2026-02-15

٣ ديسمبر ٢٠١٨
إذا حاولت أن أتحكّم في محادثةٍ استناداً إلى هويتي الجندرية، فقد أبدو متنمرة أبحث عن طريقةٍ لإذلالك. ولكن قد يكونّ لدي دوافع مبررة.
فلنفترض أن رجلًا يجري معي محادثة حول الأحداث الأخيرة، ولنفترض أنني أستهّل إحدى عباراتي بقول: “بصفتي امرأة…”. كان يعلم منذ بداية الحديث أنه يتحدث إلى امرأة، لكنني الآن، وفجأة، أخاطبه بوصفي امرأة. ما الفرق الذي يُحدثه ذلك؟
قد يبدو له أنني أحاول انتزاع امتياز خطابي غير عادل: فبدلًا من أن أطلب منه قبول حججي بناءً على وجاهتها وصحتها، أطلب منه قبولها بناءً على كوني امرأة. وقد يصل ردّ فعله في أقصى حالاته إلى أن يشعر بأنني أتنمر عليه، واتخذه كبش فداء، لأستوفي ثأراً قائماً على تظلّم أحمله تجاه رجل بعينه، أو تجاه جماعة من الرجال، أو تجاه الرجال عموماً.
من المحتمل ألا يتفاعل بنفس الطريقة لو كان يناقش موضوعًا يتعلق بالفيزياء، وقالت محاورته: “بصفتي عالمة فيزياء…”. ففي هذه الحالة تكون لديها خبرة من المرجح أن يعترف بأنها ذات صلة بالحوار. وحتى لو كان يعلم أنها عالمة فيزياء قبل بدء المحادثة، قد يعدّ من المعقول أن تفتتح بعض أقوالها بتذكير بأنها تتحدث من موقع معرفة خاصة.
كون المرء فيزيائيًا يمنحه مكانة معينة في الحوارات التي تتعلق بمواضيع فيزيائية. فلماذا إذًا لا ينبغي لكوني امرأة أن يمنحني مكانة معينة في الحوارات التي تتعلق بمسائل الجندر\النوع الاجتماعي؟
لنميز بين طريقتين يمكن لخبرة عالمة الفيزياء أن تؤثر بهما في مناقشة مسألة ما. أولًا، قد تمكنها هذه الخبرة من إدخال حقائق إلى الحوار تكون ذات صلة بالمسألة. ولنسمِّ هذا “المكانة المعلوماتية”. ثانيًا، قد تضعها في موضع مميز لإدارة الحوار: لتحديد من يتكلم ومتى، وكيف يتابع السؤال، ومتى يعتبر السؤال مجابًا وما إلى ذلك. دعونا نسمي هذا “المكانة الإدارية”.
فكرة كوني امرأة يمنحني مكانة معلوماتية لا تثير إشكالاً كبيراً في العادة. على سبيل المثال، لعلنا نتحدث عن شرب الكحول في سياقات الاختلاط الاجتماعي، فأخبر محاوري—بوصفي امرأة—أن الامتناع عن الشرب كثيراً ما يجعل الناس يفترضون أنكِ حامل. وقد يكون ذلك جديداً عليه. إن المكانة المعلوماتية صورة من الخبرة. ويمكن تبين ذلك بتطبيق ما يمكن أن نسميه “اختبار استبدال الخبير”: هل يمكنني أن أدعي مثل هذه المكانة على عالم رجل درس دراسة موسعة المجال المتعلّقة بخبرة النساء (بما في ذلك شهادات من منظور الشخص الأول؟) الجواب: لا. وهذا يبين أن المعطى الديموغرافي—هنا كوني امرأة— ليس عنصراً جوهرياً في نوع المكانة التي أطالب بها. وعندما نحتّد بسبب كون شخص ما يتكلم بوصفه “س\ص”، فليس غالباً ادعاء المكانة المعلوماتية هو ما يزعجنا.
من المهم أن نذكّر أنفسنا بأن المحادثات تتضمن تبادل معلومات، لكنها لا تُختزل فيها. فبعض ما نحصل عليه عبر الحديث إلى الناس يمكننا الحصول عليه بطرق أخرى—وهذا صحيح في الحالات التي نعدّ فيها مجرد قول شخص ما شيئاً ما دليلاً على صدق ما يقوله. عندئذٍ نعامل المتكلم كما لو كان ترموستاتاً للواقع: أداة تقيس الحقيقة. ويمكن—من حيث المبدأ—استبدالها بالعثور على قصاصات ورق (موثوقة) ملقاةٍ على الأرض، أو بالتنصت عليه وهو يتحدث إلى شخص آخر، أو حتى بتتبعه عبر محقق خاص.
