2025-11-23
نقد النسبوية الأخلاقية
سلطان الخالدي([1])
في مقال سابق عنونته بـ “نقد الأخلاق المتعالية” كنت قد ارتئيت تصنيف الأخلاق المتعالية كأسوأ منظومة أخلاقية، حين أفكر بخلف الأخلاق المتعالية في هذا الترتيب، فإني لا أستغرق وقتاً طويلاً لأُجيب، فهي واضحة لا تخطئها الأعين، ولا تحيد البصائر عن إدراك توهمها ومساوئها، إنها النسبوية الأخلاقية، وهذا هو “نقد النسبية الأخلاقية”، ومثلما أعربت في مقالي ذلك، فما أعنيه “بالأسوأ” هنا هو بالضبط ما يشير إليه حدسك([2]).
النسبية الأخلاقية وبحكم التعريف هي نفي لوجود أخلاق كونية أو حقيقة أخلاقية، لوهلة يبدو هذا الموقف نسبياً بالفعل، مع ذلك فإنه وبتمحيص النسبية الأخلاقية يتبيّن بأنها لا تخلو من مزاعم أخلاقية مطلقة أو كونية، فإنكار الحقيقة الأخلاقية يؤول لحقيقة بحد ذاته، ومع أن النسبية تبدأ زعمها بموقف سلبي ينفي مزاعم الواقعية أو الموضوعية الأخلاقية، إلا أنها لا تلبث طويلاً حتى تعرب عن مواقف إيجابية مطلقة، هي ذات ما أنكرته على غيرها. بمعنى آخر فالنسبوية الأخلاقية تفتقر للاتساق، وحتى تكون متسقة عليها أن تُقر بأن موقفها النسبي من الأخلاق -من حيث المبدأ- على قدم المساواة مع الموقف الواقعي أو الموضوعي من الأخلاق، وعليها ألا تقدّم أي برهان موضوعي يدلّل على تفوّقها أمام خصومها، بمعنى أنه على النسبوي أن يتحول إلى صوفي -بالمعنى السلبي للكلمة-، ومن الواضح أن النسبوية الأخلاقية لا تفعل ذلك، فهي حتى تتمكن من أن تقول شيئاً ما ابتداءً وتشارك بالجدال الأخلاقي لا بد لها من أن تضع حقائق موضوعية بشأن النسبية الأخلاقية، وهذه لعمري مفارقة لا تُحسد عليها، وهي تمثّل -بحسب ما أظن- الورطة الأساسية للموقف النسبي من الأخلاق.
هكذا فإن التعبير الأكثر دقّة عن النسبوية الأخلاقية هو: هنالك أخلاق مطلقة، لكن ليس ثمة إلا القليل منها، فهنالك حقيقة “أن كل أخلاق نسبية، وهي صحيحة بالنسبة لمجموعة من البشر أو لثقافة ما لا بشكلٍ مطلق” ثم يتمخض عن هذا الادعاء حقيقة أخلاقية أخرى لا مفر منها، فلأن الأخلاق نسبية “يجب أن نتسامح مع المختلفين أخلاقياً عنّا”. تظل هذه الفرضية صحيحة مهما كان شكل الصيغة النسبوية المعتقد بها، فحتى لو لم يقل نسبوي ما بحكم إيجابي مطلق من قبيل “أن التسامح أفضل من عدم التسامح” فإن الموقف السلبي الأولي وهو “نفي واقعية أو كونية الأخلاق” يصبح بحد ذاته حقيقة أخلاقية مطلقة. يجب أن نلاحظ أن هذا التوصيف الأكثر دقّة في التعبير عن النسبوية الأخلاقية كذلك مُتهم بعدم الاتساق، فالنسبية الأخلاقية من حيث التعريف هي “نفي وجود الحقيقة الأخلاقية”، وبصيغتها هذه فإنها لم تَعُد رفضاً للواقعية أو الموضوعية الأخلاقية، مرة أخرى، ما إن تتحدث النسبية الأخلاقية حتى تبدأ بمناقضة ذاتها، ولا يسعني أن أنكر مقدار استمتاعي في هذا الأمر، إن ما هو رائع في النسبية الأخلاقية أنها لا تستوجب حجاجاً أو حتى نقد لإثبات خطئها، فهي تفعل ذلك جيدًا بنفسها، إذ يكفي أن نجعلها تتحدث، وسرعان ما تناقض نفسها بمجرد أن تبدأ بالكلام([3]).
