2025-12-18

١٢ يونيو ٢٠١١
نادرا ما يحدث، ولكن عندما يحدث يسبب ضجة بلا حدود. يجذب انتباه الجميع ويصبح موضوعًا شائعًا للمناقشة والجدل في الأسواق والحانات. يدفع الناس إلى الانحياز إلى طرف دون الآخر. يدفعهم للشجار والقتال، وهو أمر لافت بالنسبة للأمور الفلسفية. حدث ذلك لسقراط، وهيباتيا ، وتوماس مور، وجوردانو برونو، ويان باتوتشكا وغيرهم. بسبب حكم الإعدام النهائي أو الإعدام الوشيك من قبل الغوغاء أو التعذيب حتى الموت، وجد هؤلاء الفلاسفة أنفسهم في أكثر المواقف تناقضًا: عشاق المنطق والحجج العقلانية تم إسكاتهم بالقوة الغاشمة؛ صناع الخطابات المحترفين ممنوعون من استعمال الكلمة؛ سادة الجدل والتناقض لا يستطيعون أن يجادلوا الآن. ماذا بقي من هؤلاء الفلاسفة إذن؟ فقط صمتهم، وجودهم الجسدي المطلق. الوسيلة الوحيدة للتعبير المتروكة لهم، أجسادهم – وأجسادهم المحتضرة في ذلك الوقت.
هذا الحال يتضمن مفارقة. إنها عادة قديمة بين الفلاسفة من مختلف المشارب والمعتقدات أن يظهروا احتقارًا معينًا للجسد. تقليديا، في الفلسفة الغربية على الأقل، كان الجسد، مع استثناءات قليلة، يُنظر إليه على أنه أدنى من العقل أو الروح أو النفس. عالم “الجسد”، مجال ما لا نفهم، الغرائز العمياء والدوافع غير النظيفة. وها هم الفلاسفة المدانون: عاجزون عن الكلام، مع أجسادهم المحتضرة فقط للتعبير عن أنفسهم. يمكن للمرء أن يسخر قائلا بأن الجسد قد حصل أخيرًا على فرصته للانتقام من الفلاسفة.
لكن كيف وصل الفلاسفة إلى هناك في المقام الأول؟ يحدث أن يعلن ويمارس بعض الفلاسفة أفكاراً معينة تجبرهم على أن يعيشوا بطريقة معينة في الحياة. إلا أنه في بعض الأحيان يقودهم أسلوب حياتهم إلى موقف يتعين عليهم فيه الاختيار بين البقاء مخلصين لأفكارهم أو التخلي عنها تمامًا. يُترجم الأول إلى “الموت في سبيل الأفكار”، في حين أن الأخير لا يتضمن عادةً إدانة أسلوب حياة هذا الفيلسوف فحسب، بل يتضمن أيضًا، ضمنيًا، إبطال الآراء الفلسفية التي ألهمت أسلوب حياته هذا. يبدو أن هذا هو أصعب الخيارات. بعبارات أبسط، يتلخّص الأمر في المعضلة التالية: إذا قررت أن تظل مخلصًا لآرائك، فلن تبقى حيًا بعد ذلك. سيكون موتك هو فرصتك الأخيرة لوضع أفكارك موضع التنفيذ. من ناحية أخرى، إذا اخترت “خيانة” أفكارك (وربما نفسك أيضًا)، فإنك تظل على قيد الحياة، ولكن بدون معتقدات يمكنك العيش وفقًا لها.
موقف الفيلسوف الذي يواجه مثل هذا الاختيار يسمى عادة بـ “الموقف الحدّي”. ومع ذلك، فإن هذا الحدّ لا يخصّ الفيلسوف المعني بالموقف فقط بل ما هو أهم أن هذا هو حد الفلسفة نفسها. عتبة تواجه الفلسفة عندها آخرها (كل ما ليس فلسفة) وفي هذه العملية، يتم وضع الفلسفة موضع الاختبار.
