2026-05-21

١٥ يناير ٢٠١٢
هل يمكن أن يفسر الاستعمال الشحيح للموارد العصبية طريقة فهم الدماغ للعالم؟ تشير بعض الدراسات الحديثة في علوم الأعصاب الحاسوبية والمعرفية إلى أن الاستخدام المقتصد لقدراتنا العصبية الأصلية (أو تقييد “عرض النطاق العصبي” إذا صح التعبير) يفسر كيف تفهم أدمغتنا المدخلات الحسية الصاخبة الغامضة فهمًا دقيقًا، وتبين الدراسات نفسها أن الإدراك والفهم والخيال عمليات مرتبطة ببعضها ارتباطًا وثيقًا مع أننا نعتبرها أجزاء مختلفة من آلاتنا العقلية، فهي تنتج معًا وفي الوقت نفسه من استراتيجية أساسية تعرف باسم “الترميز التنبؤي predictive coding”. ويُستفاد منها في تقليل “عرض النطاق” المشغول وذلك بالاستعانة بعدد من الابتكارات التقنية التي تعيننا على تخزين ونقل الصور والأصوات ومقاطع الفيديو في مساحات صغيرة باستعمال تنسيقات مثل JPEG وMP3.
أما في الصور (ولاستحضار صورة معينة في ذهنك فكر مثلًا في صورة بالأسود والأبيض للورنس أوليفيه في دور هاملت) تعمل استراتيجية الترميز التنبؤي بافتراض إمكانية التنبؤ بقيمة كل بكسل بالاستفادة من قيم البكسلات المجاورة له، وإذا نجح هذا – وهو ما يكثر حدوثه لأن التدرجات الرمادية متساوية في أجزاء كبيرة من معظم الصور- تنعدم الحاجة لنقل قيمة هذا البكسل، فلا نحتاج إلا لنقل البيانات المغايرة للقيم المتوقعة، وأبسط التنبؤات الممكنة هو اشتراك البسكلات المجاورة جميعها في نفس القيمة (نقس قيمة التدرج الرمادي مثلًا) ولكن التنبؤات المعقدة ممكنة أيضًا، وطالما وُجد نظام قابل للكشف أمكن التنبؤ وبالتالي أمكن تنفيذ هذا النوع من ضغط البيانات.
يتيح الضغط باستعمال التنبؤ المدروس (الذي اكتشفته مختبرات بيل للهواتف في الخمسينيات) تقليل عرض النطاق المستعمل فيسمح بقدر يسير من الترميز وذلك “بإعادة بناء” العناصر التي نجح التنبؤ بها في نسخة غنية مبهرة من الصور والأصوات الأصلية، ويمكن تطبيق هذه الخدعة الأساسية في الحياة اليومية فلنفترض أنك وضعت خطة مع صديقك دوك وقلت له إنك إذا لم تتصل به فهذا يعني أن كل شيء سيجري “كما هو متوقع” فعليه أن يلتقيك في موعد طيارتك القادمة إلى مطار ميامي الأربعاء المقبل في الساعة التاسعة صباحًا حسب التوقيت المحلي، فإن “عدم اتصالك” في هذه الحالة إشارة صغيرة قيمتها بت واحد تحمل كمية كبيرة من المعلومات المضغوطة ضغطًا شديدًا، ويكمن السر في مقايضة المعلومات المسبقة (التوقعات والتنبؤات المدروسة) التي يملكها المتلقي مقابل تكلفة الترميز ونقل البيانات لذلك اليوم.
ولعل نسخة من هذه العملية تعيننا على إدراك العالم وفهمه بأن تتيح لنا استعمال ما نعرفه للتنبؤ بأكبر قدر ممكن من البيانات الحسية الحالية، فإذا صفرت الريح أو اهتز أحد الأبواب فظننت أنك سمعت صوت قطك أو كلبك فلعلك في هذه اللحظة تستعمل مهارتك التنبؤية المدربة لتملأ الفجوات وتقلل استعمال “عرض النطاق” مما يعينك “عادة” على فهم عالمك فهمًا أفضل.
ولكن في النسخة العصبية من ابتكار الترميز التنبؤي هذه بعدًا إضافيًا مهمًا: تكديس مراحل المعالجة في تسلسل هرمي، فتحدث استراتيجية التنبؤ ضمن عدة طبقات في الدماغ البيولوجي، تستعمل كل طبقة مصادرها ومعلوماتها المتخصصة في محاولة للتنبؤ بحالات الطبقات الأدنى منها.
ليس من السهل تخيل هذه العملية ولكن المكافأة تستحق الجهد، وربما وجدنا صورة مألوفة ومفيدة في طريقة تمرير المشاكل للأعلى عبر سلسلة السلطة في الإدارات الهرمية التقليدية، فيستخلص كل فرد في السلسلة المعلومات المهمة (التي عادة ما تكون مفاجئة أو غير متوقعة) ممن هو أدنى منه في السلسلة، مراعيًا بذلك حاجات وتوقعات من هو أعلى منه مباشرة.