إن تناقضات من هذا النوع تهدد إمكانية وجود النسبوية الأخلاقية، وهي تبرر تساؤلنا عمّا إذا كانت نسبية أخلاقية متسقة قد وجدت بالأصل، إن النسبوية الأخلاقية لهي أسطورة، مهما أوهمنا أنفسنا بالاعتقاد بها فهي تظل من حيث التعريف خرافة لا وجود لها.
يبدو أن زخم وشيوع النسبوية الأخلاقية آتي من الأنثروبولوجيا، فقد كان علماؤها مفتونين بالتنوعات الثقافية بين البشر، وقد استنبطوا من حقيقة أن الاختلافات الأخلاقية عميقة وواسعة الانتشار نتيجة غريبة مفادها أن الأخلاق لا بد من أن تكون نسبية!([4]) لنعد للوراء قليلاً، قبل تأسيس علم الفيزياء بالتحديد، كان البشر مختلفين أيضاً حيال نشأة الكون وكيفية عمله، مع ذلك فلا وجود لضرورة تستوجب منّا أن نسّلم بالتبعية بنسبية فيزيائية. إن اختلافات البشر تجاه أي أمر ما لا تكشف عن كنه وحقيقة هذا الأمر بذاته بقدر ما تكشف عنّا نحن.
وصفياً لا زالت النسبية الفيزيائية حاضرة بين البشر، فهنالك من يؤمن -حتى الآن- بأن الأرض الكروية مسطحة، مع ذلك فإنهم لا يشكّلون إرباكاً للفيزياء، فلماذا إذن تنجح مجموعة ما من الناس تؤمن بتقديم الأطفال كقاربين لإله المطر الوهمي بتشكيكنا وإرباكنا أخلاقياً؟
أوضحت أن النسبية الأخلاقية الوصفية (أي التنوعات والاختلافات الأخلاقية بين الثقافات) ليست سبباً كافياً للحكم بنسبية الأخلاق، مع ذلك فإني سأذهب الآن أبعد من ذلك، وسأزعم أن هذه التنوعات والاختلافات الأخلاقية ليست سوى اختلافات على السطح، وبأنه على المستوى الأعمق يمكن العثور على اتفاق يجمع كل هذه الأخلاقيات المتنوعة: إن الأخلاق في معظم تاريخها -وهو التاريخ الذي انكب علماء الأنثروبولوجيا على استكشافه- كانت تتمحور حول أوامر قوة عليا أو إله من الآلهة، ومع أن تصورات الآلهة كانت تختلف اختلافاً كبيرًا بين ثقافة وأخرى، وقد اختلفت النُظم الأخلاقية تبعاً لذلك باختلاف الآلهة، إلا أن الأوامر الإلهية -وهي صلب الأخلاق- كانت دائماً مرتبطة بالعذاب والنار / النعيم والجنة الأبديين، بالتالي فقد كانت جميعها تتشاطر قلقاً أخلاقياً مشتركاً؛ هو قلق تجاه الرفاه والمعاناة.
إن النسبية الأخلاقية الوصفية باعتبارها المنبع الذي تنطلق منه النسبوية الأخلاقية لتأسيس رؤيتها لهي قضية محتوم عليها أن تفشل، ففي أحسن الأحوال لا يمكن لها أن تكون صحيحة إلا بشكل مؤقت؛ فمن الثابت أن الأخلاق تتطور، ويمكن للبشرية اليوم أن تجمع على أحكام أخلاقية معينة لم تكن تجمع عليها بالسابق، أحكاماً من قبيل “عدم جواز قتل الأطفال”، والملاحظ أن هذا التطور الأخلاقي يسير باتجاه أخلاقية كونية، وهذا تأكيد آخر لما أعربت عنه منذ قليل؛ بشأن اتفاق الأخلاقيات المتنوعة في العمق.
