2026-04-26

٧ أبريل ٢٠١٣
كم يمكنني أن أتحمل بعد؟
كان هذا السؤال ولا يزال في عمق الخبرة الإنسانية منذ بداية توثيقها إن لم يكن قبل ذلك كذلك. كان هذا السؤال لبّ معاناة يعقوب أو على الأقل أحد أشكال تلك المعاناة ولا يزال يُطرح اليوم بازدياد كاستجابة للظروف الممتدة من الفقد المؤلم والحزن المدمّر إلى المشقّة المعتادة في العمل أو الشتاء الطويل.
ولكن أين هي تلك النقطة الفعلية التي “ينكسر” عندها الشخص أو يؤمن ليس فقط أن حياته خالية من القيمة أو المعنى، ولكن أن العالم كله خالٍ منها كذلك؟ الحقيقة هي أن معظم الناس لا يريدون التأكد من حدود قدرتهم على المعاناة. سينظر الغالبية العظمى من الناس بارتياب إلى شخص أراد حقًا تجربة الحدود القصوى لمعاناته. ولكن ماذا لو تعاملنا مع هذا السؤال على أنه سؤال حقيقي؟ في بعض أعمالي الأخيرة في مجال الإدمان والفلسفة، وجدت أن العديد من المدمنين الحاليين، على اختلاف أنواع إدمانهم، يواجهون حدود قدرتهم على المعاناة كل يوم وبطرق قد لا يعرفها أولئك المحظوظون الذين لم يعانوا من الإدمان. بالنسبة لبعض أولئك المدمنين، تصبح عملية الوصول إلى ذلك الحد فرصة لإحداث تغيير جذري في حياتهم.
يمكن العثور على فهم أوسع لهذا المفهوم في أعمال الفيلسوف وعالم النفس الأمريكي ويليام جيمس، الذي يقدّم عمله الشهير “أشكال التجربة الدينية” نظرة ثاقبة مهمة حول حدود البؤس وإمكاناته التحوليّة. الكتاب نتاج محاضرات ألقاها جيمس في جامعة ادنبرة في عامي 1901 و 1902 حيث انصبّ تركيزه على تجارب الأفراد “الذين لا يتواجد الدين بالنسبة لهم كعادة مملّة، ولكن كحمّى حادة”. لا يعني جيمس بعبارة “الدين” المؤسسات الدينية ومناقشاتها اللاهوتية الراسخة منذ فترة طويلة، بل يعني أمراً أقرب إلى الحالة الروحية الفردية، والتي قد تتضمن أو لا تتضمن الإيمان بإله.
كان جيمس مناسبًا بشكل فريد لإلقاء هذه المحاضرات فقد كان طبيبًا وفيلسوفًا وعالمًا نفسيًا قبل أن يكون علم النفس جزءًا من الوسط الأكاديمي. كما كان شخصًا ذا اهتمام عميق ودائم بالأحداث النفسية. لقد كان جيمس، بكل ما في هذه الكلمة من معنى، تلميذا للطبيعة البشرية. لقد استكشف هذا السؤال حول ما يمكن أن نسميه “حدود أو عتبة البؤس” لأنه أراد أن يعرف ما إذا كان بعض الناس أكثر قدرة أو أكثر عرضة لتجربة “الحمى الحادة” للمعتقد الديني. وكان جوابه أن أولئك الذين يعانون أكثر من غيرهم يميلون إلى الإصابة بهذه الحمى. هؤلاء هم الأشخاص الذين فتنوه. أولئك الذين ارتدّوا إلى خط اليأس واللامعنى وأحيانًا تجاوزوه.
يجادل جيمس في كتابه هذا أن هناك نوعين من الناس، يُفرّق بينهم بحسب قربهم أو بعدهم عن عتبة البؤس في حياتهم. يجادل جيمس إن كل شخص لديه عتبة للألم العاطفي تشبه عتبة الألم الجسدي. ففي حين يميل بعض الأشخاص الذين يعانون من أدنى ألم جسدي إلى الركض باتجاه الإيبوبروفين أو مسكنات الألم، يبدو أن البعض الآخر قادر على تحمل الألم الجسدي الشديد. نفس الموقف ينطبق على البؤس.
