2026-01-31

١١ ديسمبر ٢٠١١
*ملاحظة: العبارات داخل الأقواس المتبوعة بعلامة يساوي (= ….) هي من إضافات المترجم لإيضاح العبارة السابقة عليها.
أي شخصٍ معجبٍ بديفيد هيوم، مثلي، سيجد الكثير مما يبهجه، لكنه سيشعر بالأسى لحالة الفلسفة الأكاديمية، مع اقتراب نهاية هذه السنة التي نحتفل فيها بالذكرى الثلاثمائة لميلاد هيوم. لقد كان هيوم ذا قدرة على تشريح العقل، ورسم ملامح طرق التفكير والشعور، كان عالم نفس أو عالماً إدراكياً قبل عصره. عنصر البهجة الذي يميز المشهد المعاصر هو اتباع كثير من الناس لتلك الخطوات. معركة الطبيعة مقابل التنشئة كشفت عن تعادل غير سهل بين الطرفين، لكن صناعة الطبيعة البشرية هي في وضع جيد، إذ إنها مدعومة من قبل الكثير من التخصصات العلمية، ويتلقاها الجمهور بحماس.
مع ذلك، فإنه مألوف بين الفلاسفة التعامل مع هيوم على أنه فيلسوف تحليلي ساذج وغير دقيق حاول بشجاعة أن يوضّح معاني الكلمات والمصطلحات، لكنه عموماً فشل في ذلك. في الواقع، كان إيمانويل كانط، الفيلسوف الألماني المعاصر تقريباً لهيوم، والذي يصور على أنه خصمه، كان لديه سبب للدفاع عنه (= عن هيوم) ضد اتهامات مشابهة قبل أكثر من قرنين. يقول كانط، في عام ١٧٨٣: “إن المرء ليشعر بالألم وهو يرى أن خصومه مثل ريد وأزوالد وبيتي، وأخيراً برستلي، لم ينتبهوا إلى جوهر المشكلة التي أثارها، واستمروا في إساءة الحكم على إشاراته حول التحسين- باستمرار يأخذون ما شك فيه كأمر مسلم به، وبالعكس، يثبتون بقوةٍ، وبوقاحةٍ، ما لم يفكر إطلاقاً أن يشك فيه”. ومازال هذا الحال لم يتغير.
من الأمثلة الواضحة على ذلك الجدل الذي أثارته عبارة هيوم حيث أشار إلى أن العقل بذاته خامد، وأن عمله ليس إلا خدمة المشاعر. ومن كم التعليقات الهائلة عليه نجد تلك الاتهامات التي طالته بأنه متشكك في العقل العملي (أياً يكن معنى ذلك)، أي إنه عدمي لا يقر بأية قيم، وألا شيء مهم لديه، وأنه من الغباء بحيث لم يدرك أن معرفة أن هذا الكأس يحتوي البنزين بدلاً من الخمر يمكن أن يميت رغبتك في الشرب منه، وأنه دائماً ما ينسى نظريته الخاصة، وأنه، بالفعل، كما قد يعبر كاتب معاصر -حيث تصل الوقاحة هنا إلى غايتها- كأولئك الفلاسفة الذين يتجنبون فقط أن يكونوا “نماذج بشرية معيبة” عبر النسيان المستمر ثم مناقضة أنفسهم. من المثير للكآبة أن نجد زملاءنا يذهبون في ضلالهم لأنه من المعقول بما يكفي أن تقول أن العقل العملي يعمل من خلال إصدار تلك الاعتبارات التي نتعاطى بها مع رغباتنا وأمنياتنا ومشاعرنا واهتماماتنا. هذه الحقائق التي لا تهمنا تظل بالفعل خامدة، لكن هيوم، بعيداً عن الإيحاء بألا شيء مهم عنده، يقدم تفسيراً معقولاً ومباشراً لكون الأشياء مهمة لنا.
