2026-02-22

٢١ يوليو ٢٠١٣
“لقد لَمحتَ اللصوص، أدركوا ذلك! إذن ستتغير أفعالهم”، يدّعي تشارلي إيبس، الخبير الرياضي مُساعد المحققين في مسلسل أرقام Numbers التلفزيوني (١)، إن هذه الفكرة حول الرؤية وأثرها على اللصوص آتية من فيزياء الكم، وعلى وجه الخصوص، من مبدأ اللايقين Uncertainty Principle (٢)، الشهير، لفيرنر هايزنبيرغ Werner Heisenberg. ليست كل التأويلات لمبدأ هايزنبيرغ بسيطة كتأويل إيبس. فقد أُستخدم المبدأ أيضًا في فيلم آخر بعنوان “تبًا، ماذا نعرف؟ What the Bleep Do We Know!؟ (٣) لتبرير العديد من المعتقدات الإيمانية الحديثة. إذ أكَّدت أحداث الفلم أن مراقبة جزيئات الماء يمكن أن تغير بنيتها الجزيئية، وبذلك يُعلل الفلم أنه نظرًا لأننا نتكون من 90٪ من الماء، فإن الفيزياء تؤكد أنه يمكننا تغيير طبيعتنا بشكل أساسي بواسطة الطاقة العقلية. الاستخدام غير الدقيق جوهريًا للمبدأ شائع أيضًا في المجال الأكاديمي، وبالأخص بين المنظرين الاجتماعيين الذين غالبًا ما يجادلون بأنه كمبدأ يقوض ادعاءات العلم بالموضوعية والكمال Completeness (٤). كتب جيم هولت: “لا توجد في القرن الماضي فكرة علمية عانت من الهوس وإساءة الفهم والاستخدام، من قِبل المبتذلين والمتعلمين على حد سواء، أكثر من مبدأ اللايقين لهايزنبيرغ”.
لماذا يُساء استخدام مبدأ اللايقين؟ لا شك أن ثقافتنا الجانحة للإثارة وللترويج للغموض مسؤولة عن ذلك جزئيًا. مع ذلك لا يمكن إعفاء مؤسسي فيزياء الكم، هايزنبيرغ ونيلز بور، من اللوم، على الرغم أنهما، من المؤكد، لن يوافقا على هذا الهراء. من السهل تخيل كيفية ظهور مثل هذه المفاهيم الخاطئة، بالنظر إلى ما أعلناه عن المبدأ، وبالأخص القيمة المركزية المُعطاة من قبلهما لمفهوم القياس.
شرح هايزنبيرغ المبدأ بوضوح بالاستعانة بمثال التقاط صورة للإلكترون. فلتصوير موقع الإلكترون في الفراغ، سنحتاج إلى ارتداد الضوء منه. لكن هذا الارتداد يضيف طاقة للإلكترون المُراد قياسه، مما يجعله يتحرك، وبالتالي تصبح مقدار سرعته غير مؤكدة. لذا يتطلب منا معرفة السرعة على وجه اليقين قياسًا آخر. لذلك فإن حالة التشويش على دقة عملية القياس أمر بديهي، ولا شك في أنه قد يُلهم خيال العامة، كما في مسلسل أرقام، فهي تترك سبب حالة عدم اليقين هذه غامضًا. إن عملية القياس دائمًا في حالة تشوش، لكنها لم تمنع الفيزيائيين الكلاسيكيين من حيث المبدأ من معرفة الموقع والسرعة في وقت واحد.
لهذا السبب استكمل هايزنبيرغ هذه الفكرة بنظرية تبيِّن فيها عملية القياس بشكل أوضح. اعتقد أنه ليس من السهل علينا تقبل عجزنا عن تحديد الموقع والزخم في وقتٍ واحد، لكن الحقيقة هي كذلك، فقبل عملية القياس لم تكن تلك القيمتين موجودتين في آن واحد. وعملية المراقبة نفسها تجلب خصائص العالم إلى الكائن المُراقب. هنا نجد بذور الادعاءات التي قدمها بعض المنظرين الاجتماعيين ووجدناها في فلم “تبًا، ماذا نعرف؟!”، الذين استخلصوا: إذا كان الواقع يتأثر بتفاعلنا معه، فمن الطبيعي أن نفترض أن الموضوعية [استقلالية المادة] مقوضة وأننا ربما يمكننا خلق واقع خارجي بواسطة نوع من الطاقة العقلية.
