2026-05-28

١٨ فبراير ٢٠١٩
ليس من الواضح ما إذا كان اللوقيون (Lyceum) يفرض رسومًا. لكن نظرًا لثروته الهائلة، فمن المرجّح أنه لم يكن بحاجة إلى ذلك. أليس هذا أشبه بهارفارد؟
أثينا: كان لأرسطو ساقين نحيلتين، وعينان صغيرتان. وكان ذا لثغة في حديثه يقلدها بعضهم وفقًا للمؤرخ وكاتب السير بلوتارخ (٤٦م – ١٢٠م، Plutarch). ارتدى أرسطو العديد من الخواتم وكان لباسه مميزًا وغريبًا وفق الهيئة القديمة.
حاولت أن أجمع شتات هيئته وأنا أصل إلى موقع اللوقيون برفقة من يصاحبني، إنه المكان المناظر لأكاديمية أفلاطون وهو الموقع الذي زرته الأسبوع الماضي. لقد قيل إن لأرسطو شخصية صعبة ومتغطرسة بعض الشيء، ووجد نفسه أذكى من غيره (وهو أمر وارد جدًا) وقد انتقد أستاذه أفلاطون لسنوات عديدة، ولعله أشبه ما يكون بديسكولوس المتذمر والعصبي والعابس.
لم يكن أرسطو محبوبًا كثيراً لدى الأثينيين، ولعل السبب خلف ذلك يعود لكونه شخصا ذا حيلة، أو لأنه كان متيكاً metic أي وافداً غريباً، أشبه بحامل بطاقة إقامة دائمة (البطاقة الخضراء) في زماننا؛ يونانياً، نعم، لكنه بالتأكيد لم يكن مواطناً أثينياً. وبالنظر لروابطه القوية بالأرستقراطية المقدونية والتي قويت وامتدت سيطرتها العسكرية والسياسية عبر اليونان، ربما كان اليونانيون على حق في ريبتهم حيال أرسطو.
نعلم أن أرسطو عمل كمحاضر في الأكاديمية ووصفه أفلاطون بأنه “عقل” الأكاديمية، ولكن لم يتم اختياره خلفا لأفلاطون، فصار سبيوسيبوس رئيسا للمدرسة وهو ابن أخ أفلاطون. ترك أرسطو أثينا بعد فترة وجيزة من وفاة أفلاطون وبقي بعيدا عنها لاثنتي عشرة سنة. فهل كان غاضبا أم خائب الأمل لعدم اختياره رئيسا للأكاديمية؟
المعروف أن فيليب الثاني المقدوني عرض على أرسطو أن يكون أستاذا لابنه الإسكندر ذو الثلاثة عشر ربيعا. أسس أرسطو مدرسة في حصن ميزا المقدوني ودَرَّس الأمير المقدوني الشاب برفقة أقرانه، والذين بلغوا ما يقارب الثلاثين تلميذا. كان الفصل كبيرا في مدرسة مُغلقة تشبه المدارس الداخلية. أدى أرسطو واجباته بحس من الجدية وهو الأمر الذي يمكن استنتاجه من حقيقة تأليفه لرسالتين في تكريم الإسكندر وهما (عن المَلَكية) و (عن المستعمرات) وكان الكتابان بمثابة مرشدين للأمير، بالإضافة لتحرير نسخة من إلياذة هوميروس مخصصة لقراءة الإسكندر، وهي المسماة “نسخة التابوت” (بناء على فرضية وجودها في تابوت).
نعرف القليل عن إقامة أرسطو في مقدونيا، لكن يُعتقد بتواجده هناك لفترة من الزمن تقدر بسبع سنوات، أصبح فيها صديقا للنافذين في بلاط الملك فيليب. في عام 336 قبل الميلاد اغتيل فيليب (في المسرح من دون كل الأمكنة) ونُصّب الإسكندر ملكا وهو بعمر العشرين عاما. بعد أن استشعرت عدم استقرار الانتقال السياسي ثارت مدينة طيبة العظيمة ضد الملك المقدوني الجديد. حاصر الإسكندر هذه المدينة ثم أحرقها بالكامل ومسحها من الخريطة كي يضرب بها مثلاً، وأصبح مواطنوها إما قتلى أو بيعوا عبيدا.
لم ترتكب أثينا خطأ طيبة فاستسلمت خانعة للهجوم المقدوني. في هذا السياق عاد أرسطو إلى المدينة وعمره يقارب الخمسين. وكانت عودته كبرى. فبسبب وضعه كأجنبي وافد لم يُسمح له بشراء الأملاك، ومثلما يفعل أي شخص في موقفه قام بالاستئجار. اتخذ من موقع جمنازيوم المكرس لأبولو ليسيوس (الإله الذئب) مقراً له، وحوَّلَهُ إلى المدرسة الأكثر قوة وعبقرية في العالم.
