2026-04-12

٤ يناير ٢٠١٦
كيف نرتبط بماضينا، وماذا نستفيد من ذلك في كيفية ارتباطنا بمستقبلنا؟ إحدى أكثر مقاربات هذا السؤال استفزازًا نجدها عند فريدريك نيتشه، الذي يطرح في مذهبه عن العود الأبدي السؤال التالي: «ماذا لو تسلل شيطان ذات يوم أو ذات ليلة إليك في عزلتك وقال لك: «هذه الحياة التي تعيشها الآن وعشتها من قبل، عليك أن تعيشها مرة أخرى وعليك أن تعيشها مرات أخرى لا حصر لها؟”» أن أطرح على نفسي سؤال العود الأبدي يعني أن أتساءل عن قيمة ما فعلتُ، وهل سيصمد أمام اختبار القيام به مرات أخرى لا حصر لها.
بيد أن ثمة قلقًا مؤرقًا وراء هذا السؤال؛ فأن أكون قادرًا على طرح سؤال العود الأبدي يفترض مسبقًا أني أتيت إلى الوجود، وأن علي أن أجيب على السؤال التالي: هل كان ينبغي علي أن أقبل بالظروف التي أتت بي إلى الوجود، ليس في مرات لا حصر لها وإنما لمرة واحدة؟ كي أريكم وطأة هذا السؤال المقلق دعوني أروي لكم شيئًا يسيرًا من ماضيّ. لو لم يصل هتلر إلى السلطة في ألمانيا، لما وقعت الهولوكوست ولا الحرب العالمية الثانية. ولو لم تحدث الحرب العالمية الثانية، لما سجل والدي في مدرسة تدريب الضباط. ولو لم يسجل في هذه المدرسة لما ذهب إلى الكلية وتخصص في الاقتصاد ثم انتقل بعد ذلك إلى نيويورك بحثًا عن وظيفة، وعليه فلم يكن ليقابل والدتي. باختصار، لولا الهولوكوست لما كنت هنا.
لسنا بحاجة إلى الإمعان في النظر كي نرى كم من الناس تطلَّب وجودهم وقوع الهولوكوست. وكما قال بيتر أتيرتون مؤخرًا هنا، يمكننا جميعا أن نُرْجِع وجودنا إلى هذه أو تلك من الفظائع الجماعية (إن لم تكن الهولوكوست، فربما العبودية أو الحروب الصليبية).
كيف لنا إذن أن نرتبط بالماضي، وعلى وجه التحديد بحقيقة أن وجودنا مشروط بإحدى الفظائع التاريخية، أو ربما بجملة من الأحداث الأخرى، كالأحوال الجوية والشهوات الجنسية، وما إلى ذلك؟ ثمة إجابة، وهي إجابة متشائمة، قال بها فيلسوف آخر هو آر جاي والاس في كتابه «المنظر من هنا» (The View from Here). يقول والاس بأنك إن قبلت بوجودك وقلت له: نعم، فأنت تقبل بالماضي الذي أفضى إلى هذا الوجود وما تضمنه من أشياء غير مستساغة. لا شك أن والاس لا يزعم أننا يجب علينا أن نشعر بالرضا تجاه الماضي، لا بل قد نتمنى أن وجودنا جاء بطريقة أخرى. لكنه يقول أننا ليس بوسعنا أن نشعر بما سماه “الندم العارم” حيال الماضي. من المؤسف أن وجودنا لم يكن إلا بهذه الطريقة، ولكن ما دام الأمر كذلك، فإن قبول وجودنا يقتضي قبول الماضي الذي أوصل إليه. وليس مستغربًا أن يصف موقفه هذا بأنه ضرب من “العدمية المتواضعة”.
لكن هل يجب علينا أن نقبل الماضي الذي أفضى إلى وجودنا؟ هل يجب أن نتحلى بالعدمية المتواضعة؟ يمكننا القول إن من الأفضل أننا لم نولد وأن الهولوكوست لم تحدث. لكن من منظور كوني أوسع، على افتراض أن التاريخ الحديث لم يكن ليقدم لنا رعباً مماثلاً، قد يسعنا القول إن من الأفضل لو لم تحدث الهولوكوست وأن الكوكب مليء بأناس مختلفين عنا. عندما يختم أتيرتون عموده بالقول إننا ليس لنا الحق في الوجود، فأنا أعتبر أن هذا هو بالضبط ما يدّعيه. وهذا الرأي، على علّاته، إلا أنني أتفق معه.
لكن ليس هذا ما يزعجنا أشد الإزعاج في هذا السؤال، ولا هو بالأمر الذي يراهن عليه والاس. إن تأكيدنا لوجودنا لا يتعلق بمسألة ما نعتقد أنه الأفضل من الناحية الكونية أو غير الشخصية. بل يتعلق بإعرابنا عما نفضله وما نختاره. هل كنت سأفضل عدم حدوث الهولوكوست والعبودية والحروب الصليبية، وألا أكون بالتالي موجودًا؟ لو تسنّى لي إعادة شريط التاريخ ثم السماح له بالمضي قدمًا مرة أخرى بطريقة تمنع حدوث إحدى هذه الفظائع، وتمنع بالتالي وجودي، فهل سأفعل ذلك؟ هذا سؤال مقلق لأولئك الكَلِفين بهذه الحياة التي نعيشها.
