2026-02-04

٢٧ فبراير ٢٠١٩
المهاجرون والنساء والعبيد ممن تم إسكاتهم في ديمقراطية أثينا، مُنِحوا الحياةَ على خشبة المسرح.
بالكاد يبعد موقعنا التالي مئة متر حيث أكتب مقالاتي هذه. أعبر هذا الموقع كل يوم في طريقي من وإلى المكتبة. إنه نصب ليسكريتس Lysicrates المبني عام 334 قبل الميلاد بالتزامن مع عودة أرسطو إلى أثينا وتأسيسه اللوقيون Lyceum. كنت دوما أتوقف هنا وألحظ المنظر حيث تبدو القطط التي تحوم في المكان سعيدة ومُطعمةٌ بشكل جيد. ولو تركت بصرك يجول من فوق النصب التذكاري فإن رؤيتك ستستولي عليها صخرة الأكروبولس الضخمة والمقدسة. إنه سمو يقرص الجلد.
من المؤكد أن أهالي نيويورك قد جربوا مثل هذا الشعور المتكرر Déjà vu أو مشاهدة هذا النصب التذكاري أكثر من مرة، فلا توجد منه نسخة واحدة فحسب، وإنما نسختان، إحداهما فوق مبنى سان ريمو السكني غربي سنترال بارك وهو شمال مبنى داكوتا السكني الذي عاش ومات فيه جون لينون John Lenon. كذلك وُجدت نسخ شتى من هذا النصب التذكاري.
تتكون قاعدة نصب ليسكريتس الأصلي من حجر الكلس، بعرض تسعة أقدام ونصف، ويعلوها مبنى أسطواني بطول ثلاثة عشر قدما، وهناك ستة أعمدة على الطراز الكورنثي ويُعتقدُ أنها النماذج المتبقية من ذلك الطراز، مصنوعة من رخام جبل بينتيليكوس الواقع شمال غربي أثينا بنحو خمسة عشر ميلا. تدعم هذه الأعمدة تمثالاً ينقسم إلى ثلاثة أربطة تحمل نقشا يُحيي ذكرى ليسكراتس، وهو راعي الفنون الثري الذي لا نعرف عنه سوى القليل، وإفريزاً يصور مغامرات الإله ديونيزيوس وبعض القراصنة الذين حولهم إلى دلافين. كان الإله جالسا يداعب نمراً فيما يقدّم له الساتير[1] النبيذ، بينما يحمل الآخرون المشاعل والعصي ويسوقون القراصنة إلى البحر.
في الأعلى قبة مجوفة تمثل قاعدة لثلاث لفائف ورقية عتيقة، تشبه ورق نبتة الرند، وبارتفاع ثلاثة أقدام. صمم ذلك لحمل درع برونزي كبير (أو حامل ثلاثي القوائم tripod) والذي اختفى لفترة طويلة. وبالنسبة لما رأته عيني فإن ما بقي يشبه مزهرية كبيرة ولطيفة، لكن متصدعة.
مالذي يعنيه كل ذلك؟ ولماذا هو مهم؟
إن النصب التذكاري هو درع يُحيي ذكرى فوز ليسيكراتس بالمُسابقة الدرامية. او بالأحرى أغون agon وهو أول احتفال مسرحي في العالم: تأسست مدينة “ديونيزيا العظيم” للمرة الأولى في أثينا أواسط القرن السادس قبل الميلاد، ومثل حالة المسرح والأوبرا اليوم، كانت أثينا القديمة ترعى الفنون. فحين يُطلب من أحدهم في اليونان القديمة أن يؤدي مسرحية تراجيدية فإن الجوقة تؤمّن له، وكان مؤلفو التراجيديا يُدعَمون من الكورغيو Choregus وهو من يأتي بالجوقة، والكوريغو رجل ثري أو مواطن من ذوي الأهمية في أثينا، يستقدم الجوقة ويدفع التكاليف: وكان هذا هو ليسيكراتس.
لا نعرف كيف التقى شعراء التراجيديا مع الكوريغو، لكن أقدم نص مسرحي نملكه وهو ” الفُرس” ألفه أسخيليوس سنة 472 قبل الميلاد، قد دعمه برقليس في شبابه، وهو البطل العظيم للديمقراطية الأثينية، وعندما تفوز الرباعية المسرحية (وهي ثلاث مسرحيات بالإضافة إلى مسرحية ساتير ساخرة بينما يُستَخف بالدراميات السابقة عليها بصورة علنية) حينها فإن الداعم وليس مؤلف المسرحية هو من يُعلَن عن فوزه، ويوضع له درع أو نصب تذكاري لعرض الحامل البرونزي للكوريغو الفائز، وهذه عُرضت في شارع تريبيدون[2].
