2025-09-04

٩ يناير ٢٠١٧
هذا هو الحوار العاشر في سلسلة الحوارات مع الفلاسفة والمنظرين النقديين حول مسألة العنف. يدور هذا الحوار مع كاري وولف، الذي يشغل منصب مدير مركز النظرية النقدية والثقافية في جامعة رايس، وهو أيضاً المحرر المؤسس لسلسلة كتب ما بعد الإنسانية في مطبعة جامعة مينيسوتا.
ناتاشا لينارد: “ما بعد الإنسانية” يمكن أن تعني مجموعة متنوعة من الأشياء. ما هي بالنسبة لك، وكيف تتحدى المعايير الإنسانية الليبرالية التي نعرفها؟
كاري وولف: حسنًا، لنبدأ بالإقرار بأن موضوع “الإنسانية” نفسه هو موضوع واسع، وهناك العديد من الأنواع المختلفة منه – الإنسانية الليبرالية، والنزعة الإنسانية المرتبطة بعصر النهضة، و “الإنسانية العلمانية”، وما إلى ذلك. “ما بعد الإنسانية” لا تعني “معاداة الإنسانية” بأي من هذه المعاني، ولا تعني ببساطة شيئًا يأتي تاريخيًا “بعد” الإنسانية، كما لو أن المقاييس سقطت فجأة في عام 1968 أو 1972 من أعيننا وأدركنا أخطاء أساليبنا.
في واقع الأمر، هناك نسبية تاريخية للفكر ما بعد الإنساني تعود إلى ما قبل القرن العشرين أو حتى الحادي والعشرين. يمكنك أن تجد لمحات منه في أي شيء ينزع مركزية الإنسان بشكل أساسي في علاقته بالعالم الذي نجد أنفسنا فيه، سواء كنا نتحدث عن أشكال أخرى من الحياة، أو البيئة، أو التكنولوجيا، أو أي شيء آخر. وربما الأهم من ذلك، أنك تجد ذلك في إدراك أنه عندما لا تسمح لمفهوم “الإنسان” بأن يقوم بالمهمة الفلسفية الثقيلة عنك، فإنك تُرغَم على التوصل إلى حسابات أكثر قوة وتعقيدًا لأي موضوع تتحدث عنه. وهذا يشمل، أولاً وقبل كل شيء، مفهومًا مدروساً أكثر عن “الإنسان” نفسه.
إن الرسومات التخطيطية لـ “الإنسان” أو “الحيوان” أو “الطبيعة” التي نحصل عليها من التقليد الإنساني هي رسوم كاريكاتورية واضحة جدًا إذا أخذنا في الاعتبار الطرق متعددة الأوجه والتخصصات التي يمكننا من خلالها طرح هذه الأسئلة. توفر النزعة الإنسانية إرثًا ثقافيًا مهمًا، بلا شك، ولكنها لا ترتقي لنوعية المفردات التي يمكن أن تصف الطرق المعقدة التي يتشابك بها البشر وتشكلهم من قبل العالم غير البشري الذي يعيشون فيه، والتي تجمع ما تعتبرها التقاليد الفلسفية الإنسانية مجالات منفصلة وجوديًا مثل “الإنسان” و “الحيوان” أو “البيولوجية” و “الميكانيكية”.
كان الفكر الدارويني خطوة كبيرة في هذا الاتجاه. وكذلك كانت مادية ماركس التاريخية أو فرويد عن “الحضارة وسخطها”. بالنسبة لي، كان أحد الإنجازات الكبرى هو ظهور نوع الفكر متعدد التخصصات في منتصف القرن العشرين المعروف باسم نظرية الأنظمة، حيث تسمح لك العمليات الأساسية مثل حلقة التغذية الراجعة بوصف كيفية عمل التحكم في السرعة في السيارة، ولكن أيضًا كيف يحدث التبريد في أجسام الحيوانات ذوات الدم الحار – دون استدعاء (أو حتى الاهتمام حقًا) بالتصنيفات الإنسانية القديمة التي كانت ستفصل بين هذه الأسئلة.
وذلك أعطانا لغة تمكننا من أن نصف بشكل أكثر تعقيدًا أن البشر – ليس فقط عقولهم ولكن أجسادهم وميكروباتهم وأنماط اتصالهم وما إلى ذلك – متشابكون في العالم غير البشري ويتفاعلون معه.
