المفككة. (للرجوع إلى أسئلة الاختبار التي طرحناها في الفقرة السابقة ستكون العناصر المفككة من الإجابات قريبا من التالي: كان الأمر يتعلق بالدين (بالنسبة للسؤال الأول)؛ ستحتاج إلى إعداد معادلة (بالنسبة للسؤال الثاني) كان من المفترض أن تكون الكوميديا مضحكة، والأعمال الرومانسية قليلة (بالنسبة للسؤال الثالث)؛ شيء عن علم وراثة البازلاء (بالنسبة للسؤال الرابع)). بالطبع، يتعلم الجميع تقريبًا في النهاية كيفية القراءة والكتابة والقيام بالحسابات الأساسية – جنبًا إلى جنب مع أساسيات موضوعات أخرى مثل التاريخ والجغرافيا. ولكن هذا التعلّم يتحقق بسبب مراجعة مستمرة أثناء تعاملنا مع البريد الإلكتروني ودفع الفواتير وقراءة الصحف وليس لأننا تعلمناها مرة واحدة وإلى الأبد في الصف الثالث الابتدائي.
وينطبق الشيء نفسه على المعرفة الأكثر تعقيدًا في مراحل حياتنا اللاحقة. أعرف الكثير عن فلاسفة محددين درستهم في الكلية ومدرسة الدراسات العليا، ولكن فقط أولئك الذين عدت إليهم مرارًا وتكرارًا في تدريسي وبحثي. بشكل عام، يحتفظ الناس بالمعرفة التي يستخدمونها بشكل متكرر في وظائفهم. لكن ما درسناه مرة ولم نتناوله مرارًا وتكرارًا يضيع في الغالب. في أفضل الأحوال، تكون آثار التعلم السريع بمثابة علامة على كونك “شخصًا متعلمًا” (قل سوان وأنا سأقول بروست).
لقد استنتجت أن الهدف من معظم المقررات الجامعية لا ينبغي أن يكون المعرفة، ولكن الانخراط في تمارين فكرية معينة. خلال السنوات القليلة الماضية، كان لي شرف تدريس ندوة لطلاب الشرف السنة الأولى حيث قرأنا مجموعة واسعة من النصوص الرائعة، من أفلاطون وثوسيديدس إلى كالفينو ونابوكوف. عشنا مناقشات حية تتطلب معرفة دقيقة بالنص كما يكتب الطلاب أوراقًا ممتازة تعطي قراءات دقيقة لمقاطع معينة. لكن عمر معرفتهم التفصيلية تلك ربما لن يبلغ حتى سنة واحدة. الهدف من دراستنا كان ببساطة أن يكون لديهم لقاءات قريبة مع بعض الأعمال الرائعة.
ما قيمة تلك اللقاءات مع الأعمال الرائعة؟ يمكن القول بأنها تجعل الطلاب على دراية واضحة بالإمكانيات الجديدة للإشباع والاستمتاع الفكري والجمالي. قد لا يستمتعون بكل كتاب نقرأه، لكنهم يستمتعون ببعض منها ويتعلمون نظريا وعمليا أن هذا النوع من الأعمال (الفلسفة اليونانية، الأدب الحداثي) يمكن أن يكون ممتعًا. قد لا يستغلون هذا الاحتمال مرة أخرى أبدًا لكنه سيظل جزءًا من حياتهم، وهو أمر قد يبدأ في الظهور مرة أخرى عندما يرون مراجعة لترجمة جديدة لهوميروس أو سيرة ت. س. إليوت أو حين تعرض مسرحية تارتوف لموليير أو مسرحية النورس لتشيكوف على المسرح المحلي.
