2025-11-05

٥ يوليو ٢٠١٩
لا غرابة أن البشر عاجزون عن استدامتها.
“لماذا يفشل الديمقراطيون؟”
لقد سمعنا هذا السؤال كثيرًا في السنوات الماضية، في الكتب وصفحات الرّأي والبرامج الإخبارية وفي الجدال العام. لكنني أجد نفسي دائمًا أجيب على السؤال بسؤالٍ آخر: لماذا لا يفشل الديمقراطيون؟
لقد أظهر لنا التاريخ – وهو الدّليل الحقيقي الوحيد الذي لدينا في هذا الشأن – أنّ الديمقراطية نادرة وعابرة. تنجح الديمقراطية في ظروف غامضة وفي مناطق محظوظة ثم تتلاشى، على ما يبدو، بنفس القدر من الغموض. من الصعب تحقيق الديمقراطية الحقيقية وبمجرد تحقيقها تصبح هشّةً؛ مما يجعل الديمقراطية في مخطط الأحداث البشرية الكبير: هي الاستثناء وليست القاعدة.
على الرغم من طبيعة الديمقراطية المراوغة، إلاّ أن فكرتها الأساسية بسيطة للغاية: كأعضاء مجتمعٍ واحدٍ، يجب أن يكون لنا رأي واحد في كيفية إدارة حياتنا معًا. في تحدّي الفكرة القديمة – في الديمقراطية كما يجب أن تكون- يقول بول وودروف في كتابه الصادر عام 2006 م، بعنوان (الديمقراطية الأولى) “يتمتع جميع البالغين بالحرية في التناغم والانضمام إلى النقاش حول كيفية إدارة وترتيب حياتهم معًا. ولا تترك الحرية لأحد في التمتع بالسلطة المطلقة التي تؤدي إلى الغطرسة وسوء المعاملة”. هل سمعت من قبل عن أي شيء أكثر عقلانية؟ لكن من يقول أننا عقلانيون؟
في الأساس، البشر لا يميلون للعيش بشكل ديموقراطي، ويمكن للإنسان أن يوضّح أنّ الديمقراطية “غير طبيعية” لأنها تتعارض مع غرائزنا ودوافعنا الحياتية. الأكثر طبيعيةً بالنسبة لنا، هو أن نعيش كأيّ مخلوق حيّ آخر، نحاول أن نبقى على قيد الحياة ونتكاثر. ولهذا السبب؛ نؤكد وجودنا بدون قصدٍ وبلا رحمةٍ وبوحشيةٍ ضد الآخرين: ندفعهم جانبًا، ونتجاوزهم؛ بل نسحقهم إذا لزم الأمر. خلف الواجهة المبتسمة للحضارة الإنسانية، يوجد في العمل نفس الدافع الأعمى نحو تأكيد الذات الذي نجده في عالم الحيوان.
بمجرد خدش سطح المجتمع البشري، سرعان ما ستجد الحشد. كتب عالم الحيوان كونراد لورنز في كتابه (عن العدوان) أن “الطبيعة البشرية غير معقولة وغير منطقية”، وهي التي تدفع حزبين سياسيين أو ديانتين لديهما برامج إنقاذ متشابهة بشكل مثير للدهشة لمحاربة بعضهما البعض بمرارة، تمامًا كما يجبر إسكندر أو نابليون للتضحية بملايين الأرواح في محاولته لتوحيد العالم تحت صولجانه. تاريخ العالم في معظمه هو قصّة أفراد مفرطين في الإصرار على الذات يبحث كلّ عن صولجانه.
بمجرد تنصيب فرد على العرش، يصبح الآخرون متحمسين جدًا للخضوع له، وكأنهم في حضوره اللامع، يدركون أن لديهم الحرية الواسعة في أيديهم، والتي يجدونها قمعية فجأة. في رواية دوستويفسكي “الأخوان كارامازوف”، يقول كبير المحققين: “لا توجد رعاية متواصلة أو معذبة للإنسان، طالما بقي حرًا من العثور على شخص يسجد له في أسرع وقت ممكن” ويا له من استسلام جميل! كان الإسكندر الأكبر، يوليوس قيصر، ونابليون، وهتلر، وموسوليني جميعهم متحدثين سلسين، وسحرة للجماهير، ومُغوين وسياسيين عظماء.
كانت علاقتهم بالجمهور حميمة بشكلٍ خاصٍّ. ففي هذا النوع من الأنظمة، كلّما استُخدمت السلطة واستُعرضت، كان الأثر شبقياً على نحو عميق. ما نراه، على سبيل المثال، في “انتصار الإرادة” (بفضل عبقرية ليني ريفنستال المنحرفة) هو أن الناس يمرون بنوع من النشوة الجماعية. قد تكون تصريحات المُغوي فارغةً، وحتى لا معنى لها، لكن هذا لا يهمّ كثيرًا؛ كل واحد يجلب الحشد المستثار إلى آفاق جديدة من المتعة. يمكنه الآن أن يفعل ما يحلو له مع الأتباع المبتهجين، فسوف يخضعون لأيّ من خيالات سيدهم.
هذا هو تقريبًا السياق الإنساني الذي تتكون فيه الفكرة الديمقراطية، ولا عجب أنها معركة خاسرة. فالديمقراطية الحقيقية لا تقدم وعودًا كبيرة، ولا تغري أو تسحر، ولكنها تطمح فقط إلى قدر معين من الكرامة الإنسانية. إنها ليست شبقية، بالمقارنة مع ما يحدث في الأنظمة الشعبوية، فهي قضية ثابتة. من ذا الذي، وهو في كامل عقله، يفضّل المسؤوليات الرتيبة للديمقراطية على الإشباع الفوري الذي ستوفره الديماغوجية؟ البرود بدل النشوة اللامحدودة؟ وعلى الرغم من كل هذا، اقتربت الفكرة الديمقراطية من التجسّد في بضع محطات تاريخية – لحظات فيض كاد فيها الإنسان أن يُدهش نفسه.