قبل وقت طويل من مواجهته لمثل هذا الاختيار من خلال المساعي الحميدة للشرطة السياسية التشيكوسلوفاكية في عام 1977، ربما كان يان باتوتشكا قد حدس هذا الحد عندما قال إن “الفلسفة تصل إلى نقطةٍ حيث لم يعد من الكافي طرح الأسئلة والإجابة عليها بالقوّة القصوى للسؤال والجواب، نقطةٍ حيث لن يتقدم الفيلسوف إلى أبعد من ذلك ما لم يتمكن من اتخاذ قرار.”[i] مهما كان معنى هذا القرار في سياقات أخرى إلا أن تطبيقات فكرة باتوتشكا لهذا القرار واضحة تماما. هناك نقطة يجب أن تتحول الفلسفة بعدها إلى شيء آخر: يجب أن تتحول إلى أداء. يجب أن تجتاز اختبارًا في أرض أجنبية، في منطقة ليست تابعة لها. ذلك أن الاختبار النهائي لفلسفتنا لا يحدث في مجال الإجراءات العقلانية الصارمة (الكتابة، التدريس، إلقاء المحاضرات)، ولكن في مكان آخر: في المواجهة الشرسة مع موت الحيوان الذي نحن عليه. تظهر قيمة فلسفة المرء نفسه، إن كانت موجودة، في الأداء الحي للقاء المرء مع موته. هذه هي الطريقة التي نكتشف بها ما إذا كان لها جوهر أم أنها بلا جدوى. أخْبِرْني كيف تتعامل مع خوفك من الفناء، وسأخبرك عن فلسفتك.
علاوة على ذلك، يعد الموت حدثًا مرعبًا، والخوف منه شعور مشترك بين كل الثقافات؛ لدرجة أن الترحيب بالموت عن طريق الإخلاص لأفكار المرء هو أمر يسحر ويقلق في نفس الوقت. أولئك الذين يفعلون ذلك يحظون بهالة من الانتخاب الخارق، من امتياز يكاد يكون غير إنساني يدعو الكل للوقوف أمامهم في رهبة. يأتي مع هذه الهالة أيضًا شكل معين من القوة. لهذا السبب، على سبيل المثال، فإن التضحية بالنفس (التي يُقصد بها الاحتجاج السياسي) يمكن أن يكون لها آثار اجتماعية وسياسية مدمرة، كما رأينا مؤخرًا في تونس، عندما أضرم محمد البوعزيزي البالغ من العمر 26 عامًا النار في نفسه. وهذا هو السبب أيضًا في أن موت هؤلاء الفلاسفة الذين يختارون الموت من أجل فكرة ما سيُنظر إليه قريبًا على أنه جزء أساسي من عملهم. في الواقع، غالبًا ما تصبح وفاتهم أكثر أهمية بكثير مقارنةً بحياتهم. لماذا يعتبر سقراط شخصية مهمة ومؤثرة؟ في الغالب بسبب طريقة وفاته وظروفها. ربما لم يؤلف كتابًا أبدًا، لكنه صنع واحدة من أشهر النهايات على الإطلاق: نهايته الخاصة. أي نص فلسفي سوف يتضاءل بالمقارنة بها. ولم تنج كتابات هيباتيا. ومع ذلك، فإن الأداء الرائع، وإن كان سلبيا، لوفاتها في أوائل القرن الخامس لم يتوقف عن إبهارنا. تروي الباحثة الحديثة، ماريا دزيلسكا، كيف ساعدها بعض المسيحيين المتحمسين في الإسكندرية، بتحريض من البطريرك كيرلس (الذي قدّسته الكنيسة لاحقًا)، على الانضمام إلى التقليد السقراطي للموت:
“نفّذ الغوغاء المهمّة في أحد أيام مارس سنة 415 من الميلاد، في القنصلية العاشرة لهونوريوس والقنصلية السادسة لثيودوسيوس الثاني، خلال الصوم الكبير. كانت هيباتيا عائدة إلى منزلها من مشوارها المعتاد للمدينة. تم سحبها من المركبة وجرّها إلى الكنيسة في قيصريون … وهناك مزقوا ملابسها وقتلوها “بقطع مكسّرة من الفخّار” … ثم نقلوا جسدها خارج المدينة إلى مكان يُدعى كينارون، ليحرقوه على محرقة من العصيّ.” [ii]
تعتبر إحدى روايات وفاة جيوردانو برونو بليغة بشكل خاص. ويذكر من وثائق ذلك الزمان في التاسع عشر من فبراير ١٦٠٠ للميلاد “يوم الجمعة أحرقوا أحياءً في كامبو دي فايوري ذلك الأخ الدومينيكي من نولا، الزنديق العنيد؛ تم تثبيت لسانه بسبب الأشياء الفظيعة التي كان يقولها، وكان غير راغب في الاستماع إلى معزيّيه أو لأي شخص آخر “[iii]
لا يكاد يكون هناك توضيح أفضل لما يمكن أن يعنيه “إسكات الخصم” من هذه القصة. ليس لدي أي شيء ضد المقام المقدس، باستثناء أنهم في بعض الأحيان يميلون إلى أخذ الأمور قليلاً بشكل حرفي.