عندما تزور موقع اللوقيون Lyceum وتتأمل مخططاته المعمارية، تدهشك حقيقتان: الأولى، أنه يبدو وكأنه محاكاة مباشرة لأكاديمية أفلاطون، والثانية، أنه يفوقها حجمًا بكثير. العلاقة بين الأكاديمية واللوقيون تشبه إلى حد ما العلاقة بين كلية صغيرة أنيقة من العصور الوسطى في كامبردج، والبناء المعماري الضخم لجامعة شيكاغو.
السبب الذي مكّن أرسطو من ذلك كان “المال” ببساطة. فإذا كان أفلاطون ثرياً، فإن أرسطو كان أكثر ثراءاً من كريسوس Croesus، أشبه بمليارديرات عصرنا من أمثال جيف بيزوس. فقد حصل أرسطو على مبلغ ثمانمائة طالن من تلميذه السابق والأكثر امتناناً له الإسكندر، وهو مبلغ ضخم للغاية. (وللمقارنة، لنضع في اعتبارنا أن أكاديمية أفلاطون كلفت ما بين خمسة وعشرين إلى ثلاثين طالن).
يمثل توضيح قيمة النقود القديمة بمصطلحاتنا الحديثة لغزا دائما عند مؤرخي الاقتصاد، لهذا تواصلت مع زميلي الاقتصادي دونكان فولي للمساعدة، واحتسب بصعوبة الناتج المحلي الإجمالي لأثينا القديمة وهو ما يقرب من 4400 طالن. لو كان هذا صحيحا فإن ثمانمئة طالن مبلغٌ ضخم وأكثر من تكلفة الأكاديمية باثنين وثلاثين ضعفا. كان فولي متشككا بهذا الرقم. فالمصادر القديمة للبيانات الكمية (مثل حجم الجيوش) سيئة السمعة بشأن دقتها، لهذا فلربما تحمس الناسخ وأضاف صفرا بكل بساطة.
ومهما كانت حقيقة الأمر، بفضل الدعم المالي الذي تلقاه أرسطو، تمكن من بناء منشأة بحثية وتعليمية يتجاوز حجمها أكبر وأهم مكتبة في العالم. في زمن ثيوفراسطس التابع لأرسطو والذي اتضح أنه رئيس جامعة ناجح، كان هنالك ما يقرب من ألفي طالب في اللوقيون وبعضهم ينامون في السكن. كان اللوقيون بلا شك هو المكان والوجهة التعليمية المفضلة للنخبة.
هذا ما يدعو المرء لتأمل التقارب الغريب بين الفلسفة والسلطة السياسية، وليس من الواضح ما إذا كانت المدرسة تفرض رسوما، لكن نظرًا لثروتها الهائلة، فمن المرجّح أنها لم تكن بحاجة إلى ذلك. أليس هذا أشبه بهارفارد؟
كان اللوقيون وبكل وضوح تجسيدا فكريا للهيمنة السياسية والعسكرية المقدونية. في سنة 323 قبل الميلاد وعندما بلغت أثينا أنباء موت الإسكندر الأكبر في بابل وهو بعمر الثانية والثلاثين، التهبت المشاعر المعارضة للمقدونيين واستدعي القائد الأثيني المشهور ديموسثينيس. غادر أرسطو المدينة للمرة الأخيرة خوفا على حياته. وبعد ما يزيد عن عقدٍ ونيف من رئاسة اللوقيون رأى أرسطو نفسه عدلا أو ظلما في مرآة سقراط، وخشي من اتهامه بالمعصية وذكر عنه قوله: “لن أسمح للأثينيين بتكرار خطيئتهم ضد الفلسفة”. انسحب أرسطو إلى أملاك والدته المتوفاة في جزيرة إيفيا Euboea ومات بعد مدة قصيرة من إصابته بمرض غامض في الثالثة والستين من عمره.
عند النظر بمدى احتفاظ مبنى اللوقيون بجماله، والذي يعد مبنى جديدا وفق المقاييس الأثينية (لم تبدأ أعمال التنقيب إلا عام 1996 وافتتح للجمهور عام 2014) وللتو بدأنا في تكوين صورة مناسبة لمخطط اللوقيون وعمارته ووظيفته. ثمة كتاب تفصيلي يعرفنا بمدرسة أرسطو لعالم الآثار إيفي ليجوري توليا ومرافقنا الدائم قسطنطينوس ستايكوس وهو قيد الإعداد للنشر حاليا.