من جانبه، فسَّر بور حالة اللايقين بالإشارة إلى أن الإجابة على بعض الأسئلة تتطلب عدم الإجابة على أخرى. فلتحديد موقع كائن ما، نحتاج إلى كائن ثابت، مثل لوحة تصوير ثابتة. تحدد هذه اللوحة إطارًا مرجعيًا ثابتًا. أما لقياس السرعة، فعلى النقيض، نحتاج إلى جهاز يسمح ببعض الارتداد، وبالتالي لأجزاء متحركة. أي أن التجربة تتطلب إطارًا مرجعيًا متحركًا. لذلك فإن إمكانية اختبار أحدهما، الموقع والسرعة، يعني عدم إمكانية اختبار الآخر. وهنا أيضًا لدينا ما يُلهم العامة بفكرة أن مبدأ اللايقين يعني أن العلم لا يمكنه الإجابة على كل شيء.
ولكن كتفسيرات للمبدأ، فإن كلا الرأيين محيران، والأهم من ذلك كله بالنسبة للثقل غير المبرر الذي يولونه لفكرة القياس.
لفهم ما يعنيه مبدأ اللايقين في الواقع، يحتاج المرء إلى فهم النظرية الفيزيائية الأوسع التي يقع ضمنها: ميكانيكا الكم. إنها نظرية معقدة، لكن بنيتها الأساسية بسيطة. إنها تمثل الأنظمة الفيزيائية، الجسيمات والقطط والكواكب، ذات الحالات الكمومية المجردة (٥). توفر هذه الحالات الكمومية فرص حدوث أشياء مختلفة. فكر في ميكانيكا الكم كمُقدِّر الفُرص Oddsmaker (٦)، فحين تستشير النظرية، ستوفر لك فرص حدوث الشيء. تسأل: “مُقدر الفرص!، ما هي فرصة العثور على موقع هذا الجسيم في هذه الفترة؟” فتجيبك المعادلات: 25٪. أو تسأله: ما هي فرص العثور على طاقة الجسيم في هذا النطاق؟ فيُجيب:٥٠٪.
يمكن لصانع الاحتمالات الكمومية الإجابة على هذه الأسئلة لكل خاصية يمكن تصورها في النظام. في بعض الأحيان تكون الاحتمالات محدودة جدًا، على سبيل المثال، “هناك احتمال بنسبة 100٪ أن يكون الجسيم موجودًا هنا، وفرصة ٠٪ في مكان آخر». في أوقات أخرى، يوفر احتمالات بدرجات متفاوتة: “هناك احتمال بنسبة ١٪ أن يكون الجسيم موجودًا هنا، وتغيير بنسبة ٢٪ موجود هناك، وإمكانية بنسبة ١٪ هناك، وما إلى ذلك».
ينص مبدأ اللايقين ببساطة أنه بالنسبة لبعض الأسئلة تكون الإجابات متشابكة بالنسبة لمقدر الفرص. من المعروف أن الإجابة على سؤال موضع الجسيم مقيدة بالإجابة على سؤال سرعته، والعكس صحيح. وبالأخص إذا كان لدينا مجموعة ضخمة من الأنظمة التي حُضرت في الحالة الكمومية نفسها، فكلما ضيقنا الموضع، قلت السرعة، والعكس صحيح. بعبارة أخرى، إن مقدر الفرص بخيل: لن يمنحنا فرصًا جيدة في كل من الموضع والسرعة معًا في وقت واحد.
لاحظ أنني لم أذكر أثناء شرحي أي شيء عن عملية القياس. المبدأ يتعلق بالحالات الكمومية والاحتمالات التي تتبعها هذه الحالات. مفهوم القياس مُضاف كمحتوى زائد. وكما قال الفيزيائي العظيم جون إس بيل (٧)، إن الصياغات [التفسيرات] التي تستند على عملية القياس باعتبارها عملية أساسية في شرح ميكانيكا الكم هي صياغات “غامضة وملتبسة بشكل لا مهني”.