يُعد عمل جريجوري باتسون في التواصل بين الإنسان والحيوان مثالًا رائعًا. كتب ذات مرة أنه عندما يقول رجل لامرأة “أنا أحبك”، فأنها ستولي مزيدًا من الاهتمام بلغة جسده، واتساع حدقة عينيه، ونبرة صوته، سواء كانت راحتيه رطبة أو جافة، أكثر من اهتمامها بالمحتوى الدلالي لكلماته. وذلك لأن الاتصال هو ظاهرة متعددة الأبعاد تتطلب الانتباه إلى كل من عناصرها “البشرية” و “غير البشرية” أو الموروثة والمتطورة. قال بيتسون إن هذا هو سبب عدم ثقتنا بالممثلين، وأخبر طلابي أن هذا هو ما يجعل البريد الإلكتروني شكلًا مثيرًا للتواصل، ففيه تختفي جميع أبعاد الاتصال الملموسة وغير الملموسة، وبالتالي يصبح الاتصال أكثر هشاشة. ولمحاولة استعادة جزء منها، نبدأ في إدخال الرموز التعبيرية وما إلى ذلك. في كل هذا، فإن “الإنسان” ليس سوى جزء من القصة، وهي قصة متداخلة في مجموعة سياقات وقوى أكبر، وغير بشرية من نواحٍ عدة.
ن، ل: يؤكد عملك على أن الإنسانية – التمييز الهرمي بين الحيوانات البشرية وغير البشرية على أساس مفهوم معين عن “المعرفة” أو “الذكاء” – هي بطبيعتها قمعية وعنيفة. قد يوافق الكثيرون، لكنهم يرون حلاً داخل النزعة الإنسانية نفسها. على سبيل المثال في الحديث عن حقوق الإنسان وإدراج حقوق الحيوان وحماية البيئة. قد يكون الكثير من الناس مشككين في القمع المتأصل في النزعة الإنسانية، بالنظر إلى الانتصارات التاريخية التي تحققت من خلال المناشدات لخطاب حقوق الإنسان وفي مناشدات “الإنسانية”. في الحقيقة، وفي هذه اللحظة السياسية، ردًا على صعود دونالد ترامب وما صاحب ذلك من تصاعد في القومية العنصرية في الولايات المتحدة وأوروبا، يبدو أن هناك إلحاحًا متجددًا للدفاع عن حقوق الإنسان والحريات التي تم الحصول عليها بشق الأنفس. كيف ترد على ذلك؟
ك، و: أتفق تمامًا على أنه يجب الدفاع عن هذه المشاريع بقوة الآن أكثر من أي وقت مضى. لكن بالنسبة لي، هذه ليست مشاريع متعارضة، بسبب التضاريس والسياقات المختلفة التي يتم فيها تحقيق هذه المشاريع. من ناحية أخرى، يعتبر خطاب الحقوق أول دليل مادي لمشكلات النزعة الإنسانية الفلسفية. يتفق الكثير منا، بمن فيهم أنا، على أن العديد من التطلعات الأخلاقية للإنسانية تستحق الإعجاب تمامًا ويجب علينا الاستمرار في متابعتها. على سبيل المثال، ربما يوافق معظمنا على أن معاملة الحيوانات بقسوة وتبرير تلك المعاملة على أساس التصنيف على أنها “حيوان” وليس إنسانًا، هو أمر سيء وغير مقبول.
لكن المشكلة في الكيفية التي يعالج بها خطاب الحقوق هذه المشكلة. ففي فلسفة حقوق الحيوان، على سبيل المثال – ينتهي الأمر بالحيوانات إلى الحصول على نوع من الموقف الأخلاقي بقدر ما هي نسخ متضائلة منا: أي بقدر ما تمتلك من خصائص مختلفة مثل القدرة على تجربة المعاناة – وليس فقط المعاناة الجسدية القاسية ولكن الإكراه العاطفي أيضًا – و التي نمتلكها نحن البشر بشكل كامل. وهكذا ينتهي بنا المطاف بإعادة ترسيخ شكل معياري من الذات الأخلاقية باعتبارها بشرها وهو ما أردنا تجاوزه في المقام الأول.