يدعو جيمس أولئك الذين يعيشون في الجانب الأكثر إشراقًا من عتبة بؤسهم بـ “أصحاب العقول السليمة”. التفاؤل يملأ حياتهم، إلا أن هناك درجات مختلفة من التفاؤل. يرى بعض أصحاب العقول السليمة أن الكوب نصف ممتلئ بينما يرى آخرون أنه نصف ممتلئ بشيء لذيذ. هؤلاء هم الأشخاص الذين يبحثون دائمًا عن الجانب المشرق ولديهم روح ذات “لون أزرق سماوي، يرتبطون بالزهور والطيور وجميع البراءات الساحرة أكثر من ارتباطهم بالمشاعر البشرية المظلمة.” صحيح أن الأشخاص ذوي الجانب المشرق قد يكونون بائسين في بعض الأحيان، إلا أنهم لا يتحملون البؤس. سيتطلب الأمر حدثاً كارثيًا بالنسبة لهم من أجل البقاء على الجانب المظلم من خطوط بؤسهم.
ذوو الجانب المشرق مثيرون إلى حد ما لجيمس ربما لأنهم يشكلون نوعًا غريبًا تمامًا بالنسبة إليه. فقد وجد جيمس نفسه والعديد من أفراد عائلته ضمن الفئة الثانية – “الأنفس المريضة” و “الأنفس المنقسمة”، الذين يعيشون في الجانب المظلم من عتبة بؤسهم. وفقا لجيمس، تميل الأرواح المريضة إلى قول “لا للحياة” كما أن الخوف يحكمها. تميل النفوس المريضة إلى التوتّر والحزن، مع توجّس ينتشر مع كل فرصة.
يعاني الشخص المصاب بذاتٍ منقسمة مما يسميه جيمس “مرض العالم”. هذا المرض يتطوّر ويرسم جيمس مخطط تطوره باهتمام وبمشاعر رحومة. أولئك الذين يعانون من انقسام ذاتي يختبرون حربًا في الداخل فحياتهم “أكثر من مجرد سلسلة من التعرجات”، و “حروبهم الروحية مع أجسادهم، يرغبون في أمور لا تتسق مع بعضها البعض” و “حياتهم دراما طويلة من التوبة والجهد لإصلاح التجاوزات والأخطاء”.
و قد لا يكون من باب المصادفة أن يكون هذا الوصف الذي قدمه جيمس وصفاً دقيقا للإدمان. كان جيمس يعرف الكثير عن السُّكر فقد كان شقيقه روبرتسون (بوب) يدخل ويخرج من مصحات السُكر لسنوات عديدة وقضى سنواته الأخيرة مع جيمس وزوجته. قد يفسر هذا الأمر أن بعض أكثر الروايات الشخصية الأكثر إقناعًا في أعمال جيمس عن الأنفس المنقسمة والأرواح المريضة التي تحوّلت لاحقًا قد أتت من أشخاص كانوا مدمنين للخمر. (قد يفسّر هذا أيضًا سبب أن بيل ويلسون، أحد مؤسسي منظمة Alcoholics Anonymous ، لمساعدة المدمنين على الكحول، كان مأخوذا بأعمال ويليام جيمس. فقد كان قادرًا على رؤية نفسه في هذه القصص، ونتيجة لذلك، استوعب تجربة التحول الخاصة به عندما أقلع عن الشرب بشكل نهائي في عام 1934.)
وبناء على ذلك يتتبع وصف جيمس معرفتنا بالإدمان. المرحلة الأولى من مرض العالم هي ما يمكن أن أسميه “اللذة المتضائلة”. فما كان يجلب الفرح أو المتعة من قبل أصبح يجلبه بشكل أقل وبدرجة أدنى الآن. لم يعد السُكر ممتعا بنفس القدر بالنسبة إلى المدمن. لم يعد الأمر كما كان ورغم ذلك سيستمر في البحث عنه.
المرحلة الثانية من مراحل مرض العالم هي مرحلة “المتعة المدمّرة”. المزيد والمزيد من الأشياء يُنظر إليها الآن على أنها تدمرت أو ينتهي الأمر معها إلى خيبات ويصبح التشاؤم هو الاستجابة الأكثر شيوعًا. ينمو التشاؤم على الرغم من أنه في هذه المرحلة لا يزال مرتبطًا بمواقف معينة في الحياة بدلاً من الحياة بأكملها. سيعتبر المدمن أي خيبة أمل سبب جديد للتعاطي. كلما أصبحت الأشياء أكثر خيبة للآمال، ازداد شعور المدمن بأن لديه أسبابًا تدفعه للتعاطي.