شأن أي منظومة أخلاقية، تضمر النسبية الأخلاقية مزاعم معرفية، ادعاءات حول ما يمكن معرفته، والموقف المعرفي أو الإبستمولوجي الأكثر راديكالية للنسبوية الأخلاقية هو إنكار وجود حقيقة ما، أو -على الأقل- إنكار أن يكون هنالك نمط واحد يفسر الحقيقة، فكل قول هو شكل من أشكال التأويل، وكافة الأقاويل متساوية، فليس هنالك أولوية للخطاب العلمي على غيره من الخطابات مثلاً، وهذا الادعاء المعرفي شأنه شأن الادعاء الأخلاقي -الذي يقوم عليه- لا يخلو من تناقض، فإنكار الحقيقة هنا أو القول بتساوي الخطابات والأنماط ينطلق من أرضية واقعية أو موضوعية، وهو الأمر الذي تنكر النسبوية وجوده. أتساءل لو قدّر لهؤلاء العبثيون أن يُصابوا بمرضٍ عضال، فهل ستكون المستشفيات التي تقوم على علم الطب -على قدم المساواة- مع الأنماط الأخرى مثل العلاج بالكي بالنار أو العلاج بابتلاع سم الأفعى أو العلاج بالسحر والتعاويذ؟
هنالك موقف معرفي آخر للنسبية أكثر اعتدالاً، يقر هذا الموقف بحقائق العلم -أو بعضها-، لكنه لا يعتقد بإمكانية العثور بينها على حقائق أخلاقية، ويعود هذا بالأصل لمحاجة هيوم الذي أقر بأنه لا يمكن القفز من الحقائق الوصفية عن العالم (Is) إلى الأوامر الأخلاقية (Ought) دون ارتكاب مغالطة منطقية ومعرفية. لكني لن أناقش هذا الموقف الآن؛ لأنه لا يبدو لي الأكثر انتشارًا أو صلة بالنسبية الأخلاقية مقارنة بالموقف الراديكالي الأول الذي ينكر أي حقيقة؛ هذا لأن قبول حقائق العلم سيقود النسبية الأخلاقية بالضرورة لرفض جملة من الأخلاقيات؛ فالإقرار بحقائق علم الفيزياء تتضمن رفضاً لبعض التفسيرات الدينية المتعلقة بنشأة الكون وعمله، وإذا كانت بعض الفيزياء الدينية -إذا صح قول ذلك- خاطئة فهذا يعني أن الإله الخاص بها وهمي، وعند هذه النقطة لا تصبح أوامره الأخلاقية محل اعتبار وقبول؛ لأن أساسها المعرفي قد انهار، وهذا ما لا تفعله النسبية الأخلاقية، فهي تضع مختلف الصيغ الأخلاقية على قدم المساواة ولا تظهر رفضاً لأي منها، ولو فعلت لما أمكن أن تكون “نسبية أخلاقية” بعد الآن. لذا فإن تعاملي مع الموقف الراديكالي هو بالفعل كافٍ لدحض الأساس المعرفي للنسبية الأخلاقية.
ضع كل ما حاججت به عقلياً -حتى الآن- جانباً، سأزعم أنه يمكن ملاحظة خطأ النسبوية الأخلاقية على مستوى الحدس([5])، إن النسبية الأخلاقية لا يمكن لها أن تدين أي فعل بشري، بإمكانك أن تسرح بخيالك الخصب لتصوّر أكثر حالة متطرفة تنتهك أكثر بديهياتنا الأخلاقية قبول واتفاق، سيظل الموقف النسبي بصددها كما هو لا يتزعزع. إن الكلمات الأخرى التي نستخدمها بالترادف مع مفردة الأخلاق هي فعل الأمر الصائب أو الجيد، ولا أرى النسبية الأخلاقية تجيد هذه اللعبة، إنها بالأحرى لا تجيد اللعب إطلاقاً، إنها تقف على أرضية معيارية تتطلب الحركة فيها أن نُقر بصواب وخطأ وترفض أن يكون هنالك أي معيار، إن دخول النسبية كلاعب رئيسي في مسرح الأخلاق هو أشبه بإعطاء دور البطل المنقذ لمريض مُصاب بالشلل الرباعي([6]).