لذا من ناحية أخرى، ما يريد المرء فعله هو إيجاد طريقة لتقييم الحياة غير البشرية ليس لأنها نوع من البشر متضائل أو من الدرجة الثانية، ولكن لأن تنوع ووفرة الحياة يجب أن يتم تقييمهما على ما هي عليه في اختلافها وتفردها. لا يستحق الفيل أو الدلفين أو الشمبانزي الاحترام لأنه يجسد شكلاً معياريًا من “الإنسان” زائدًا أو ناقصًا مجموعة من الخصائص الأخلاقية. إنهم جديرون بالاحترام للأسباب التي تدعونا إلى ابتكار مفردات أخلاقية أخرى، وهي مفردات تبدأ بالاعتراف بأنه مهما كان ما نقدّره أخلاقيًا في مختلف أشكال الحياة، فإنه لا علاقة له بالتعيين البيولوجي لـ “بشري “أو” حيوان “.
بعد قولي هذا كله، هناك العديد والعديد من السياقات التي يكون فيها خطاب الحقوق عملة من العالم عندما تشارك في هذه الحجج – وهذا ليس مفاجئًا، نظرًا لأن جميع مؤسساتنا السياسية والقانونية تقريبًا موروثة من الفترة التاريخية (من الناحية البيئية) التي ازدهرت فيها الإنسانية ووطدت مجالها. إذا كنت تتحدث إلى المجلس التشريعي للولاية حول تعزيز القوانين لقضايا إساءة معاملة الحيوانات، دعنا نقول، بدلاً من مخاطبة غرفة مليئة بالأشخاص في مؤتمر حول التفكيك والفلسفة التي تتمحور حول الافتراضات الإشكالية المختلفة المضمنة في خطاب الحقوق، فمن الأفضل أن تكون قادرًا على استخدام مفردات وأدوات خطابية مختلفة للوفاء بالتزاماتك الأخلاقية. إن هذا صحيح حتى وإن كانت هذه الالتزامات وكيفية التفكير فيها قد تكون بحاجة الى فهم عميق ومستنير وأكثر دقة للمشكلة مما قد يكون متاحًا لهؤلاء المشرعين. بعبارة أخرى، إنها مسألة فلسفية جزئيًا فقط. فهي أيضًا مسألة إستراتيجية، مسألة موقع وسياق وجمهور، ولا ينبغي أن يفاجأ أحد بأننا نستطيع التحرك بسرعة أكبر في مجال الخطاب الفلسفي الأكاديمي حول هذه الأسئلة مقارنة بما يمكننا فعله في مجال المؤسسات القانونية والسياسية.
ن، ل: يركز الكثير من الاستثمار الثقافي المعاصر على أهمية إدراك “الذات” و “إيجاد” أنفسنا وما إلى ذلك ، على الرغم من حقيقة أن هذه الذات لم تعد بالضرورة شيئًا متجسدًا بالكامل بعد الآن، مع الأخذ في الاعتبار انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من التقنيات التي أثرت مؤخرًا على تجربتنا العملية للهوية. كيف يرتبط هذا بنقدك للإنسانية؟
ك، و: أعتقد أن أبسط الإجابات على السؤال عن سبب صعوبة التزحزح عن فكرة التنوير عن الذات هو أن كل شيء في ثقافتنا يشجعنا على الاستثمار فيه، لأسباب اقتصادية وقانونية ليست صعبة التحقيق. نحن متحفزون بشكل كبير على تطوير “علامتنا التجارية” أي صورتنا الاجتماعية، سواء من خلال جمع المزيد والمزيد من الأصدقاء على (Facebook) أو من خلال تحسين نوع “الملف الشخصي” المتوازن بين العمل الأكاديمي والرياضي وغير الربحي الذي تريد لجان القبول بالجامعات أن تراه. لذا فإن مصطلح “الاستثمار” يجب أن يؤخذ حرفيًا تمامًا في هذه اللحظة من الرأسمالية النيوليبرالية المتأخرة.
مع ذلك، فإن وسائل التواصل الاجتماعي تقوم فقط بتسليط الضوء على الشيء الذي كان دائمًا صحيحًا عن “الذات” – فهو في الواقع، كيان اصطناعي، “تجمع” موزع ومشتت يتكون من العديد من العناصر، المادية والبيولوجية، وبعضها ليس كذلك، فتكوين الذات عن طريق اللغة وكيفية برمجة استقبال الدماغ هو المثال الأكثر وضوحًا. يرينا ذلك أن “حقيقة” الذات لا توجد في أي مكان بشكل متكامل.