أفضل وصف للمرحلة الأخيرة من مرض العالم هذا هي “الكآبة المرضية”. تطوّر المرض في هذه المرحلة النهائية كبير. أولاً، لم يعد الشخص قادرًا على التعرف على الفرح والسعادة. تعاني المريضة من الكآبة والضيق في الحياة مما يجعلها غير قادرة على خلق أي فرحة لنفسها. المرحلة التالية هي الكآبة التي يولّد فيها الشخص كربًا حادًا على نفسه والعالم. في هذه المرحلة، يشعر الشخص بالاشمئزاز الذاتي والقلق الحاد. قد يقول جيمس إن كيان هذا الشخص بأكمله مختنق بهذه المشاعر. بشكل ملحوظ، لا ترى الإنسانة نفسها على أنها بلا معنى وبلا أهمية فقط، ولكنها كذلك ترى أن لا شيء في العالم يحمل معنى. تؤدي هذه الكآبة إلى نوع من اليأس المطلق بشأن الظروف الخاصة التي يعيش فيها المرء ومعنى الحياة بشكل عام. مع هذا اليأس، ستنتهي مأساة التوبة وجهود الإصلاح. سيستغرق الكثير من الطاقة ولا يستحق كل هذا العناء. لا شيء يستحق أي شيء.
يعاني الشخص الواقع في قبضة أسوأ حالات الكآبة من قلق مخيف بشأن الكون وكل ما فيه. في هذه المرحلة، يُحكم الذعر والرعب قبضته على الشخص تمامًا. يصف جيمس رجلاً اعترف أن “خوفًا مروعًا من وجوده الخاص” قد وقع عليه ذات ليلة. تذكّر الرجل فجأة مريضًا مصابًا بالصرع كان قد رآه في مصحة. كان جلده أخضر اللون وجلس “وكأنه نوع من القطط المصرية أو مومياء بيروفية، لا يحرك شيئًا سوى عينيه السوداوين ويبدو أنه غير بشري على الإطلاق. اختلطت هذه الصورة مع خوفي. هذا الشكل هو أنا، شعرت أنه احتمال… كنت استيقظ من نومي يوما بعد يوم بشعور مروّع في قاع معدتي، وبإحساس بانعدام الأمان في الحياة. إحساس لم أكن أعرفه من قبل، ولم أشعر به منذ ذلك الحين”. في رسالة إلى صديق بعد نشر كتابه “أشكال التجربة الدينية”، اعترف جيمس بأن هذه كانت تجربته الشخصية عندما كان شابًا. لقد سار هو نفسه إلى حافة الهاوية الفاغرة. يناقش الباحثون في سيرة وليام جيمس التاريخَ الدقيق لهذه الأزمة، ويحددها معظمهم في وقت ما عندما كان جيمس في أواخر العشرينات من عمره.
وكان نيتشه قد أدرك أنه “عندما تنظر طويلًا إلى الهاوية، فإن الهاوية تنظر إليك أيضًا”. كما أدرك كيركقارد أن بعض الناس كانوا أكثر خوفًا من القفز إلى تلك الهاوية مقارنة بخوفهم من السقوط فيها. فهم جيمس هذا الخوف ورأى إمكانية التحوّل “من خلال شغف نبذ الذات والاستسلام للقوة الأعلى”. بعد هذا التنازل يمكن للمرء أن يختبر “الحمى الحادة” للحياة الروحية.
قد تتسبب هذه المصطلحات “استسلام” و “قوة أعلى” و “عجز” بعدم الارتياح عند بعض الأشخاص (رغم أنها عبارات ومفاهيم أساسية في البرامج العلاجية المكونة من 12 خطوة في كل مكان). الاستسلام، بالمعنى الذي يعطيه جيمس للكلمة، يعني أن يكون المرء منفتحًا على احتمالات جديدة. الاستسلام هو التوقف عن التمسك بالمعتقدات الأساسية أو أجزاء من هوية المرء بشدة. عندما يخفف المرء قبضته، فإنه يجعل من الممكن حمل شيء – ولو بشكل مؤقت للغاية – في يديه. في حالة الشخص الذي تلاشت عنده قيمته الذاتية أو قيمة الإنسانية كلها، فإن الأمر يتعلق ربما بالانفتاح ولو قليلا على احتمال أنه يستحق القليل من الكرامة والاحترام. يمكن أن يكون الاستسلام محرّرًا ومرعبًا في نفس الوقت.
