2026-04-20

١٢ أغسطس ٢٠١٢
قبل أكثر من أربعين عاماً، دعا الفيلسوف جون رولز، في كتابه السياسي المؤثر “نظرية العدالة”، شعوب العالم إلى التخلي عن ميولهم الأنانية، وأن يفترضوا، على سبيل الحُجّة، أنهم في حالة من الجهل. لقد فرض هذا القيد غير المرغوب فيه ليس لكي يجد قراؤه – ومعظمهم من المثقفين، والطلاب والسياسيين وصانعي السياسات – أنفسهم في موقف من الغباء الثابت، بل حتى يتمكنوا من فهم العدالة.
طلب رولز من قرّائه أن يصمّموا مجتمعاً من الألف إلى الياء، انطلاقاً من موضع أصلي، وفرض شرط الجهل حتى يتخلى القراء عن أي معرفة مسبقة بمكانتهم الاجتماعية الخاصة – بثرواتهم، وصحتهم، ومواهبهم الطبيعية، والفرص المتاحة لهم، أو بأي مزايا أخرى قد يكون الكون قد ألقاها في طريقهم. من خلال هذا، كان يأمل في تحديد مبادئ العدالة التي من شأنها أن تساعد الأفراد على تحقيق أقصى قدر من إمكاناتهم، وتحقيق أهدافهم، كائنة ما تكون، وأن يعيشوا حياة جيدة. وقد أطلق على هذه الفرضية اسم “حجاب الجهل”.
الفكرة من وراء “حجاب الجهل” بسيطة نسبياً، ألا وهي إجبارنا على التفكير خارج اهتماماتنا الشخصية الضيقة، بحيث نفكر في الآخرين. ما رآه رولز بوضوح هو أنه ليس من السهل علينا أن نضع أنفسنا في مكان الآخرين. نحن نميل إلى التفكير في الآخرين دائماً من وجهة نظرنا نحن الشخصية، نحن نميل إلى مساواة صعوبات شخص آخر بصعوباتنا. ولكي نتخيل ما تكون عليه حال الفقير على سبيل المثال، نستشهد بالفرضيات حول الموارد المتاحة، والمواهب والفرص، ونشجع المشردين على سبيل المثال، على النهوض بأنفسهم والحصول على وظيفة، أي وظيفة، كما لو كانوا سيحصلون على وظيفة بمجرد ملء استمارة الطلب. وفي الوقت نفسه، فإننا لا نفكر كثيراً في مدى صعوبة ذلك بالنسبة لأولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة أو حالات إعاقة. ما أدركه رولز بوضوح أيضاً هو أن مبادئ العدالة الكلاسيكية الأخرى، مثل القاعدة الذهبية أو الإحسان المتبادل، تكون عرضة للتشويه تحديداً لأننا نميل إلى القيام بذلك.
في أيامنا هذه، يواجه حجاب الجهل منافساً قوياً وقديماً، وهو حجاب الترف. وفي حين أنه لا يوجد فيلسوف سياسي جاد يدافع فعلياً عن مثل هذه الرغبة ــ وهذا المصطلح من تأليفي ــ فإن حجاب الثراء كثيف في خطابنا السياسي. في حين يقدم حجاب الجهل اختباراً للعدالة من وجهة نظر عالمية وغير شخصية: ما هو النظام الذي أريده، لو لم يكن لدي أي فكرة عمن سأكون، أو ما هي المواهب والموارد التي سأمتلكها، فإن حجاب الترف يقدم اختباراً للعدالة من وجهة نظر جزئية بضمير المتكلم: “ما هو النظام الذي أريده لو كنت كذا وكذا؟” إن هذين المبدئين للعدالة ــ النظرة العالمية ونظرة المتكلم ــ كلاهما مقنع بطريقته الخاصة، ولكن أحدهما فقط يقدم وضوحاً أخلاقياً محايداً بالقدر الكافي لتوجيه قراراتنا السياسية.
أولئك الذين يرتدون حجاب الترف قد يتخيلون أنفسهم نجوم سينما أثرياء بشكل فانتازي أو رواد أعمال ناجحين للغاية. وهم يصوتون ويضعون السياسات وفقاً لهذه الفانتازيا. ويتساءلون: “لو كنت شخصاً ثرياً كذا وكذا، كيف سأشعر حيال إعطاء نسبة X من دخلي، أو Y من الدولارات الحقيقية سنوياً، لدفع ثمن الخدمات التي لن أراها ولن أستخدمها أبداً؟” ونحن نرى هذا مراراً وتكراراً في مناقشاتنا بشأن السياسة الضريبية، وقد رأينا للتو أحدث مثال على ذلك في المقارنة التي أجراها مركز السياسات الضريبية بين خطة الرئيس أوباما الضريبية وخطة ميت رومني. قال أوباما الأسبوع الماضي: “إنه يطلب منكم أن تدفعوا ضريبة أكبر، حتى يتمكن الأشخاص من أمثاله من دفع ضريبة أصغر” وفي الأسبوع الماضي أضاف أوباما “لكي يدفع أمثالي ضريبة أقل”. وفي يوم الإثنين الماضي، شدد على هذه النقطة، قائلا إن خطة رومني تشبه خطة “روبن هود معكوسة”. ومن المؤكد أن اختيار رومني يوم السبت لبول رايان نائباً له سيبقي هذه القضية في مقدمة خطابنا السياسي.
