2026-03-26

١٣ مايو ٢٠١٢
*ملاحظة: العبارات داخل الأقواس المتبوعة بعلامة يساوي (= ….) هي من إضافات المترجم لإيضاح العبارة السابقة عليها.
هناك فكرة لدى الفلاسفة والمناطقة حول وظيفة المنطق في حياتنا المعرفية وفي تساؤلاتنا ونقاشاتنا. إنه ليس “لاعباً”، إنما هو بالأحرى “حكَم” يفصل بين النظريات المتعارضة، ويفرض على كل طرفٍ قواعدَ أساسيةً. الفكرة هي أن المنطق ليس له محتوى مادي أو معرفي، وإلا لكان محتواه عرضةً للنقاش (= كأي محتوى آخر)، مما سيضر بحيادية المنطق. وإحدى صور هذه الفكرة هي أن المنطق لا يقدم معلومات من عنده، لأن هدف المعلومات هي إبعاد الاحتمالات (= من خلال تأكيد معلومة ونبذ البقية)، أما المنطق فهدفه إبعاد التناقضات فقط، والتي لا تعد معلومات بالمعنى الأصلي للكلمة. في ضوء هذه الفكرة إذن المنطق ليس معلوماتياً (= لا يقدّم معلومة أو معرفة جديدة)، رغم أنه يساعدنا على استخراج ومعالجة المعلومات غير المنطقية من مصادر أخرى.
هذه الفكرة التي تقول إن المنطق لا يقدم معرفة (= لا يزيد من معرفتنا بالعالم) صادمة لي لأنها خطأ واضح، وسوف أبين ذلك. لكن لن يكون غريباً عندما ينظر المرء في الأمثلة الأولية للمنطق ذي القيمة المعرفية، مثلاً هو يؤدي إلى توسيع معرفتنا وذلك عبر استنباط نتائج منطقية مما نعرف مسبقاً. إذا كنتَ تعرف أن القاتل واحداً من اثنين إما ميري أو مارك (بافتراض أنهما الوحيدان اللذان يستطيعان الوصول لمكان الجريمة وقت وقوعها)، ثم تحققتَ من أن ماري كان لديها حجة غياب قوية، فسوف تعرف أنها لم ترتكب الجريمة، وتستنبط بالتالي أن مارك هو القاتل. المنطق أيضاً يساعدنا في إدراك أخطائنا وذلك عندما نكتشف أن اعتقاداتنا تنطوي على تناقض. إذا كنتُ أعتقد (أنه لا يوجد سياسي صادق)، و(أن جون سياسي)، و(أنه كذلك صادق)، فإني سأعرف أن أحد هذه الثلاثة اعتقادات غير صحيح، رغم أن المنطق لا يخبرني ما هو هذا الاعتقاد الخاطئ بالضبط.
قوة المنطق تزداد وضوحاً عندما ندرِج هذه الخطوات الأولية في سلاسل استدلالية أطول، وبالمقابل سوف تصبح فكرة أن المنطق غير معرفي أو لا يقدم معرفة غير مقبولة. علماء الرياضيات يقدمون لنا أمثلة أكثر قوة، حيث إن كل نظريات الرياضيات مشتقة كلياً من بديهيات بسيطة وذلك عبر سلسلة من الاستدلال قد يمتد بعضها إلى مئات الصفحات، رغم أن الرياضيين لا يتجشّمون بالضرورة عناء تحليل براهينهم إلى تلك الخطوات الأولية.
على سبيل المثال، كانت مبرهنة الأخيرة قد بُرهِن عليها من طرف أندرو وايلز وآخرين بعد أن عذّبت الرياضيين كنظرية لا تقبل الحال على مدى ما يربو على الثلاثة قرون. إن معرفة ما المسلمات الرياضية التي لا بد من إيجاد برهان لها يتضح بالتدريج، لكن لأغراض مناقشتنا هنا ما يهمنا هو الاكتفاء بالمسلمات المقبولة. مما يكشف عنه البرهان هو أن المنطق الخالص يبيّن لنا فعلاً أن تلك المسلمات كانت تفترض نظرية فيرما الأخيرة. فإذا قلنا إن المنطق غير معرفي أو لا يقدم معرفة جديدة، فماذا نسمي ما قدمه المنطق هنا عندما كشف لنا أن المسلمات الرياضية المقررة تتضمن مبرهنة فيرما الأخيرة؟ أليس لهذا محتوى معرفي؟ إنه ليس مجرد محتوى معرفي وحسب، إنه أكثر الاكتشافات إثارة منذ عقود. إذا كانت فكرة أن المعلومات تستبعد الاحتمالات لا يمكن أن تعالج معرفية المنطق، فإن المشكلة هي مشكلتها، وليست مشكلة المنطق.
علاوة على فكرة عدم معرفية المنطق، فإن فكرة حيادية المنطق لا تصمد للنقاش عندما نفحصها جيداً، لأسباب مماثلة. مبادئ المنطق نفسها عرضة للنقاش، مثلها مثل مبادئ أي علمٍ آخر. على سبيل المثال، أحد أهم مبادئ المنطق وهو مبدأ الثالث المرفوع (= أو الوسط المطرود) وينص على أن الشيء إما أن يكون صواباً أو يكون خطأً (= ولا خيار ثالث). فنقول مثلا: إما أن السماء تمطر الآن أو أنها لا تمطر. فلاسفة كثر، وغيرهم، رفضوا هذا المبدأ لأسباب متنوعة. البعض يرى أنه يفشل في المسائل الضبابية (التي لا حدود واضحة لها)، مثلاً عندما تنزل قطرات قليلة (= فهل نقول إنها تمطر أم لا؟)، والمنطق الذي يدرسها هو ما يسمى اليوم بالمنطق الضبابي (= وضع أصوله الرياضي الأذربيجاني لطفي زادة وهو منطق متعدد القيم). والبعض الآخر الذين يرفضون مبدأ الثالث المرفوع يرون أنه يفشل في تطبيقه على حوادث المستقبل العرَضية، مثل: هل سوف تظل في نفس الوظيفة أم لا في السنة القادمة؟ من جهة أخرى، يعتقد الكثير من الفلاسفة – وأنا منهم- أن هذا المبدأ يستطيع الصمود أمام هذه الشكوك أو التحديات. مع ذلك، وعلى أي جانب تميل، فإن النظريات المنطقية هي “لاعب” في تلك النقاشات وليست “حكماً محايداً”.