تعتمد أسئلة متى وأين وكيف المتعلقة بالاستسلام على حدود وعتبة بؤس كل شخص على حدة. لا يمكن للشخص الذي لديه حدود وعتبة منخفضة أن يعاني طويلاً ولذا فهو على استعداد لإجراء تغييرات. سيتمكن الآخرون من المعاناة الشديدة وعدم الاستسلام حتى لا يتبقى شيء يخسرونه. “القاع” لكل شخص هو النقطة التي لم يعد من الممكن فيها تحمّل البؤس.
قد يترك تعبير “القوة العليا” ربما المزيد من الناس في حالة من عدم الارتياح. إلا أن جيمس يستخدم المصطلح بطريقة مرنة. فهو يعترف بأننا “نحن المسيحيين” نطلق على هذه القوة الأعلى اسم “God”. ولكن لتوضيح ما يسميه “القوة العليا والصديقة”، يستخدم جيمس وصف هنري ديفيد ثورو للسير في الضباب اللطيف في بركة والدن. كتب ثورو، “كل إبرة صنوبر صغيرة تتسع وتتضخم بشيء من التعاطف معي وتصادقني.” يمكن أن تكون القوة العليا هي الطبيعة أو المبادئ الأخلاقية أو الوطنية أو الشعور بالزمالة أو حسن النية تجاه الآخرين. بالنسبة للبعض، القوة الأعلى هي “الحماس للإنسانية”. قد يقول جيمس أن كل واحدة من هذه المبادئ تأخذ الشخص خارج ذاته وتربطه بالآخرين، وبالتالي يمكن أن تكون قوة أعلى.
من السهل تحديد الطرق التي اشتعلت بها “الحمى الحادة” لدى القديسين المسيحيين الذين شاركوا في كل أنواع أعمال القضاء على الذاتية. لكن ليس من السهل تحديدا ذات الأمر عند شخص استسلم واعتنق قوة أعلى فيما يتعلق بسلوكياته التي تسبب الإدمان. ومع ذلك، فإن هناك توحيد للذات المنقسمة سابقًا. غالبًا ما يرى الأشخاص الذين يعرفون المدمنين وهم في مراحل التعافي هذا التوحيد قبل المدمن نفسه. يتمتع الشخص المصاب بحمى التعافي من الإدمان بصلابة ذهنية وشخصية. يصبح لديه معتقدات ومبادئ واضحة وتصرفات نابعة منها. لديها أيضًا استقرار يتم تحقيقه والحفاظ عليه من خلال الحفاظ على علاقات مختلفة مع الأقارب والأصدقاء متوافقة مع التاريخ الشخصي والالتزامات والأهداف والمعتقدات. كل هذه الأمور تساعد على الحفاظ على الآخرين. أخيرًا، الإنسانة التي تحترق بحمى الرصانة الحادة تحقق توازن مهم في حياتها. تستطيع أن تحقق التوازن بين القوى المتعارضة، بعضها تحت سيطرتها والبعض الآخر ليس كذلك.
لا يملك أي منا حصانة من المعاناة. ولكن الحمى الحادة تحوّل حياة الإنسان بحيث تكون الدراما والفوضى واليأس، كما يقول جيمس، “ممزقاً كخيوط العنكبوت ومتبدّداً كالفقاعات”. وهذا يعني، كما سيقول جيمس، أن الأمل والفداء ليسا أقل تعبيرا عن الشرط الإنساني.
الكاتبة: أستاذة في كلية Gustavus Adolphus في سانت بيتر ، مينيسوتا. وقد ألقت مؤخرًا سلسلة من المحادثات حول الفلسفة والإدمان في Vila Serena في السلفادور ، البرازيل ، و Jaywalker Lodge في كاربونديل ، كولو.
المُترجم: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
المراجعة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
The Light at the End of Suffering
Peg O’Connor
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