لا شك أن حجاب الترف لا يقتصر على السياسة الضريبية، فقد قدم قاضيا المحكمة العليا صامويل أليتو وأنطونين سكاليا حجة ذات صلة في مرافعاتهما الشفهية بشأن قانون الرعاية الميسرة في مارس/آذار. وقال القاضي أليتو: “إن التفويض يجبر هؤلاء [الشباب] على تقديم دعم ضخم لشركات التأمين… لدعم الخدمات التي سيتلقاها شخص آخر”.
ومن خلال الإشارة بهذه الطريقة إلى أن السياسة غير عادلة، شجع أليتو المحكمة على تقييم الظلم بنفسها. وقال القاضي أليتو ضمناً: “إذا كنت شاباً وتتمتع بصحة جيدة، فلماذا يجب أن تتحمل عبء المرضى وكبار السن؟”
الجواب على هذه الأسئلة، عندما يطرح بهذه الطريقة، واضح. يبدو من الظلم أن نضطر إلى دفع مبلغ أكبر بكثير من شخص بموارد أقل. يجب أن نكون جميعاً أحراراً في استخدام أموالنا ومواردنا بالطريقة التي نراها مناسبة. وهكذا، فإن حجة الترف من أجل العدالة تصبح صحيحة.
من المتوقع، بالنسبة للأثرياء، أن يتقدموا بهذه الحجج. لكن الأمر الغريب هو أن الأشخاص الذين يطرحون هذه الأسئلة في كثير من الأحيان ليسوا أثرياء، ولا حتى يتمتعون بصحة جيدة. وبدلا من ذلك، فإنهم يطرحون هذه الأسئلة على افتراض أنهم دعاة للعدالة. لكن حجاب الترف لا يعمل إلا تحت ستار العدالة. إنه بالأحرى تشويه للعدالة، بحكم التحيز الذي يتسرب إليها. فهو لا يتساءل عما إذا كانت السياسة عادلة في ضوء النطاق الهائل من المزايا أو المصاعب التي قد يلقيها الكون على شخص ما، بل بالأحرى ما إذا كان من العدل أن يتحمل الشخص المحظوظ للغاية أعباء الآخرين.
وهذا يعني أن حجاب الترف يصر على أن الناس يتخيلون أن الموارد والفرص والمواهب متاحة مجاناً للجميع، وأن هذه السلع متوفرة بكثرة على نطاق واسع، وأنه لا يوجد عنصر من عناصر العشوائية أو الصدفة قد يؤثر سلباً على أولئك الذين يكافحون من أجل النجاح، وأنهم للأسف يفشلون دون أي خطأ من جانبهم. إنه يزيل العقبات التي تعيق طريق النجاح. لنواجه الحقيقة، إنه يغض الطرف عن الشدائد التي يولد فيها بعض الناس. ومن خلال الإصرار على النظر إلى السياسة العامة من منظور الأكثر حظاً، فإن حجاب الترف يحجب تقلبات الحظ الغاشم.
ولكن مهلا، ربما نسأل، ماذا عن الجدارة؟ ماذا عن كل أولئك الذين عملوا وكدحوا وتمكنوا من النهوض بحياتهم لجعل حياتهم أفضل لأنفسهم ولأسرهم؟ هذا سؤال مهم بالفعل. كثير من الناس يعملون بجد من أجل أموالهم ويستحقون الاحتفاظ بما يكسبونه. الجواب يقدمه كلا المذهبين. يفترض حجاب الترف أن ساحة اللعب متساوية، وأن جميع المكاسب قد تم الحصول عليها بشكل عادل، وأنه لا يوجد حظ عاثر كوني. هو تحيز للمحظوظين، لكن الثروة هنا يتم اكتسابها أو استحقاقها بالكامل.
من ناحية أخرى، يقدم حجاب الجهل إمكانية وقوع الشخص في حالة حظ سيئ أو أن الشخص نفسه قد يتخذ خطوات للتغلب على هذا الحظ السيئ. وفي هذا الصدد، فهو ليس منحازاً للمحظوظين، بل محايد. البعض سيفوز بالجدارة، والبعض الآخر بمجرد الحظ. وسوف يخسر آخرون بسبب الكسل، في حين سيخسر غيرهم لأن العالم أصابهم بمرض فظيع لا يمكن فهمه أو ببعض حوادث السيارات الرهيبة الكارثية. ومن وهم الثراء، أن نصدق أن كل واحد منا يستحق ما يحصل عليه.