بعد ذاك، لماذا تتضمن نظرية أساسية فكرة غامضة كهذه؟ التفاعلات كثيرة، فما الذي يؤهل بعضها لأن تكون قابلة للقياس؟ ونظرًا لأن التشويش مرتبط بعدم اليقين، فليس من المستغرب أن تتغير حالة الشيء بفعل الملاحظة، إذ أننا نلاحظ الأشياء من خلال التفاعل. لكن النظرية الفيزيائية الواضحة والكاملة يجب أن تصف التفاعل الفيزيائي بمصطلحاتها الخاصة.
حاليًا، هناك العديد من التفسيرات لميكانيكا الكم التي تصف التفاعل الفيزيائي بالمقدار المبتغى من الوضوح والتمام. يقدم كل منها روايته الخاصة عن التفاعلات، وبالتالي يعطي معنىً مختلفًا للمبدأ.
تأمل نظرية الفيزيائيين لويس دي بروجلي de Broglie وديفيد بوم David Bohm، التي يشار إليها عادةً باسم وجهة نظر دي بروجلي بوم The De Broglie-Bohm View. إنها تُضيف للحالة الكمومية جسيمات لها دائمًا مواقع محددة، كونترا هايزنبيرغ. تفاعل عملية القياس هي ببساطة تفاعل جسيمي أيضًا، لذا لا تزال هناك حالة من اللايقين. تشير قوانين الحركة في هذه النظرية إلى عدم إمكانية معرفة كل شيء، فلا وجود لقياس دقيق بشكل تام لسرعة الجسيم مثلاً.
نعم، لا يزال هذا مفاجئًا وغير تقليدي، لكن القيود التي على معرفتنا هي قيود مؤقتة. إنها متوافقة تمامًا مع مبدأ اللايقين لأنه موجود ضمن هذه النظرية: أولاً أحدد الموضع بالدقة ثم أحسب لاحقًا السرعة. لكن النقطة الأهم هي أنه بسبب الفكرة المادية التي تستند عليها النظرية، فإننا هنا نُقدر تمامًا سبب وجود حالة اللايقين.
هناك تفسيرات أخرى أيضًا. مثلاً، نظرية “الانهيار” المرتبطة بالفيزيائي جيانكارلو غيراردي. ترى النظرية أن وضع الحالة الكمومية يتغير بشكل مفاجئ (ينهار) عندما تتفاعل المواد الكبيرة مع المواد الصغيرة، لأن حقول الكتلة تتفاعل مع بعضها البعض. وفي نظرية “العوالم المتعددة” للفيزيائي هيو إيفريت الثالث، كل الاحتمالات المقدمة من مقدر الفرص قابلة للوجود، ولكن في عوالم متوازية. هنا تعتبر الحالة الكمومية المجردة مادية، والتفاعلات هي روابط تتطور بين أجزاء مختلفة من هذا الواقع الغريب.
كل واحدة من هذه التفسيرات لها إيجابياتها وسلبياتها، بدون أن يلعب المراقبون دورًا أساسيًا في أي منها. أنت وأنا كتل كبيرة أو جوانب من الأشياء الأساسية. عملية القياس هي ببساطة نوع من أنواع التفاعل بين تلك الأشياء، الأمر لا يختلف عن إعادة توجيه كرة السلة عند ارتدادها من منطقة غير مستوية من أرضية الصالة.
بمجرد أن نتخلى عن «الالتباس اللامهني» المحيط بمفهوم القياس، فإن المبدأ يسقط كنتيجة طبيعية واضحة لفيزياء الكم. مازالت هناك حالة من الغرابة بالطبع. فمقدر الفرص الكمومي البخيل غريب حقًا. لكن كل الادعاءات الجامحة: المراقبون مؤثرون ميتافيزيقيًا، والموضوعية مستحيلة، ونحن نملك نوعًا خاصًا من الطاقة العقلية، ما هي إلا نتيجة تفسيرات ضبابية من أولئك الذين يريدون التأكيد على صحة ادعاءاتهم الميتافيزيقية المسرفة في فيزياء الكم.