إنه لمن المدهش بحق ورغم كل ما يظهر من عداوة وصراع أيديولوجي بين النسبية الأخلاقية والأخلاق المتعالية المطلقة، إلا أنه بالمقابل تعمل كلا منهما بالخفاء لمصلحة بقاء الآخر، فالنسبية الأخلاقية تعطي شرعية لادعاءات أكثر صنف من الأخلاق المتعالية دموية ورجعية (بعض الأخلاق الدينية)، بل وأنها كثيرًا ما تدعو للتسامح معها حتى مع إدراكها لحقيقة أنها هي بذاتها غير متسامحة، والنسبية الأخلاقية بعبثيتها، ومساواتها لكل الأفعال الإنسانية فإنها لا تجعل لأحد خيار سوى أن ينكفئ خلف الأخلاق المتعالية مهما كانت شريرة، ولا يمكن أن نقول للذين يختبئون خلف الأخلاق المتعالية أن يأتوا إلى لا شيء. بالمقابل فإن لا عقلانية الأخلاق المتعالية المطلقة -سيّما في صنفها الديني- ودوغمائيتها قد ساعدت على تعزيز تطرف من نوع آخر يرفض أي حقيقة، كما في النسبوية الأخلاقية.
كلاهما يقعان في ذات المنزلق الأخلاقي: فالأخلاق المتعالية تبرّر الشر بدعوى امتلاك الحقيقة، والنسبوية الأخلاقية تبرّره بدعوى غيابها، وكلاهما مخطئان بشدة، معرفياً وأخلاقياً. كما أن كلا منهما يسخّف من قدرة العقل في تعامله مع الأخلاق، فالأخلاق المتعالية تعتقد أن الإنسان أضعف من أن يقول شيئاً عن الأخلاق، وأنه من الضروري أن تُفرض من قوة عليا، وكذلك ترى النسبوية الأخلاقية أن العقل محدود وعاجز عن إيجاد حل لكل هذا الكم الهائل من الاختلافات والتنوعات الأخلاقية([7]).
لقد تقهقرت الأخلاق وسحقت -طوال تاريخها- تحت أقدام الأخلاق المتعالية المطلقة -بصيغتها الدوغمائية- وحين قدّر لها أخيراً أن تجد طريق آخر، تلقفتها النسبية الأخلاقية واستمرت في سحقها بلا هوادة، فاتحة الباب على مصراعيه للأخلاق المتعالية المطلقة لتكون المتحدث الوحيد باسم الأخلاق، وبينما تدعي الأخيرة ذلك تستمر في دك الأخلاق نظير كل العنف والشر الذي تسوّغه باسم الأخلاق، لقد حان الوقت للعثور على طريق ثالث، إنه بالفعل متاح.
[1] SultanKHSA1@gmail.com
[2] هذا النقد موجه لافتراضات الموقف النسبي من الأخلاق، لذلك فأنا لم أستحضر في هذا النقد اسماً محدداً من داخل التيار النسبوي، لأن أي شخص يتبنى النسبية يلزمه أن يسّلم بافتراضاتها الأولية، تماماً مثلما يمكن لأي شخص في الضفة المقابلة أن يكتفي بنقد افتراضات الواقعية أو الموضوعية الأخلاقية دون أن يتعرض لتفرعاتها المختلفة مثل: الأخلاق الدينية أو الكانطية أو الأرسطية أو حتى النفعية، ولأكون أكثر إنصاف وتحري في هذا النقد فأنا لم أكتفِ بمطالعتي الخاصة للنسبية الأخلاقية، بل حرصت على مطابقة نقدي لافتراضات النسبية الأخلاقية بحسب ما جاء في موسوعة ستانفورد للفلسفة (النسبية الأخلاقية).