من المسلم به أن “الموت من أجل فكرة” بهذه الطريقة أمر نادر الحدوث. من حسن الحظ أن الفلاسفة لا يُقتلون بشكل منتظم. لكني أسارع إلى الإضافة: أن ندرة هذه الأحداث لا يجعل منها حالات افتراضية. هذه الأمور حدثت وستحدث مرة أخرى. بمعنى ما، فإن إمكانية موت المرء من أجل أفكاره تكمن في قلب التعريف الغربي للفلسفة. عندما صرح سقراط لأفلاطون في محاورة فيدو أن الفلسفة ممارسة مكثفة للموت فلم يكن يعني أن هدف الفلسفة يجب أن يكون مساعدتنا على التعامل بشكل أفضل مع فناءنا فقط ولكن أيضًا أن من يمارس الفلسفة يجب أن يفهم المخاطر المرتبطة بتلك الممارسة. في نهاية الأمر يأتينا هذا التعريف للفلسفة من شخص محكوم عليه بالإعدام بسبب الأفكار التي أعرب عنها وهو على بعد ساعات قليلة من إعدامه. ربما يبدو أن الدرس هنا هو أن كونك فيلسوفا يعني أكثر من مجرد الاستعداد “لتحمل” الموت ، وقبوله بشكل سلبي في وقت غير محدد. قد يتطلب الأمر أيضًا أن يستفز المرء موته لمواجهته بطريقة ما في منتصف الطريق. هذا إتقان الموت. تُفهم الفلسفة أحيانًا على أنها “فن للعيش”، وهي محقة في ذلك. ولكن هناك أسباب وجيهة للاعتقاد بأن الفلسفة يمكن أن تكون “فنًا للموت” أيضًا.
“الموت في سبيل فكرة” هي مادة الاستشهاد – “الاستشهاد الفلسفي”. ولكي يكون الاستشهاد ممكناً، فإن موت المرء، مهما كان مذهلاً، لا يكفي. الموت هو مجرد نصف المهمة. النصف الآخر ينسج رواية جيدة عن الاستشهاد ويجد له جمهورًا. سيكون موت الفيلسوف عبثًا بدون الراوي المناسب، وكذلك الضمير المذنب للجمهور المتلقي. يمكن لهذا الشعور الجماعي بالذنب أن يصنع العجائب لسرد حكاية الاستشهاد الموشكة على الظهور. لقد كتبتُ في مكان آخر عن أهمية رواية القصص والذاكرة الجماعية لبناء الاستشهاد السياسي. ينطبق الكثير من الشيء نفسه على الفلاسفة الشهداء. بمعنى ما، يكفّون عن أن يكونوا بشرًا من لحم ودم ويعاد تشكيلهم في شخصيات أدبية من نوع ما. إذا كان لقصصهم أن تكون فعالة، فيجب أن تتبع قواعد معينة، وأن تتناسب مع نوع معين، وأن تستجيب لاحتياجات معينة. بالتأكيد، هناك المؤرخون الذين يسعون دائمًا إلى إثبات “الحقائق”. ومع ذلك – وبغض النظر عن أن كتابة التاريخ، كما أوضح هايدن وايت منذ زمن طويل، هي في حد ذاتها شكلٌ من أشكال الأدب – نادرًا ما تتمكن “الحقائق” غير الملائمة من تحدي الروايات التي تهيمن على الوعي الشعبي.