إذن لماذا الخوف؟ أفلاطون علّم الفلاسفة بأن يعتبروا أنفسهم حراس العقل، كبارَ الموظفين المزودين بمعرفة بالأشكال وبالمنطق وبالعقلانية التي تؤهلهم لأن تكون لهم سلطة خاصة على أفكار البشر. إذا استبعدتَ هذا الدور فإنك تدمر أسباب وجودهم كمتخصصين. هذه الأسباب هي الكأس المقدسة للفلسفة المعاصرة. إنها تشع علينا أو على الأقل، على المتنورين منا. إنها المحكمة العليا التي، كما يقول وليم جيمس، تعطي “إجازات أخلاقية”، لا مفر منها، خالية من ذيل الأفعى البشرية. الآلام اليومية شيء، وآلام اللاعقلانية شيء … – حسناً. حتى هذا التهديد مرعب، مثل رأس ميدوسا أو جورجن الذي يحول خصومك إلى حجر.
ثمة شيء مشترك يجعل هذه الصورة الذاتية مغرية في الوقت الراهن: حاجة ثقافية تدفع الفلاسفة لكي يعزلوا أنفسهم بعيداً قدر المستطاع عن أولئك الشكاك والعدميين والنسبيين وما بعد الحداثيين، كالنقاد الساخرين، الذين يمثلهم بشكل معروف الفيلسوف الأمريكي الراحل رتشارد رورتي. لقد تسرب هؤلاء على مدى جيل كامل إلى أقسام العلوم الإنسانية، وهم يتوقعون بشكل كاف وبسبب تنوعهم السياسي أن سياسيي اليوم غير قادرين على الحديث عن الوقائع أو المعطيات، ناهيك عن الأسباب، بدون علامات الاقتباس الساخرة. لنكن عادلين، عموماً، فإن ما بعد الحداثيين يستعملون تلك الاقتباسات لأنهم مهووسون بفكرة أن الواقع يقبل التأويلات المتنوعة المختلفة، وأن السياسيين والنقاد يميلون إلى استعمال تلك الاقتباسات لأنهم لا يطيقون فكرة أن الواقع قد يعيق حقهم الممنوح من الله في اليقين البسيط، والرؤى البسيطة، والعلاجات البسيطة. إنه باحث مختلف، وربما تشعر قناة فوكس نيوز بالارتياح لسماع أنها ليست فعلاً وريثة جاك دريدا.
يمكن القول إن الحالة الثقافية في الغرب غير آمنة بما يكفي، كحالة أهل أثينا بعد الحرب مع الإسبارطيين، لاعتماد نفس الدفاع ضد علامات الاقتباس الشكوكية التي قدمه سقراط وأفلاطون. لقد علمانا أننا يمكن أن نرد على المنارة الأبدية المستقلة، البنى السماوية للعقل نفسه. إن فكرة أن فينا شيئاً دنيئاً كالرغبات والعواطف والحاجات والثقافة هي فكرة مرعبة، وتشبه ردة الفعل التي واجهها دارون عندما ألمح إلى التقارب بيننا وبين الحيوانات بدلا من الملائكة. بالطبع نحن، بوصفنا مخلوقات عقلية، لا نقع في عبودية ما هو عرضي وطارئ حالنا حال الحيوان. يقاوم كبار الموظفين بعيونهم المهنية هذا الرأي. ويؤكدون لبعضهم أهمية الكأس المقدسة وأنها موجودة، ويعقدون من أجل ذلك المؤتمرات ويكتبون الأوراق والإيميلات، ويقومون بما يسميه فتغنتشاين بلطف الأسلوب الهستيري المخفف لحدث الجامعة.
هل يعطي هيوم حقاً أي مشروعية لما بعد الحداثة؟ هل فوكو ودريدا هم ورثته؟ في الواقع لا، رغم أنه قد يرى على أنه براغماتي، أي إنه سلفٌ لوليم جيمس وجون ديوي وفتغنشتاين، وحتى للعناصر الأقل تطرفاً في نيتشه ورتشارد رورتي. لكن لم يقع في ذهن هيوم يوماً أن يشك أن هناك معايير للتفكير العقلي وللسلوك. إنه لا ينكر أن هناك جوانب من عقلنا يمكن أن تعد بلا فائدة، مثل السذاجة والحماسة والغباء والفضائل الرهبانية. وفي ضوء هذا فإنه يعتقد أنه مناصر للطبيعة الإنسانية غير الفاسدة. وعلى هذه الطبيعة تستند المعايير الأخلاقية، وهو أساس صلب بما فيه الكفاية. وليس ثمة شيء مقتصر على فئة بعينها، فالجميع يعرفون كيف يتصرفون بشكل جيد أو بشكل سيئ، وعندما نسمع ما يقوله الناس عنا نعرف جيدا ما إذا كانت إعجاباً أو نفوراً، مدحاً أو ذماً.