لا يزال الشارع يحمل نفس الاسم إلى الآن، كان ممتلئا في السابق بالحوامل الثلاثية، لكن اختفت جميعها ما عدا الحامل الثلاثي لليسيكراتس. بدأت مدينة ديونوزيا بموكب يمتد على هذا الشارع ويضم كافة المواطنين والأجانب وأكابر الزوار المهمين وكذلك الكوريغوات وهم يرتدون ملابسهم الأنيقة. وفي مقدمة الموكب رُفع تمثال خشبي لديونيزيوس عاليًا، وديونيزيوس الذي جرى تكريمه في هذا الحفل هو الراعي المحلي لإيلوثراي، وهي قرية تقع على حدود أتيكا مع بيويتا وهي المنطقة المجاورة لها. لكن اسم هذا المكان يستدعي أيضا المفردة اليونانية للحرية Eluetherae والرابط بين الحفل المسرحي وتجربة التحرر لهو أمر يصعب تفويته.
فلنحرر إذن عقولنا للحظة، لنتخيل أنك أنت وأنا نسير الآن معا بامتداد شارع الحوامل الثلاثية. يمكن لنا أن نتبع الطريق وهو يمتد للشرق من ساحة المدينة العتيقة (الأجورا agora) ثم ينعطف حول الزاوية الجنوبية الشرقية لهضبة الأكروبوليس. قد نتخطى طائفة من السياح البطيئين ومجموعات من أطفال المدارس، مرورا بالحانات والمقاهي وهي تتنافس على الزبائن في ظهيرةٍ شتوية متباطئة، فنتجاوز مخابز لولو وديلي، وربما نقف تكريما لديونيزيوس إله كرمة العنب والثمالة، من أجل أن نحتسي كأسا عاديا من النبيذ الأحمر المبالغ بسعره من دكان ديونيزيوس للمعجنات (يسمي السكان المحليين النصب التذكاري بمصباح ديوجين في إشارة لأول فلاسفة الكلبية الذي اشتهر بحمله لهذا المصباح وسعيه لأن يجد رجلا صادقا في أثينا).
سيمكن لنا بعدئذ أن نضع أكوابنا جانبا ونترك المعجنات وننعطف بحدة نحو اليمين لنصعد صوب السلالم الصعبة والضيقة لشارع ابيمينيدو، والذي سمي بذلك نسبة لإبيمينيديس Epimenides وهو مصدر القصة لمفارقة الكذاب. لعلنا نلحظ زوجا من العشاق الصغار وهما غارقان في أحضان بعضهم، ورجلين مسنين يقامران بأوراق اللعب في منظر يشتت انتباهنا، لكن حينها وفي أعلى السلالم نجد أنفسنا مباشرة أمام السفح الجنوبي المنحدر لهضبة الأكروبوليس، وعلى سطحه ينبسط مسرح ديونيزيوس.
كنت هناك كما لم أكن في مكان آخر، إذ نشأ ذلك المسرح قبل ثلاثة آلاف سنة على وجه التقريب، وأجد في هذه الفكرة مصدرا دائما ومستمرا للدهشة، فهنا جلس قرابة الأربعة عشر ألف شخص في أواخر شهر مارس أو أوائل أبريل في كل عام ليشاهدوا المسرحيات طوال اليوم، بما في ذلك إحدى وثلاثين مسرحية تراجيدية بقيت لأسخيليوس وسوفقليس ويوربيديس.
من المغري أن يفقد المرء نفسه كما حدث مع نيتشه الشاب والصخب الديونيزيوسي، ومن اللطيف دائما أن تمضي في نزهة، لكن من المهم للغاية أن نتذكر مدينة ديونيزيا وأنها كانت من المعاهد المهمة في ذلك الابتكار السياسي الأثيني المدهش الذي أبغضه نيتشه: أي الديمقراطية. فأول إشارة للتجمع الديمقراطي وإجراء التصويت كانت في تراجيديا أسخيليوس المبكرة “العذارى المستجيرات” سنة 470 قبل الميلاد.
لكن التراجيديا القديمة ليست مجرد احتفال بالديمقراطية أو ترسيخ لها وللمجد الأثيني (مع أن أثينا تبدو على الدوام مؤيَّدة في بعض المسرحيات) إلا أن المسرح كان مكانًا تُجسد فيه التوترات والصراعات والأمور الغامضة في الحياة الديمقراطية وأمام الناس. إنه المكان الذي يُمثّل فيه على خشبة المسرح أولئك المستبعدون من الديمقراطية الأثينية: كالأجانب، والنساء، والعبيد. إن المسرح هو المطبخ المظلم للديمقراطية.