أحد العناصر اللازمة لتحقيق الديمقراطية هو الشعور بالتواضع. تواضع جماعي وداخلي في آن واحد، متغلغل وحتى طموح، لكنه حقيقي؛ ذلك النوع من التواضع المتصالح مع ذاته، الذي يَعرف قيمته وحدوده، حتى أنه يستطيع أن يسخر من نفسه. التواضع الذي بعد أن رأى الكثير من الأشياء المجنونة وتعلم التسامح معها، أصبح حكيمًا وصبورًا. بعبارة أخرى، أن تكون ديمقراطيًا حقاً هو أن تفهم أنه عندما يتعلق الأمر بالعيش المشترك، فأنت لست أفضل من الآخرين، وأن تتصرف وفقًا لذلك. إن العيش بديمقراطية هو بشكل أساسي، التعامل مع الفشل والنقص، والانشغال بأوهام قليلة عن المجتمع البشري. يجب أن تجسد مؤسسات الديمقراطية قواعدها وآلياتها لرؤية البشر على أنهم غير كاملين.
تجسدت هذه الرؤية في مؤسستين ابتكرتها الديموقراطية الأثينية القديمة. أولًا: الفرز: تعيين الموظفين بالقرعة. بتوفر المساواة الأساسية في الحقوق التي يتمتع بها جميع مواطني أثينا – أي الذكور البالغين الأحرار – فإن أكثر الوسائل منطقية للوصول إلى المناصب القيادية كانت الاختيار العشوائي. في الحقيقة، بالنسبة للديمقراطيين الأثينيين، كانت الانتخابات ستسقط أساس الديمقراطية، أي أنها كانت ستسمح لبعض الناس بتأكيد أنفسهم، بغطرسة وظلم، ضد الآخرين. المؤسسة الأثينية الأخرى غير المثالية هي: النبذ. عندما يتمتع أحد المواطنين بشعبية كبيرة، بمعنى أن يصبح شخصية ذات جاذبية، كان الأثينيون يصوتون له خارج المدينة لمدة عشر سنوات عن طريق كتابة اسمه على قطع من الفخار. لم يكن هذا عقابًا على شيء قد يكون الشخص قد فعله، ولكنه إجراء وقائيّ ضد ما قد يفعله إذا تُرك دون رادع. يعترف الأثينيون أنهم كانوا هشّين وضعفاء جدًا لمقاومة الإغراء السياسي (تعد علاقتهم المعقدة مع ألكِبيادِس دليلاً وافرًا على ذلك) وحرموا أنفسهم من المتعة. إن الديمقراطية، كما هي: من صنع الإنسان هشة وذات دستور ضعيف – من الأفضل عدم وضعها على المحك.
بعد تجربة أثينا الراديكالية في المساواة، عادت الديمقراطية إلى الظهور في مكان آخر، ولكن غالبًا بأشكال كان من المحتمل أن يواجه الأثينيون القدامى صعوبة في وصفها بأنها ديمقراطية. على سبيل المثال، فإن الكثير من الديمقراطية الأمريكية اليوم (واحدة من أفضل الإصدارات في السوق الدولي الحالي) سيتم الحكم عليها وفقًا للمعايير الأثينية “الأوليغارشية”. القلّة الأثرياء المحظوظون هم الذين يقررون هنا ليس فقط قواعد اللعبة السياسية، ولكن أيضًا من يفوز ومن يخسر. ومن المفارقات الساخرة، أن النظام يفضّل ما أردنا بشدة تجنبه عندما اخترنا الديمقراطية في المقام الأول: ألا وهو الحيوان السياسي المتعجرف و المتعطش للسلطة والقمع.
وبالرغم من ذلك لا ينبغي أن نتفاجأ. كتب جان جاك روسو: (لو وجد شعبٌ من الآلهة لَحَكَمَ نفسه حكماً ديمقراطياً، أما هذا الكمال في نظام الحكم ليس للبشر). يصعب العثور على الديمقراطية في العالم البشري لدرجة أننا في معظم الأوقات عندما نتحدث عنها، نشير إلى مثال بعيد لا إلى واقعٍ قائم. هذا ما تعنيه الديمقراطية في النهاية: مثالٌ يحاول الناس تطبيقه بين حين وآخر. لا على نحوٍ كافٍ، ولا لمدة طويلة – دائمًا بارتباكٍ وتردد، كأنما على سبيل التجربة.
وأخيرًا، فالديمقراطية واحدة من تلك الأمور العصية المنال – كالسعادة – التي يكون وعْدُها، وإن تأجّل إلى ما لا نهاية، أهم من وجودها الفعلي. قد لا نظفر بها أبدًا، لكن لا طاقة لنا بأن نتوقف عن الحلم بها.
الكاتب: مؤلف، وأحدث كتبة “الموت من أجل الأفكار: الحيوات الخطرة للفلاسفة”، وهو أيضاً محرّر قسم الدين في مجلة The Los Angeles Review of Books.
المترجمة: حاصلة على درجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي واللغويات في جامعة الملك سعود. تصب اهتماماتها في مجال الأدب والنقد والكتابة والترجمة.
المراجع: مؤلف ومترجم سعودي.
Democracy Is for the Gods
Costica Bradatan
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