إذا كنا سنخلص بشيء يتعلق بالعدالة، فهو أنها في الأساس فكرة محايدة، فكرة تمنعنا من تفضيل مجموعة على أخرى. عندما نسأل عن العدالة، لا يمكننا أن نسأل ما إذا كانت سياسة X عادلة بالنسبة لي، أو ما إذا كانت سياسة Y عادلة لشخص لديه يخت ومنزلين لقضاء العطلات. ما يتعين علينا هو أن نتساءل ما إذا كانت سياسة Z عادلة أم لا. نقطة على السطر. وما يجب أن نسأله هنا هو ما إذا كان من الممكن تطبيق هذه السياسة على الجميع؛ وما إذا كان هذا هو نوع النظام الذي يمكننا أن نعيش فيه، إذا انتهى بنا الأمر في واحدة من المجموعات الاجتماعية والاقتصادية العديدة التي تشكل مجتمعنا المتنوع، سواء كان الأكثر فائدة أو الأقل فائدة، أو محظوظاً أو غير محظوظ. ولهذا فإن حجاب الجهل أعظم اختباراً للعدالة من حجاب الثراء. فهو يتناول عالمية العدالة دون التورط في خصوصيات المصلحة الشخصية. إذا كنت ستبدأ هذا العالم من جديد، دون أن تدرك من ستكون، فما نوع النرد الذي ستكون على استعداد لرميه؟
ونحن بالفعل نستخدم منطق حجاب الجهل هذا في نطاق واسع من المجالات، والعديد منها لا يقتصر على السياسة. بل هناك مثال واضح في لعبة كرة القدم. يمنح اتحاد كرة القدم الأميركي الفريق الأكثر خسارة فرصة لاختيار أول لاعب. في الآونة الأخيرة، اختار فريق إنديانابوليس كولتس، وهو أسوأ فريق في العام الماضي، لاعب الوسط الجديد المسمى أندرو لاك، والذي يمكن القول إنه اللاعب الواعد في الذاكرة الحديثة. من أجل تعزيز اللعبة، ومن أجل أن تكون عادلة، فإن اتحاد كرة القدم الأميركي قد قرر منذ فترة طويلة منح أسوأ الفرق في كرة القدم أفضل فرصة لتحسين مستواهم. في بداية الموسم، لا أحد يعرف من سيكون الأسوأ حالاً، لكنهم جميعاً متفقون على مسودة القواعد.
ونتيجة لذلك، أصبحت كرة القدم أفضل بالنسبة لها. وهو أمر يجعلها أكثر إثارة، لأن الفرق متكافئة بشكل أفضل، وأكثر عدالة، لأنه لا يوجد طغيان لفريق أو اثنين من ذوي الامتيازات على الآخرين. إنها لعبة يعتبرها حتى المشجعون المتعصبون عادلة. إنه لا يلهم نفس النوع من التذمر الذي جعل الكثير من مشجعي كرة القاعدة يظهرون عدم احترامهم لفريق نيويورك يانكيز. صحيح أنه في بعض الحالات قد تشجع مثل هذه السياسة البعض على التلاعب بالنظام، لكنها في المجمل سياسة مهمة، وأغلب الفرق تواصل اللعب من أجل الفوز.
ومع اقتراب موسم الانتخابات هذا، فمن المرجح أن نسمع الكثير عن العدالة. وقد أشار رومني مؤخراً إلى شيء من هذا. وقد سبقه أوباما إلى ذلك بأشهر. وبعيداً عن مجرد النهج الخطابي، فإن مرشحينا الرئاسيين يمثلان إحدى وجهات النظر هذه.
إن مسألة العدالة لها تطبيق واسع النطاق في خطابنا السياسي. فهو يؤثر على الضرائب والرعاية الصحية والتعليم وشبكات الأمان الاجتماعي وما إلى ذلك. تُعدّ مسألة الإنصاف ذات حضورٍ واسع في خطابنا السياسي؛ فهي تؤثّر في الضرائب، والرعاية الصحية، والتعليم، وشبكات الأمان الاجتماعي، وغيرها. حجاب الترف سوف يجعلنا نحجب العدالة من خلال التساؤل عما يرغب أكثر الأشخاص حظاً بيننا في تحمله. وحجاب الجهل قد يجعلنا نحجب العدالة من خلال التساؤل عما سيكون أي منا على استعداد لتحمله، وإذا كان الأمر هو أننا، أو أولئك الذين نحبهم، قد ولدنا في ظروف صعبة أو، على الرغم من عملنا الشاق، يُغض الطرف عنا بسبب سوء الحظ. المجتمع موجود لتصحيح مظالم الكون، ولضمان أن حياتنا يمكن أن تسير بسلاسة على الرغم من الأشياء الخارجة عن سيطرتنا. نحن لا ننتظر أن تسلمنا ما نحتاج إليه، ولكن نريد أن نمنح الفرصة لمتابعة الحياة والحرية والسعادة. حجاب الجهل يساعدنا على رؤية ذلك، أما حجاب الترف فيبقينا في الظلام.
الكاتب: أستاذٌ مساعد في الفلسفة والدراسات البيئية في جامعة كولورادو، بولدر، وهو محررٌ مشارك في مجلة “الأخلاقيات والسياسة والبيئة”.
المترجم: كاتب ومترجم سعودي.
المراجع: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
The Veil of Opulence
Benjamin Hale
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