هناك نقاش آخر تظهر فيه النظريات المنطقية على أنها “لاعب”، تتعلق بنبذ التناقضات. معظم المناطقة يقبلون بذلك (أي بدور المنطق في إزالة التناقضات)، لكن بعضهم، وخاصة أصحاب المنطق المزدوج (dialetheists) يرفضونه. إنهم يعالجون بعض المعضلات كما لو أنها ثقوب سوداء في المنطق، وفيها يمكن للتناقضات أن تكون صحيحة وخاطئة معاً (= ولهذا يعد منطقاً مزدوجاً يقبل أن تكون العبارة “س” صادقة وكاذبة معاً في بعض الحالات).
وثمة نقاش آخر مغاير يتعلق بالمنطق الكمومي. المنطق التقليدي المعياري ينطوي على مبدأ التوزيع، وفيه نساوي بين العبارة (“س” وَ إما “ص” أو “ع”) والعبارة (إما “س” وَ”ص” أو “س” وَ”ع”). <وحرف “وَ” هو واو العطف الذي يعني المعيّة>. وفي عالَم ميكانيكا الكم، نجد فكرة مثيرة للجدل تعارض مبدأ التوزيع. مثلاً، بما أنه لا يمكننا في وقت واحد ملاحظة المسار الذي يتخذه الجُزَيءُ وكذلك موقعَه، فإن الجزيء يمكن أن يتجه يساراً بحيث إما أن يكون في مكان معطى، أو لا، من دون أن يتجه يساراً ويكون في ذلك المكان أو يتجه يساراً ولا يكون في ذلك المكان. رغم أن هذه الفكرة لم تقدم لأصحابها ما كانوا يأملونه من حل لألغاز ميكانيكا الكم، إلا أنها من جانب آخر أثبتت لنا أن النظريات المنطقية “لاعب” وليست “حكماً محايداً”.
بأية حال، أعتقد أن المنطق المعياري يمكن له مقاومة تلك التحديات. الفكرة هي أن كل من هذه التحديات قدّمها بشكل جدّي مناطقة خبراء (رغم قلّتهم) ويناقشونها بشكل عقلي. ومع أن جهوداً كثيرة بذلت لإعادة تفسير تلك النقاشات والجدالات بوصفها سوء فهم بين طرفين يتكلمان لغتين مختلفتين، فإن تلك الجهود لا تعي قوة اللغة التي تعمل كأفقٍ للنقاش، أفقٍ تعبّر فيه الآراء المتصارعة العميقة عن نفسها. المنطق ليس منطقة خالية من الجدالات. إذا التزمنا بمبدأ عدم النقاش والجدال، فلن يبقى هناك شيء نقوله. كما في بقية العلوم، ليس هناك مبدأ فوق التحديات. وهذا لا يعني أننا لا نعرف شيئاً. الفكرة هي إنك عندما تعرف شيئاً فإن هذا لا يعني أنه لا أحد يمكن أن يحاججك أو يشك فيما تعرف.
بالطبع، سنقع في مأزق إذا لم نتفق على أي شيء في المنطق. لحسن الحظ، هناك اتفاق بيننا في المنطق لأغراض عديدة، لكن لا شيء في طبيعة المنطق ذاته يضمن تلك الاتفاقات. ربما نقول إن ما يميز المنطق منهجياً ليس أن مبادئه ضعيفة، بل أنها قوية جداً. إنها مصاغة بشكل كليّ عمومي بحيث إنْ تصدّعت تلك المبادئ، فإن ذلك سيكون حدثاً سيئاً يسهل علينا ملاحظته، لأن الأمثلة المضادة لها بسيطة. إذا رغبنا في تحديد ما يميز أصالة المنطق، فينبغي علينا التغاضي عن مشابهته لبقية العلوم (= أي مشابهته لها في احتمالية نتائجها وفي عدم حياديتها أو موضوعيتها-؛ ففي العصر الحديث، لم تعد العلوم ذات موضوعية صارمة، كما ظهر ذلك واضحاً في فيزياء الكم والنسبية وسواهما).
الكاتب: أستاذ وايكهام للمنطق في جامعة أكسفورد، وزميل في الأكاديمية البريطانية، وعضو فخري أجنبي في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم. وقد شغل منصب أستاذ زائر في معهد ماساتشوستس للتكنلوجيا (MIT) وجامعة برينستون. ومن كتبه” “المعرفة وحدودها” (٢٠٠٠) و “فلسفة الفلسفة” (٢٠٠٧) وآخرها “المنطق المعياري بوصفه ميتافيزيقا”، والمقرر نشره العام المقبل.
المترجم: فيلسوف، عضو جمعية الفلسفة السعودية، من مؤلفاته: ١- الفلسفة بين الفن والأيدلوجيا، ٢- قراءات في الخطاب الفلسفي، ٣- الوجود والوعي، ٤- الهرمنيوطيقا (ترجمة).
المُراجعة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
Logic and Neutrality
Timothy Williamson
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