ثمة أمر آخر أثار مخيلتي واسترعى انتباهي خلال نزهتي حول الأطلال: إنها الحديقة. ففي شرق الركن الشمالي من اللوقيون كانت هناك حديقة، ومن المحتمل أنها على درب البيريباتوس أو الممشى الظليل وهو الذي اشتقّت منه مدرسة المشائين اسمها. من المؤكد أن ثمة حدائق في جميع المدارس الفلسفية المبكرة، كالمدرسة الملطية التي توجد اليوم في الساحل التركي، وربما في المدارس الفيثاغورية جنوب إيطاليا. وكان لأكاديمية أفلاطون حديقة أيضا. ولاحقا كانت مدرسة أبيقور تسمى ببساطة “الحديقة”. أما ثاوفراسطس وهو عالم نبات شغوف كأرسطو فقد بذل مجهودا لإنشاء مكتبة وبناء مرفق علمي لها (مع الخرائط والمجسمات والعيّنات وما شابه ذلك) وانتهى به الأمر إلى التقاعد في حديقته التي كانت قريبة من المكتبة.
ما الغرض من الحديقة؟ هل كانت مكانا للمتعة وللتجول والدردشة الجدلية الهادئة؟ هل كانت مختبرا صغيرا لتأمل النباتات واختبارها؟ أم أنها – وهذا ما أجده مثيرا للاهتمام- تصويرا للجنة؟ يبدو أن الكلمة اليونانية القديمة paradeisos قد استعيرت إتيمولوجيًا من الفارسية، وقيل إن داريوش الأكبر كانت لديه “حديقة فردوسية” تحوي جميع أنواع النباتات والحيوانات والتي ألفناها في الرسومات على البُسُط والسجاد. كان البساط الفارسي أشبه بمسرح الذكرى للجنة. ومن الممكن أن للعمال والمفكرين الملطيين اتصال قوي بمدينتي شوش وتخت جمشيد. لعل الخيالات الفلسفية اليونانية القديمة حيال الحدائق كانت استعارة من الفرس وصدى لتأثير إمبراطوريتهم الواسع. لكن من يدري؟
إنني بالكاد بستاني. في الواقع كنت غير حساس وبصورة ملحوظة تجاه الملذات التي يجدها ذوي الأصابع الخضراء في أفنية بيوتهم الخلفية. كانت نصيحة فولتير في روايته كانديد (أو التفاؤل) هي: “علينا أن نعتني بحديقتنا” التي صعقتني لأنها ساخرة وماكرة وانهزامية. لكنني الآن غير متأكد. لعل ثمّة علاقة أوثق بكثير بين الحدائق والتفكير الفلسفي مما قد نتصوّر للوهلة الأولى. في خاتمة كتاب (الأخلاق إلى نيقوماخوس) يرى أرسطو الوعد الفلسفي في زراعة الحياة التأملية، أي bios theoretikos (حياة النظر) والتي تعادل حياة الآلهة. أي مكان في هذه الحالة أفضل من الحديقة؟ أفلا يكون علم النبات هو الدرب الجليل المفضي إلى الفردوس عبر نشاط تجريبي وشاعري في العمق؟
زرت اللوقيون مع رفيقي الذي كانت له عينان شغوفتان أكثر مني، تعرفنا معا على الزعتر والخزامى والأزهار البرية الوفيرة وأشجار إكليل الجبل الكبيرة وشجيرات الزيتون وربما البردقوش. كان ثمة بساط من الطحالب بظلال متدرجة الاخضرار تحيط به قواعد رملية صفراء من الأطلال. بدا لي المكان فجأة وكأنه حديقة وبإمكان المرء أن يشعر بالتقارب بين قمة جبل ليكابيتوس ومحيطه الخارجي نحو الجبال التي تطوّق أثينا والسماء الزرقاء الفسيحة.
ثمة حواجز من الحبال المنخفضة تعزل المناطق التي يُمنع الزوار من دخولها، نظرت من حولي أبحث عن الحارس فلم أجده، فخطوت فوق الطحلب الأخضر واتجهت بهدوء إلى موقع مكتبة أرسطو. كُنتُ مُنحني على يديّ وركبتيّ، فرأيت الأرض وقد تناثرت عليها قواقع حلزون صغيرة لا يتعدى حجمها أظافر الإصبع، وهي مبعثرة كحقائب العلماء الخاوية. أعطاني رفيقي واحدة منها ووضعتها في جيبي، وها أنذا أكتب وهي أمامي على المنضدة، ومن دون قصد سحقتها إلى أشلاء عندما جثمت عليها إحدى المجلدات الضخمة للسيد ستايكوس عن تاريخ المكتبات. من المحتمل أن ثمة أمر أخلاقي في هذا، لكنه غائب عني.
الكاتب: أستاذ الفلسفة في المدرسة الجديدة للبحث الاجتماعي ومؤلف لعدد من الكتب، من بينها “مالذي نعتقده حين نفكر بكرة القدم” وكتاب “المأساة والإغريق ونحن” وهو المشرف على قسم ذا ستون.
المترجم: طريف السليطي مترجم ومؤلف سعودي.
المراجع: كاتب ومترجم في فلسفة التقنية وتاريخها.
Athens in Pieces: In Aristotle’s Garden
Simon Critchley
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