لو كانت المحادثات مجرد تمارين لاستخراج المعلومات، لكنا غير مبالين سواء كان من نتحدث معه يقول الحقيقة أم يكذب، ما دمنا نعرف أي “مصفاة” نطبّق. (ففي كلتا الحالتين يمكننا استخراج معطيات من الكلام). قد يكتفي الجواسيس باستخراج المعلومات، لكن في المحادثات العادية من المهم بالنسبة لنا أن يبذل من نتحدث معه مجهودًا صادقًا لقول الحقيقة. هذا لأننا حين نتحاور نهدف إلى التفكير مع محاورنا، ولا تُدخل أحدًا إلى عقلك إلا بقدر ما تكون مستعداً لأن تكشفه أولاً، ولأنك تتوقع منه أن يفعل الأمر نفسه. مفهوما الاحترام والمساواة لهما العديد من التطبيقات في الحياة المدنية، خاصة في الديمقراطية، ولكن أحد أكثرها أساسية هو تطبيق حواري: الاعتراف المتبادل بأن لنا مكانة متساوية للإسهام في مناقشة مسألة ما.
إن المساواة الحوارية لا تنسجم مع المكانة الإدارية. فإذا كان من واجبي أن أقرر كيف يمضي الحوار، فإن علاقتنا الحوارية تصبح تراتبية. إذ أكون في موقع أعلى منك بوصفي معلماً أو قائداً أو مرشداً. وعندما تفترض عالمة الفيزياء لنفسها مكانة إدارية في النقاش، فهي تقول إنها لا تستطيع أن تتحاور معك بإخلاص بوصفها نداً لك. ويمكنها أن تدخل في محادثة شكلية تتظاهر فيها بالموافقة معك بينما تتأفف في داخلها، أو أن تقدّم لك شيئاً من التعليم. ونظرًا إلى الحالة المؤسفة لمعرفتك بالفيزياء، فهذان هما خياراها لا غير.
وهذا يقودنا أخيراً إلى ذلك النوع من الحديث “بوصفي امرأة” الذي يثير الدفاعية والعداء. فعندما أتخذ مكانة إدارية استناداً إلى حقيقة ديموغرافية، فإنني أقول إنه—نظرًا للاختلاف بيننا من حيث الجندر\النوع الاجتماعي أو العرق أو التوجه الجنسي أو الوضع الاجتماعي-الاقتصادي—لا يمكننا أ نتحاور بوصفنا مستاويين. بل إنني أضيف أن شرط إمكان الحوار بيننا هو أن تسمح لي بأن أكون، على نحو ما، المتحكمة في مجرى الحديث. عليك أن تسلمني زمام الأمور.
قد تكون هذه المطالبة من جانبي أحيانًا غير مشروعة—قد أكون فعلاً متنمرة أبحث عن وسيلة للسلطة أو لإهانتك أو للاستعراض أمام الآخرين. ولكن هل هي دائمًا غير مشروعة؟ حين أتحدث—بوصفي “س\ص”—مديرة للحوار، فإنني أقول إن نوعًا مثالياً من المحادثة—أي محادثة الندّ للندّ—مستحيل بيننا. فهل يمكن أن يكون ذلك صحيحًا ببساطة؟ هل يمكن أن يكون خيارنا الوحيد، كما في مثال عالمة الفيزياء، هو إما أن أتولّى زمام الحديث وإما أن ننخرط في محاورة زائفة؟
إذا كان الجواب “نعم”، فلن يكون ذلك لأن الانتماء الديموغرافي يُشكّل شكلاً من أشكال الخبرة. ويمكننا استخدام ما نسميه اختبار استبدال الخبير: فإذا كنت تُجري حديثاً عن الاغتصاب مع شخص يقول: “بوصفي ضحية اغتصاب”، فإن ادّعاءها للمكانة الإدارية—على خلاف أي ادّعاء معلوماتي قد تطرحه—لن يتقوّض بأي شكل من الأشكال بوجود باحث مختص في الاغتصاب. فبعكس المكانة المعلوماتية، يمكن للمكانة الإدارية أن تكون ديموغرافية تماماً من جذورها إلى نهايتها.