ولكن ما ينقل للأعلى في هذه السلاسل متعددة المستويات هو الأخبار، أما ما يتدفق للأمام في أسلوب “عرض النطاق” المقيد هي الانحرافات (الجيدة والسيئة) عن الأحداث المتوقعة عند كل مستوى. وهذه الطريقة فعالة، فلا يستعمل “عرض النطاق” لإرسال أشياء متوقعة فلمَ نتعب أنفسنا بإرسال أمور كنا نتوقعها؟ فمن في شركة من الشركات يريد أن يعلم أن عمل جيل أو جاك سرى كما كان متوقعًا بالضبط؟ ولكن عرض النطاق الثمين لا يستعمل إلا للتنبيه إلى ما يحتاج إلى الانتباه: النتائج التي فاقت التوقعات أو لم ترقَ إلى مستواها، وبنفس الطريقة سيعمل النظام العصبي لو صحت فرضية الترميز التنبؤي، فلا يميز ويمرر للأمام في تيار المعالجة في الدماغ إلا الانحرافات عن الحالات المتوقعة، ثم يمكن استعمالها للمطالبة بمزيد من المعلومات حول تلك النقاط خاصة أو لتوجيه عمل إصلاحي.
ولو صح كل هذا فستكون له أهمية تفوق الأهمية الهندسية، لأنه يشير إلى أن بإمكاننا النظر للإدراك على أنه “هلوسة منظمة” كما يصفه البعض (راميش جاين) ونحن نحاول أثناءها (بالأحرى تحاول أجزاء مختلفة من أدمغتنا) التنبؤ بما هو موجود، وما الإشارات الواردة إلا وسيلة لضبط وتعديل التنبؤات وليست ترميزات غنية (تستهلك عرض النطاق) لحقيقة العالم، وهذا بدوره يوضح مدى اعتماد توقعاتنا (سواء كانت واعية أم لا) على ما نراه ونسمعه ونحسه.
يتضح الأثر الأساسي هنا بدقة عبر مثال بسيط مذهل استعمله عالم الأعصاب ريتشارد جريجوري في السبعينات لتوضيح هذه النقطة ويعرف باسم “وهم الوجه الأجوف The Hollow Face Illusion”، وهي خدعة بصرية مشهورة يظهر فيها قناعٌ عادي إذا نُظر إليه من الخلف وكأنه بارز، فيبدو مثل وجه حقيقي أنفه بارز بدل أن يحوي تجويفًا مكان الأنف، ويمكن لأي قناع أجوف أن يظهر هذا التأثير القوي، وهناك الكثير من الأمثلة المنتشرة عبر الانترنت.
يوضح وهم الوجه الأجوف قوة ما يدعوه علماء النفس المعرفي “التأثير من أعلى لأسفل top-down ” على الإدراك والمدفوع بالمعرفة، إن تجاربنا الثابتة إحصائيًا مع أعداد هائلة من الوجوه ذات الملامح البارزة تزرع في عقولنا توقعًا عميقًا للبروز، ويتفوق هذا التوقع في هذه الحالة على كل الإشارات البصرية الأخرى التي تدلنا على أن القناع الذي ننظر إليه أجوف.
لعلك تظن أن وهم الوجه الأجوف ليس إلا حالة سيكولوجية شاذة، ولا شك ان توقعاتنا المتعلقة ببروز ملامح الوجه تبدو شديدة القوة، ولكن لو صحت أساليب الترميز التنبؤي التي تحدثت عنها سابقًا فإن هذه الاستراتيجية تطغى على الإدراك البشري. فلعل أدمغتنا تحاول باستمرار الاستفادة من معارفها السابقة للتنبؤ بالإشارة الحسية الحالية، واستعمال الإشارة الواردة لتقييد تلك التنبؤات وأحيانًا استعمال التنبؤات “للتغلب” على جوانب معينة من الإشارة الحسية الواردة (وهو تغلب معقول من الناحية التطورية، فالقدرة على استعمال المعارف السابقة للتغلب على بعض أجزاء الإشارة الواردة مفيد للغاية عندما تكون البيانات الحسية مشوشة أو غامضة أو ناقصة وهذا يتكرر كثيرًا في الحياة اليومية)
إن تصور الدماغ (أو بصورة أدق القشرة الحسية والحركية) على أنه محرك تنبؤ تصورٌ بسيط ولطيف يرى في مختلف مجالات علم الأعصاب المعاصر، وإليك بعض البحوث المفيدة في هذا المجال: Kveraga et al (2007) و Bubic et al (2010) و Friston (2010). كما ثبت أيضًا أن هذا التصور سليم حسابيًا وقابل للتطبيق عمليًا على الأقل في المجالات المقيدة. لنفترض أن هذا التصور صحيح وأن الإدراك عملية تقارن فيها البيانات الحسية الواردة مع تنبؤات متسلسلة “من الأعلى للأسفل” استنادًا إلى توقعات لاواعية للصورة التي يفترض أن تكون عليها هذه البيانات الحسية، فسيكون لهذا الافتراض آثار مهمة على فهمنا لعقولنا.