فلنعد إلى النصب التذكاري، ففي يونيو عام 2016 أعلنت الصحافة اليونانية أن نصب ليسيكراتس طلاه الأناركيون “الفوضويون” بالكتابات الجدارية، وتلوّن بأحرف كبيرة من اللون الأخضر عبارة “آثاركم اليونانية هي معسكرات اعتقال للمهاجرين”. لعل هذا فعل متطرف، لكنني كنت مفتونا، فعلى الرغم من محو الكلمات المسيئة إلا أنني عندما نظرت عن قرب في صفاء ضوء الشمس نهاية الأسبوع المنصرم وجدت بعض الكلمات لا تزال قابلة للقراءة.

أقترح أن نفكر بهذه الكلمات بدلا من الشعور بالحنق. فلو أن النصب التذكارية العتيقة تخدم ببساطة أيديولوجية ما، أو النزعة الهيلينية، فإنها في تلك اللحظة ترتبط بالدفاع عن الدولة اليونانية ضد المهاجرين، أو تحصّن أوروبا ضد فيالق المارقين، حينئذ سأعتقد أننا نسيء فهم أمر بالغ الأهمية حيال أثينا القديمة بشكل مجمل؛ والتراجيديا على وجه الخصوص.
ولنأخذ في الحسبان مسرحية أسخيليوس ” العذارى المستجيرات” التي ذكرتها آنفا، فالحبكة بسيطة جدا: مجموعة من خمسين امرأة مصرية يطلبن اللجوء إلى مدينة أقروس اليونانية Agros كي يتجنبن إجبارهن على الزواج من خمسين شابا مصريا، وكانت هؤلاء النساء يسمين بـ”الدانائيد” [3] ويطلبن اللجوء بموجب عرقيتهن ودمهن الموروث الذي تمسَّكن بكونه يونانيا.
قال والدهن، وهو داناوس، للملك ثيسيوس: “الجميع يلوم الغريب بسرعة، هذا الغريب الذي يحملونه عبء كل لسان شرير”. لكن يصر ثيسيوس على أن الفتيات حتى وإن أثبتن نسبهن اليوناني فإن هذا لا علاقة له بإدخالهن المدينة، فهو أمر ينبغي مناقشته وإقراره عبر التصويت الديمقراطي. في هذه المسرحية تخضع الادعاءات العرقية بمشروعية الدم للإجراءات الديمقراطية والقانونية الضرورية.
تتردد أسئلة طلب اللجوء، والهجرة، والعنف الجنسي، وواجبات الضيافة للأجنبي، في كثير من التراجيديات. والمسرح هو الآلية السياسية التي تُناقش من خلالها، وباحتدام، قضايا الإدماج الديمقراطي حيث يصطدم عالم الأسطورة بالقانون. ولننظر لمسرحية “أنتيجونا” وما فيها من جدل حول معنى القانون أو الـ “نوموس nomos”، أو ثلاثية الأوريستيا وفكرتها التي تدور حول طبيعة العدالة والتي تنتهي بقاعة المحكمة في الأريوباجوس في هضبة آريس بجوار الأكروبوليس. لا تقدم التراجيديا نظرية للعدالة أو القانون، وإنما تقدم تجربة العدالة بوصفها صراعاً، والقانون بوصفه منافسة.
ولكي نكون متيقنين، فإن أثينا القديمة كانت مجتمعا أبوياً واستعمارياً مبنياً على النظام العبودي، ومع ذلك فإن الأعلام الذين أسكتوا في الفضاء العمومي أعيد تمثيلهم في الفنون المسرحية، كما لو أن الديمقراطية التي مُنعت عن هؤلاء الأعلام أعيدت لهم مسرحياً. وكما قال الأديب الكلاسيكي ألبرت هول بحق من أن التراجيديا متعددة الأصوات: إنها تشرّع شوفينية القوة والمجد الأثينيين وبنفس الوقت تمنح صوتا لأولئك الذين يقفون ضدها.
وإذا ما فشلنا في فهم الأصوات المتعددة للعصور القديمة فقد يغرينا حينئذ التقاط علبة بخاخ لنشرع في طلاء النصب التذكارية وكتابة الجداريات.
[1] مخلوق أسطوري يوناني (المترجم).
[2] شارع في أثينا (المترجم).
[3] تراجيديات أسخيليوس. ترجمة عبدالرحمن بدوي. ص37 (المترجم).
الكاتب: أستاذ الفلسفة في “المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية” (The New School for Social Research)، ومؤلف كتاب “ما الذي نفكر فيه عندما نفكر في كرة القدم”، وكتاب “المأساة، والإغريق، ونحن” الذي سيصدر قريبًا. وهو أيضًا المشرف على قسم “ذا ستون” (The Stone).
المترجم: مؤلف ومترجم سعودي.
المراجع: فيلسوف، عضو جمعية الفلسفة السعودية، من مؤلفاته: ١- الفلسفة بين الفن والأيدلوجيا، ٢- قراءات في الخطاب الفلسفي، ٣- الوجود والوعي، ٤- الهرمنيوطيقا (ترجمة).
Athens in Pieces: The Tragedy of Democracy
Simon Critchley
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