إذاً على أي أساس يمكن لأحد ما ادعاء مثل هذه المكانة؟ لعل الحالة الأكثر شيوعاً هي تلك التي تكون فيها أنماط الظلم المنهجي والمتجذّر قد صلّبت علاقات الجماعات حتى غدت علاقات تقوم على احترام غير متكافئ. ولا يلزم من ذلك، بالطبع، أن يُحرم الأفراد داخل تلك الجماعات من إظهار احترام متساوٍ بينهم. غير أنه يبدو معقولاً أيضًا أن الغرباء قد يُجسّدون، في بعض الأحيان، هذه العلاقات المتصلّبة—حتى من دون وعي منهم. وفي مثل هذه الحالة، قد يكون التحدّث بوصف المرء عضواً في الجماعة التي يُنتقص احترامها وسيلة لإبراز هذه الحقيقة ومحاولة إصلاحها في آنٍ معاً. فالمتحدثة تقول: في ظل حضور اللامساواة البنيوية، لا يكون الحوار غير المتكافئ إلا الطريق الصادق والأمين للمضي قدماً. أما غير ذلك فسيقتضي منها أن تومئ بالموافقة، وهي في داخلها تتأفف.
هذه القضايا المتصلة بالظلم البنيوي قد تكون معقدة للغاية. لنأخذ مثلاً الجدل الذي اندلع في صيف عام ٢٠١٨ حول أعمال كاثلين ستوك، أستاذة الفلسفة التي تجادل ضد إعادة تعريف فئة “المرأة” و”المثلية” بحيث تشمل النساء العابرات جنسياً. لماذا تكتسب المصطلحات هنا كل هذه الأهمية؟ من بين أمور أخرى، ما هو على المحكّ هو سؤال عمّا إذا كانت النساء العابرات يمتلكن مكانة إدارية للتحدث “بوصفهن نساء”.
من المهم أيضًا التنبيه إلى أنه ليس كل ادعاء للمكانة الإدارية الديموغرافية يقوم بالضرورة على الظلم. فقد لا يستطيع شخص لديه تجربة شخصية مع كارثة طبيعية أن يتحدث عن ذلك الموضوع دون أن يتأثر عاطفياً. وإتاحة المجال له لإدارة مجرى الحديث قد تمكّنه من أن يكون عقلانياً قدر الإمكان، في ظل هذه الظروف.
يمكن للمرء تجنب المحادثات التي تُديرها عوامل ديموغرافية من خلال تقييد دائرة محاوريه. وقد تظن أن الفيلسوف يميل إلى ذلك. فالفلاسفة يضفون قيمة خاصة على نوع بعينه من الحوار: ذلك الذي تتيح فيه المساواة الصارمة بين المشاركين قيام حرب جدلية مفتوحة بلا قيود، وهي—على حد تعبيرهم— خبزنا اليومي. ونحن نعتقد أن من يدحضنا إنما يسدي إلينا معروفاً. غير أن الدحض لا ينسجم بسهولة مع المحادثة المُدارة ديموغرافياً: فإذا كنت أنت المدير، فإن دحضي لك يقوّض قبولي بمكانتك الإدارية، وإذا كنت أنا المدير، فقد يُعد دحضي لك إساءة استعمال لهذه المكانة.
لكن الفلاسفة أيضًا معلّمو فلسفة، مكلفون بإعداد الجيل القادم من الفلاسفة. فنحن لا نجري هذه المحادثات فحسب، بل نُشرك الناس فيها وننشئهم عليها، وهذا يعني أننا معنيّون أيضاً بنفاذية الحدود التي تحيط بها. نحن لا نختار طُلابنا، ولا نختار مجتمعنا، ولا نستطيع دائمًا أن نختار محادثاتنا.
لهذا السبب، أرى أن علينا جميعًا – حتى الفلاسفة –أن نكون مستعدين، أحياناً، لقبول الادعاءات الديموغرافية بالمكانة الإدارية. ولكنني أرى أيضًا أنه ينبغي أن نطمح إلى إدارة كل واحد من هذه الحوارات بقدر من التميز الفكري والاحترام والحساسية يتيح لها أن تتحوّل إلى حوارات كاملة غير مدارة، كما هو المأمول منها.
الكاتبة: أستاذة مشاركة في الفلسفة في جامعة شيكاغو ومؤلفة كتاب “Aspiration: The Agency of Becoming”.
المترجمة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
المراجع: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
?”What Does It Mean to “Speak as a Woman
Agnes Callard
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