أولًا: بالنظر إلى التوقعات اللاواعية، فإنها مستوحاة في الغالب من الشكل التقريبي للعالم المبني على تجاربنا الماضية، فنحن نرى العالم بتطبيق توقعاتنا الناتجة عن العدسة الإحصائية لتجاربنا الماضية وليس بتطبيق العدسة الأدق لتطلعاتنا السياسية والاجتماعية، فلو كان العالم الذي شكل هذه التوقعات عالمًا متحيزًا جنسيًا أو عنصريًا فستكون الإدراكات المستقبلية مشابهة له، وهي وصفة مثالية للأدلة الفاسدة والنبوءات السلبية ذاتية التحقق، وهذا يعني أن علينا الحذر من شكل العالم الذي نعرض أنفسنا وأطفالنا له.
ثانيًا: باعتبار أن الإدراك (هذا النوع منه على الأقل) يبدو مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بشيء لا يشبه الخيال، فبقدر ما يمكن لنا التنبؤ فعلًا بمدخلاتنا الحسية من “الأعلى إلى الأسفل” فإننا في وضع يتيح لنا الانخراط في نشاطات مألوفة (ولو أنها محيرة) كالحلم والتخيل الحر، وتحدث هذه النشاطات أذا توقفت المدخلات الحسية المقيِّدة، فإذا أطفأنا أجهزة الاستشعار يتحرر النظام ويعمل فقط من أعلى إلى أسفل. وليس علينا ان نفترض أن كل المخلوقات التي تستعمل هذه الاستراتيجية قادرة على ممارسة النشاط التخيلي المتعمد الواعي الذي يستطيعه الإنسان، فالتخيل المتعمد الواعي يحتاج لمهارات أخرى مثل استعمال اللغة للتعبير عن النفس، ولكن أينما وجدنا الإدراك الحسي متبعًا لهذا النهج فإننا نتوقع وجود حياة عقلية داخلية غنية مليئة بالأحلام والصور العقلية.
أخيرًا: سيظهر لنا ارتباط كبير بين الإدراك والفهم، ففهم العالم بهذه الطريقة يعني الاستفادة من المعارف المتعلقة بالكيفية التي يجب أن تكون عليها الإشارة الحسية في الوقت الراهن وكيف ستتغير وتتطور بمرور الوقت، لا أنه فقط من خلال هذه المعرفة طويلة المدى واسعة النطاق يمكننا مطابقة الإشارات الواردة لحظة بلحظة مع التوقعات الملائمة (التنبؤات)، فهذه المعرفة (معرفة الطريقة التي ستتغير بها الإشارة الحسية الحالية وتتطور مع الوقت) تعني فهم الكثير عن العالم وأنواع الموجودات والأحداث التي تملؤه، فإذا رأت المخلوقات التي تستعمل هذه الاستراتيجية عشبًا يهتز اهتزازًا معينة فإنها تتوقع ظهور فريسة لذيذة، وتتوقع الشعور بانقباض عضلاتها استعدادًا للانقضاض، أما الحيوانات أو الآلات التي تفتقر لهذا الفهم العميق لعالمها فإنها مشغولة في محاولة فهم ذلك العالم.
وأرى الوحدة هنا مشوقة، فلعل الإنسان وغيره من المخلوقات يستعملون استراتيجية أساسية مقتصدة قائمة على التنبؤ تقتصد في استعمال الموارد العصبية وبالتالي توصل الإدراك والفهم والخيال دفعة واحدة؟
إنها صفقة لا مثيل لها.
المراجع:
Bubic A, von Cramon DY and Schubotz RI (2010) Prediction, cognition and the brain. Front. Hum. Neurosci. 4:25: 1-15
Friston K. (2010) The free-energy principle: a unified brain theory? Nature Reviews: Neuroscience 11(2):127-38.
Helmholtz, H. (1860/1962). Handbuch der physiologischen optik (Southall, J. P. C. (Ed.), English trans.),Vol. 3. New York: Dover.
Kveraga, K., Ghuman, A.S., and Bar. M. (2007) Top-down predictions in the cognitive brain. Brain and Cognition, 65, 145-168
الكاتب: أستاذ في المنطق والميتافيزيقا في كلية الفلسفة وعلم النفس وعلوم اللغة بجامعة إدنبرة في اسكتلندا. وهو مؤلف كتاب «توسيع العقل: التجسّد، والفعل، وامتداد الإدراك» (منشورات جامعة أكسفورد، 2008).
المُترجمة: حاصلة على ماجستير في دراسات الترجمة من جامعة أدنبرة، متخصصة في ترجمة النصوص الفلسفية، وعضوة في جمعية الفلسفة.
المُراجعة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
?Do Thrifty Brains Make Better Minds
Andy Clark
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