[3] إن ما دفعني لكتابة هذا المقال لم يكن تقديم حجج تدحض الموقف النسبي، فهذا أمر تفعله هي بذاتها بشكل جيّد، إنما أكثر ما دفعني لكتابته هو أن معتنقي النسبوية الأخلاقية في ازدياد، ومما يؤسف له أنهم -وبخلاف معتنقو الأخلاق المتعالية- أُناس عقلانيون، يبدو أنه من المغري للعقول الحرة بعد أن تتجاوز الأصولية الدينية وأخلاقها المتعالية المطلقة أن ترى استحالة قيام أخلاق كونية دون إله -وتبدو هذه الفكرة كما لو أنها إحدى الترسبات أو البقايا التي تستمر معنا حتى بعد تمردنا على الأصولية الدينية وأخلاقها المتعالية-، فترتمي لحضن النسبوية كواقع لا مندوحة عنه، وهو أمر شائع في الأوساط العلمية أكثر منه في الفلسفية، ما يمكنني فعله هو أن أشير لطريق ثالث أعتقد أنه متاح.
[4] لاحظ مجددًا التناقض الذي تقع النسبوية الأخلاقية فيه، فهي تقر بحقيقة الخلافات والتنوعات الأخلاقية غير القابلة للحل العقلاني أو التي لا إشكالات فيها، ثم بتقديم ذاتها كأفضل تفسير لهذه الاختلافات الأخلاقية تكون قد قضت على هذه التنوعات الأخلاقية لتصبح هي الحقيقة الأخلاقية أو الحل لتلك الخلافات، مع أنها لم تكن لتظهر لولا تلك الاختلافات الأخلاقية التي أقصتها، وهي بذلك تكون كأنما قد دمرت أساسها الذي تبنى عليه قضيتها، انظر: موسوعة ستانفورد للفلسفة – النسبية الأخلاقية.
[5] مع أن حدوسنا عموماً يمكن لها أن تخطأ، لكني أراهن بشكل أكبر على حدسنا الأخلاقي تحديدًا؛ فحقيقة أن الأخلاق -من منظور تطوري- هي منتج يخدم البقاء والتعاون بين البشر قد سهلّ المهمة لحدسنا الأخلاقي أن يستشعر ما يُعد نقيض لذلك؛ لأن أمر البقاء والتعاون ذو صلة بنا، ويمكننا -على مستوى ما- أن نعرف ما هو جيد أو سيئ لنا ولمجموعتنا، هنالك أمثلة عديدة يمكن طرحها، سأكتفي بهذا: يمكن أن نشعر بعدم الارتياح نظير مجاورتنا لشخص نحدس أنه مختل عقلي أو نرجسي أو مُتلاعب حتى قبل أن تظهر دلائل تؤكد ذلك. هذا بخلاف حدسنا الفيزيائي مثلاً؛ فلأن الفيزياء منفصلة عنّا كانت حدوسنا حيال نشأة الكون وكيفية عمله أكثر تشوشاً وخطأ. وأنا لا أزعم أن حدسنا الأخلاقي صائب دائماً، لكني أعطيه مصداقية تفوق الحدوس الأخرى، للأسباب سالفة الذكر.
[6] جعلتني هذه الفقرة أعيد التفكير بتصنيف النسبية الأخلاقية، فأنا أجدها الآن، في هذه اللحظة أسوأ منظومة أخلاقية بحق، فالأخلاق المتعالية -لا سيّما في بعض صيغها الدينية- رغم أنها قد ارتكبت الكثير من الشرور باسم الأخلاق، لكنها في ذات الوقت قد حافظت على بعض بديهياتنا الأخلاقية، فالقتل والسرقة وغيرها هي أمور قد اتفقت معظم الأديان على رفضها، أما النسبية الأخلاقية فهي المنظومة الأخلاقية الوحيدة التي تُعد -من حيث المبدأ- مُنفتحة على أكثر الأفعال انتهاكاُ لبديهياتنا الأخلاقية، أدعو القارئ هنا لتأمل الكم الهائل من الشرور البديهية التي يمكن تبريرها وتسويغها تحت مظلة النسبية الأخلاقية.
[7] يجب ألا يثير تناقض النسبوية الأخلاقية دهشتنا هنا، عند هذه النقطة أعتقد أننا جميعاً أعدتنا ذلك، فهي هنا تنفي إمكانية حل الخلافات الأخلاقية الهائلة في تنوعها، وفي نفس الوقت تقدم ذاتها كحل عقلاني لهذه التنوعات الأخلاقية، لقد سأمت النسبية الأخلاقية، فهي بمثابة آلة لتفريخ التناقضات.