التعليم الجامعي تكاثر سريع لمثل هذه الاحتمالات: جمال الاكتشاف الرياضي، ولذة الفهم العلمي، وسحر السرد التاريخي، وغموض التكهنات اللاهوتية. يجب أن نحكم على التدريس ليس بمقدار المعرفة التي ينقلها، ولكن من خلال الإثارة الدائمة التي يولّدها. عندما تأتي المعرفة يكون وصولها متأخر لتشتعل، عندما يحين الوقت، من الشرارات التي زرعها المعلمون الجيدون في أرواح طلابهم.
يجب أن تقاس ثمار التدريس الجامعي ليس بالاختبارات، ولكن من خلال شعبية المتاحف والحفلات الموسيقية الكلاسيكية ودور الأفلام الفنية ومجموعات مناقشة الكتب والمنشورات مثل Scientific American و New York Review of Books و The Economist وThe Atlantic وغيرها كثير. هذه هي الأماكن التي يجني فيها طلابنا فوائد تعليمهم.
قد ينظر الكثيرون إلى ما أقوله هنا على أنه مثالية غامضة تجهل الاحتياجات المهنية الأساسية التي يجب أن تدفع حتى التدريس الجامعي. يحتاج الطلاب إلى وظائف ويحتاج أرباب العمل إلى عمال مدربين تدريباً جيداً. ما علاقة مباهج العقل المزعومة بهذه الحقائق الصلبة؟ ليس من السهل تدريس ما يحتاجه الناس لأداء وظائفهم فما بالك بتلك الأهداف المثالية.
لكن ما الذي يحتاجونه لأداء وظائفهم؟ في مهن مثل الطب والهندسة، هناك قدر كبير من المعرفة التقنية التي يتم تعلمها في المدرسة ويتم الحفاظ عليها من خلال الاستخدام اللاحق. أبعد من ذلك -على الأقل هذا ما يقال غالبا- نحتاج إلى التفكير النقدي والإبداع، أي القدرة على اكتشاف الافتراضات الضمنية، ولكن المشكوك فيها وتطوير طرق جديدة لفهم القضايا. باختصار نحتاج للتفكير المتجاوز لـ”ما يعرفه الجميع”.
لكن ثقافتنا الفكرية التي ينتجها الفيزيائيون والشعراء وعلماء النفس والموسيقيون والفلاسفة والفنانون المرئيون هي التي تولّد النقد والإبداع أكثر من غيرها. أولئك الذين لم يتناغموا مع هذه الثقافة يفتقرون إلى المصدر الأساسي لطرق جديدة للرؤية والتفكير. يقول الشاعر الأمريكي عزرا باوند: “الأدب هو الأخبار التي تبقى أخبارا”، وينطبق الشيء نفسه على كل الإنجازات الإنسانية والعلمية العظيمة.
صحيح أن العديد من أصحاب العمل قد لا يريدون حقًا موظفين ناقدين ومبدعين. ومع ذلك، فإن الانخراط في الثقافة الفكرية هو مصدر رضاء هائل لكثير من الناس في حياتهم الشخصية. يدفع النفور الديمقراطي من النخبوية العديدَ من الناس إلى اعتبار هذه المشاركة مجرد تفضيل خاص لبعض الأفراد. لكن كل من لديه القدرة على الاستمتاع بالثقافة الفكرية يجب أن تتاح له الفرصة على الأقل للقيام بذلك. (هذا هو الدرس المستفاد من المسرحية والفيلم Educating Rita). أصبحت أرى التدريس في الجامعات لا على أنه توفير للمعرفة، ولكن على أنه توفير للأنشطة التي تفتح الباب لهذه المتعة.
الكاتب: أستاذ فلسفة في جامعة نوتردام ومحرر في مراجعات نوتردام الفلسفية. وهو مؤلف كتابه الأحدث Thinking the Impossible: French Philosophy since 1960. كما أنه يكتب بانتظام في منتدى ذا ستون، وقد أُجري معه مؤخراً حوارٌ في 3am Magazine.
المُترجم: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
المراجعة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
?Why Do I Teach
Gary Gutting
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