كما ذكر جريجوري باتسون، فإن الكيان المادي للطاقة الحيوية المسمى “سقراط” لم يعد موجودًا منذ زمن طويل. لكن “سقراط” فُهم بطريقة أكثر تعقيدًا، كشبكة من النصوص والموروثات الثقافية والمؤسسات التي يعتمدون عليها، فذلك المفهوم لا يزال على قيد الحياة ويمارس تأثيرًا قويًا على العالم كل يوم حتى يومنا هذا.
ن، ل: كيف يمكن لـ”ما بعد الإنسانية” بأن تتدخل وتفكك التسلسل في هياكل العنف بين البشر أنفسهم؟ يعكس ويشجع انتخاب ترامب دعاوى تفوق العرق الأبيض والتحيز ضد النساء إلى درجة مخيفة. هل يمكن أن يخاطر تدخل ما بعد الإنسانية بتحويل التركيز بعيدًا عن النضال المباشر والمطلوب بشدة ضد هذه الأشياء، أم يمكن أن يساعد؟
ك، و: أوه، أعتقد أنه يمكن أن يساعد بشكل كبير من خلال رسم القاعدة الأوسع التي تشترك فيها هذه النضالات بشكل أكثر وضوحًا فيما أسميته التعددية الأخلاقية لما بعد الإنسانية. موقفي دائمًا هو أن كل هذه التسلسلات الهرمية العنصرية والجنسية كانت دائمًا متأصلة ضمنيًا في التسلسل الهرمي الأعمق – وغير المرئي في كثير من الأحيان – وهو الانقسام الوجودي بين حياة الإنسان والحيوان، والذي بدوره يؤسس لتسلسل هرمي أخلاقي ضار. طالما أنك تعتبره أمرًا مفروغًا منه، فلا بأس بارتكاب أعمال عنف ضد الحيوانات ببساطة بسبب تصنيفها البيولوجي، فسيكون نفس المنطق متاحًا لك لارتكاب أعمال عنف ضد أي كائن آخر من أي نوع، سواء كان بشريًا أم لا، يمكنك وصفه بأنه “أقل” أو “أكثر بدائية” في أنماط الحياة. وهذا واضح في تاريخ العبودية والإمبريالية والعنف ضد الشعوب الأصلية. وهو بالضبط ما تفعله العنصرية العرقية والتحيز الجنسي: استخدم التصنيف العرقي أو الجنسي لتأييد العنف الذي لا يعتبر عنفًا لأنه يُمارس على الأشخاص الذين يُفترض أنهم أقل، والذين بهذا المعنى “يستحقون ذلك بطريقة ما”.
هذا هو السبب في أن خطاب الحيوان أو “الحيونة” قوي للغاية، لأنه يستخدم تصنيفًا بيولوجيًا أو عرقيًا لتأسيس انقسام أخلاقي بين من هو “قابل للذبح ولكن غير قابل للقتل”، وأولئك الذين هم بشر “بشكل صحيح” وأولئك المصنفون بغير ذلك. لذا فإن الخطوة الأولى الضرورية لما بعد الإنسانية هي الإصرار على أنه عندما نتحدث عن من يمكن ومن لا يمكن معاملته بطريقة معينة فإن أول شيء يتعين علينا فعله هو التخلص من التمييز بين “الإنسان” و “الحيوان”، فنحن في الواقع نتخلص من الرغبة في الاعتقاد بأنه يمكننا فهرسة معاملتنا لكائنات مختلفة، بشرية أو غير بشرية، إلى بعض التعيينات البيولوجية والتصنيفية. هل هذا يعني أن جميع أشكال الحياة “متشابهة” بطريقة ما؟ لا، هذا يعني العكس تمامًا، فمسألة “الإنسان” مقابل “الحيوان” هي أداة فلسفية عاجزة بشكل مأساوي عن فهم التنوع المذهل لأشكال الحياة المختلفة على هذا الكوكب، وعن كيفية اختبار هذه الكائنات للعالم وكيف ينبغي التعامل معها.
المحاوِرة: تكتب في انتظام لمواقع The Intercept و The Nation و Al Jazeera America. وهي محررة كبيرة في موقع The New Inquiry.
المترجمة: حاصلة على درجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي واللغويات في جامعة الملك سعود. تصب اهتماماتها في مجال الأدب والنقد والكتابة والترجمة.
المراجع: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
?Is Humanism Really Humane
Natasha Lennard and Cary Wolfe
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