إن الشعار البراغماتي (المعنى هو الاستعمال) يوجه أنظارنا إلى الوظيفة الفعلية للغة. إذن نحن نعرف طبيعة تفكيرنا عبر فهم الطرق التي نعبر بها عن أنفسنا. المعنى مهم، كما تقرر ذلك دائماً الفلسفة التحليلية. لكنه مسكن به العديد من المرايا وزوايا النظر؛ فهو لا يعطينا معاني وحيدة الجانب تسجل الواقع، كما لو كانت تصويراً فوتوغرافياً يعكس ما يظهر. إننا كائنات فاعلة وذات إرادة، بحيث إن الإدراك والعقل نفسه يتكيف لتلك الوظيفة فلا يختار الحقائق إلا لما فيها من خدمة للأهداف والحاجات التي نسعى إليها. المعنى إذن يجب أن يُنظَر فيه بطريقين: طريق العودة إلى البيئة التي تعيّنه رغباتنا وأهدافنا، ولحسن الحظ أن هذه الأفكار وجدت طريقها إلى حقول خارج الفلسفة؛ إذ من المقرر أن الإشارات الحيوانية هي أشبه بأوامر تخبر الحيوانات الأخرى بما يجب أن تفعل، بدل أن تكون مجرد تسجيل للعناصر المكونة للبيئة.
لقد استطاع هيوم أن يتحاشى الميتافيزيقا بفضل براغماتيته وإيمانه بتنوع وظائف العقل. ولذا كان مهووساً بإشعال النار: يدعو إلى إلقاء الكتب الفلسفية منذ بارمنيدس حتى جورج باركلي في النار. لكن الناس يحتاجون إلى الفلسفة؛ نحن في حاجة إلى أن نقاوم الشكوكية. وهذا يدعو إلى تحفيز أهل العقل إلى المحافظة على الميتافيزيقا والكشف عن عالم الوجود والصيرورة، ورسم حدود الواقع الحقيقي النهائي، ومحاولة الوقوع على ما يكمن وراء المظاهر السطحية للأشياء. وبالتضافر مع هذه الصورة، صورة ما ينبغي أن نفعله، هناك عجز في فهم أو تقدير أي شخص يتصرف بشكل مغاير كلياً لتصرفنا. لذا، فالسؤال الملح، سؤال المليون دولار، فيما يتعلق بالتأويلات المعاصرة لهيوم هو: هل كان هيوم واقعياً أم لا بخصوص موقفه من القيم والأسباب؟ أو حتى من الأشخاص والأشياء العادية؟ هذا السؤال وما شاكله يجب ألا يوضع في الأجندة لأنه مرتبط بتلك الرؤى التي يدعو هيوم إلى إلقائها في النار.
الطريق الذي سار عليه هيوم حادّ جداً، ولا يجرؤ أي فيلسوف على السير عليه سوى القلة. لكن عجلة الزمن يمكن أن تجلب الانتقام، فها هو جيل جديد من البراغماتيين ينظر لكثير من الكتابات المعاصر نظرة الرعب التي وجهها هيوم لاسبينوزا، ونيتشه لكانط، وراسل لهيجل. في هذه الأثناء، كان أحد الجنود، كهيوم نفسه، يأمل في أن يتمكن من إسقاط بعض أنظمة الخرافة السائدة.
الكاتب: تقاعد هذا العام من كرسي برتراند راسل للفلسفة في جامعة كامبريدج. وهو أستاذ بحث متميّز في جامعة نورث كارولاينا في تشابل هيل، وزميل في كلية ترينيتي بجامعة كامبريدج، وقد درّس لمدة عشرين عامًا في كلية بيمبروك بجامعة أكسفورد. وهو مؤلف لعدد كبير من الكتب، من بينها: «التفكير»، و«الأهواء الحاكمة»، و«الشهوة»، و«الحقيقة: دليل للحائرين»
المترجم: فيلسوف، عضو جمعية الفلسفة السعودية، من مؤلفاته: ١- الفلسفة بين الفن والأيدلوجيا، ٢- قراءات في الخطاب الفلسفي، ٣- الوجود والوعي، ٤- الهرمنيوطيقا (ترجمة).
المُراجعة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
Of Hume and Bondage
Simon Blackburn
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