ولعلي أعتقد أنني، على الأقل في أفضل لحظاتي، سأوافق ولو على مضض على هذه الصفقة. في تلك المرات التي واجهت فيها الهولوكوست مواجهة مباشرة، كما هو الحال عندما رأيت في متحف الهولوكوست التذكاري بواشنطن أحذية العديد من الذين لقوا حتفهم في المعسكرات، أعتقد أنني كنت على استعداد – ولو بصعوبة – بأن أضحي بوجودي من أجل ضحايا الهولوكوست. لكن السؤال الأكثر إرباكًا لي هو سؤال ما إذا كنت سأفدي حياتهم بحياة أطفالي، مدركًا أن وجود أطفالي متوقف على وجودي. ولكن لأسباب لا يتسع المجال لذكرها في هذا المقال، أعتقد أن هذا سؤالٌ يجب على أبنائي وليس عليّ الإجابة عليه. لا أعرف على وجه اليقين ما كنت سأفعله، ولكنني آمل أن أكون قادرًا على الارتقاء إلى مستوى الحدث.
إذا كان ذلك صحيحًا فإن المسلك الذي ينبغي اتخاذه حيال هذه الأهوال التي أتت بنا يمكن أن يسمى التقبل وليس القبول. إننا نتاج تاريخ لا يمكننا تغييره، تاريخ فيه فظائع لا يمكننا إلغاؤها. لا شك أننا نعلم أن الأفضل لو أن هذه الأحداث المروعة لم تقع، وأننا بالتالي لم نولد، ولعل من النبل لو أننا فضلنا أن الأمور كانت كذلك. إن حياتنا ممتدةٌ جذورُها في مآسٍ لا يمكن تصحيحها، وهذه وصمةٌ لا مفر منها. وعلينا تقبل ذلك، لكن علينا ألا نقبله. يكمن الفرق فيما نحن مستعدون لفعله لو أتيحت لنا الفرصة.
لكن قد يسأل سائل هنا عن أهمية ما سأفعله أنا أو غيري في سيناريو متخيل لا يمكن حدوثه. لقد وقعت الهولوكوست ولا سبيل إلى منعها بأثر رجعي، فلماذا يجب أن نتخذ موقفًا من وجودنا انطلاقا منها؟ نفعل ذلك لسببين، أحدهما فلسفي تأملي والآخر عملي. أما السبب الفلسفي التأملي فهو أننا باختصار نستنكر الهولوكوست. معظمنا في تقديري يقول إنها شيء كان ينبغي ألا يحدث. لكن لو لم تقع الهولوكوست لما كان الكثير منا هنا. إذن ما موقفنا فعلا من الهولوكوست؟ هل ندينها أم لا ندينها؟ الإجابة على الأسئلة التي أطرحها هنا تكشف لنا عن جوانب من أنفسنا قد لا نجدها مريحة.
أما السبب الثاني العملي فيقول إننا إن كنا على استعداد للتضحية بوجودنا من أجل منع أحداث الماضي المرعبة، فبأي شيء من ذاتنا سنضحي لنمنع فظائع الحاضر والمستقبل؟ ولماذا لا يفعل الكثير منا ذلك، وأنا منهم؟ وعلي أن أشير هنا إلى أن أوضاع الماضي ليست مماثلة للأوضاع في المستقبل، فالأمور فيها بعض التعقيدات. لو لم أوجد فلن أخسر في الواقع شيئا، لأنه لا وجود في المقام الأول للـ “أنا” التي سأخسرها. والأعقد من ذلك أن علي أن أكون موجودًا لأنظر في احتمال عدم وجودي. لكني وأنا موجود الآن، فأنا حين أضحي بنفسي أتحمل خسارة شيء – ألا وهو وجودي مستقبلًا.
لكن مع أخذ هذه الأمور في الحسبان فالاستعداد للتضحية بوجودنا في الماضي يجب أن يكون في مقابل استعدادنا للتضحية على الأقل بشيء ذي قيمة الآن أو في المستقبل لمنع وقوع فظائع جديدة أو التخفيف منها. ما التضحيات التي نحن على استعداد لبذلها من أجل نازحي سوريا أو ضحايا الشرطة المحتملين أو من أجل العمال الفقراء غير المرخصين في بلدنا، أولئك الذين ستحدد متاعبهم ما ستكون عليه متاعب أولادنا وأحفادنا. ما التضحيات التي نحن على استعداد لبذلها للحد من عواقب التغير المناخي الهائلة التي يبدو أنها قد ضاعفت من ضحاياها؟ وإن لم نكن على استعداد لتقديم التضحيات فماذا ينبئ ذلك بدوره عن علاقتنا بالفظائع التي أتت بنا؟ علاقتنا بالماضي ليست منفصلة تمامًا عن علاقتنا بالمستقبل، وعندما نسأل عن إحداهما، فإننا نقدم إجابات عن الأخرى، إجابات قد لا نود الاعتراف بها.
ومع حلول كل عام جديد، لعل من الأفضل أن نجدد معرفتنا القديمة بالماضي بدلاً من أن ننساها، ونسمح لهذه المعرفة بأن تكون دليلاً لمستقبلنا.
الكاتب: أستاذ الفلسفة في جامعة كليمسون، ومؤلف كتاب “حياة مهمة” (A Significant Life) الذي صدر مؤخرًا.
المترجم: أستاذ اللغويات المساعد بجامعة أم القرى، عضو مؤسس جمعية الفلسفة.
المراجع: كاتب ومترجم في فلسفة التقنية وتاريخها.
Accepting the Past, Facing the Future
Todd May
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