لعب كتّاب عصر التنوير، ومن ثم البحث النسوي في القرن العشرين، دورًا رئيسيًا في “جعل” هيباتيا الفيلسوفةَ الشهيدة. فَعَلَ عددٌ لا يحصى من الكتاب المناهضين لرجال الدين والمفكرين العامين الشيءَ نفسَه مع برونو، كما فعل فاتسلاف هافيل مع باتوتشكا. ومع ذلك، فإن صانع الشهداء الأكثر نفوذاً بلا مقارنة هو أفلاطون. لم يقتصر الأمر على جعل سقراط نموذجًا للفيلسوف الشهيد، بل ابتكر هذا النوع من الأدب. في عرض أفلاطون لحالة سقراط، لدينا تقريبًا جميع مكونات أي سرد جيد للشهادة: بطل الرواية الذي، بسبب التزامه بحياة الفضيلة والبحث عن الحكمة، يخالف مجتمعه و استعداده للموت من أجل فلسفته بدلاً من قبول إملاءات جمهور ضال وكذلك بيئة سياسية معادية تتسم بالتعصب وضيق الأفق كما تصاعدت حالة الأزمة إلى سلسلة من الأحداث الدراماتيكية وصولاً إلى الذروة في شكل محاكمة علنية والمواجهة مع الحشد المحموم؛ وأخيراً موت البطل البطولي، وإن كان غير عادل، لَحِقَهُ التمجيد.
أبعد من ذلك يمكن القول إن كتابات أفلاطون قد شكلت على ما يبدو السلوك الفعلي للأشخاص الذين يواجهون خيارًا مشابهًا لخيار سقراط. عندما قال توماس مور، على سبيل المثال، قبل أن يفقد رأسه بفترة وجيزة، “أموت خادم الملك الصالح، ولكن خدمة الله هي الأولى”، كان يشير بوضوح إلى كلمات سقراط أثناء محاكمته، كما ورد في هذا المقطع من الاعتذار: “أيها السادة، أنا خادمكم شديد الامتنان والمخلص، لكني مدين بطاعة لله أكبر من طاعتكم.”
لا يمكن لهؤلاء الفلاسفة أن يموتوا دون إعطاء مراجع علمية مناسبة! تمامًا كما كان يقول فإن مور هذا يجب أن يكون لديه لمحة مفاجئة عن أن ما كان على وشك القيام به لم يكن حقيقيًا كما كان يود أن يكون؛ كما لو أن شيئًا ما “غير واقعي” – عالم الخيال والكتب التي قرأها – قد تسلل الآن إلى فعل الموت. بالتأكيد، الموت بحد ذاته تجربة حقيقية وحشية، وربما الأكثر وحشية على الإطلاق. ومع ذلك، أخشى أن مور كان على حق: الموت من أجل فكرة لا يأتي أبدًا في شكل خالص. يأتي دائمًا كجزء من الواقع وكجزء من الخيال (بنسبة غير معلنة). مثل معظم الأشياء في الحياة.
[i] مقتبس من Eda Kriseová. “Václav Havel.” Trans. Caleb Crain (New York: St Martin’s Press, 1993), p. 108.
[ii] Dzielska, Maria. “Hypatia of Alexandria.” Trans. F. Lyra (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1995), p. 93.
[iii] Firpo, Luigi. “Il Processo di Giordano Bruno” (Salermo Editrice: Roma, 1998), p. 355-6
الكاتب: أستاذ مساعد في كلية التشريفات بجامعة تكساس التكنولوجية وهو مؤلف كتاب “The Other Bishop Berkeley. An Exercise in Reenchantment” ويعمل حاليا على كتابة كتاب عن الفلاسفة الشهداء.
المترجم: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
المترجم: فيلسوف، عضو جمعية الفلسفة السعودية، من مؤلفاته: ١- الفلسفة بين الفن والأيدلوجيا، ٢- قراءات في الخطاب الفلسفي، ٣- الوجود والوعي، ٤- الهرمنيوطيقا (ترجمة).
Philosophy as an Art of Dying
Costica Bradatan
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