لتثبيط إساءة استخدام المبدأ مستقبلاً، أدعو إلى طرح مبدأ اللايقين جانبًا. فإن كنا قد تمكنا من تخفيض تصنيف بلوتو إلى كوكب قزم، فمن المؤكد أنه يمكننا فعل شيء مشابه هنا. للمضي قدمًا، دعونا نتفق على تسمية مبدأ اللايقين بـ “علاقات اللايقين” أو “قيود الانحراف المعياري الكمي”، أجد المسمى الأخير غير محرض؛ فليس من المرجح أن يجتذب اسمًا كهذا الكثير من الأشخاص من خارج المختبر.
ولعل في ذلك خير.
(١) – مسلسل أرقام: مسلسل جريمة أمريكي، عُرض منه ١١٨ حلقة على مدى ستة مواسم (٢٠٠٥-٢٠١٠) على قناة سي بي إس CBS. عادةً ما تبدأ حلقاته بمشهد جريمة يحاول بعدها الأخوان إيبس ووالدهما من الوصول للجناة بالتعاون مع مكتب التحقيقات الفيدرالية وبمعونة حاسمة لأفكار إيبس الرياضية.
(٢) – مبدأ اللاتيقن: في ميكانيكا الكم، ويسمى أيضًا بمبدأ اللاتحدُّد مؤسس على التأويل المتشدد لمجموعة من اللاتساويات الرياضية المستلزمة من ميكانيكا الكم.
(٣) – فلم “تبًا، ماذا نعرف؟! : هو فيلم وثائقي أمريكي عام 2004 من إخراج ويليام داو. يناقش الفيلم طبيعة الواقع والوعي وإمكانية وجود وعي كوني. يضم الفيلم حوارات مع باحثين في مجال الفيزياء وعلم النفس وعلم الأعصاب والدين وعلم التخاطر.
(٤) – الكمال في الفيزياء: أي أن نظرية ما قادرة على تفسير جميع الملاحظات التجريبية التي تم إجراؤها، وعلى التنبؤ بالملاحظات المستقبلية.
(٥) – حالة كمومية مجردة: هي حالة كمية لا يمكن وصفها بالكامل بالمتغيرات الكلاسيكية مثل السرعة أو الموقع. بدلاً من ذلك، يتم وصفها بموجة احتمالية، والتي تحدد احتمالية العثور على الجسيم في موقع ما أو سرعة معينة.
(٦) – مُقدر الفرص: هو شخص أو مؤسسة تضع الاحتمالات على الأحداث الرياضية أو الأحداث الأخرى (كما في كازينوهات المقامرة) من خلال تحليل المعلومات مثل الأداء السابق للفرق أو الأفراد، وكذلك الاتجاهات الحالية.
(٧) – جون إس بيل (28 يوليو 1928 – 1 يوينو 1990) فيزيائي نظري أسكتلندي اشتهر بعمله في نظرية الكم، ولا سيما النظرية المسماة باسمه التي تهدف إلى حل تناقضEPR (الأحرف الأولى لأسماء الفيزيائيين أينشتاين وبور وروزنبيرغ) الذي كان يطرح سؤالًا حول العلاقة بين القياس والواقع. لأعماله تأثير عميق على فهمنا للطبيعة، ولا يزال يُدرس حتى اليوم.
الكاتب: رئيس قسم الفلسفة في جامعة كاليفورنيا، سان دييغو. وقد حرّر مؤخراً كتاب “دليل أكسفورد في فلسفة الزمن” (The Oxford Handbook for the Philosophy of Time)، وهو يُنهي حالياً كتاباً عن الزمن والفيزياء بعنوان “ما الذي يجعل الزمن مميزاً؟” (What Makes Time Special).
المترجم: كاتب ومترجم في فلسفة التقنية وتاريخها.
المُراجع: مترجم ومؤلف سعودي.
Nothing to See Here: Demoting the Uncertainty Principle
Craig Callender
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
