2025-12-28

٢٥ يوليو ٢٠١٠
في مقال مؤثر حول علم الأعصاب على موقع آنيول ريفيو Annual Review للمراجعات العلمية الشاملة، لخَّص جوشوا جولد من جامعة بنسلفانيا ومايكل شادلين من جامعة واشنطن بعض التجارب التي تهدف إلى اكتشاف الأساس العصبي لعملية اتخاذ القرار. في إحدى التجارب، أوصلت أجهزة الاستشعار الخاصة بالتعرف على النمط البصري بأجزاء من أدمغة القرود. ثم دُربتْ القرود على استجابة محددة لإشارة معينة من خلال الالتفات بنظرهم إلى شيئين محددين. تمكنت أجهزة الحاسب الآلي الموصولة بأجهزة الاستشعار من تسجيل قرار القردة في جزء من الثانية قبل أن يتحول نظرهم إلى الشيء المُختار. ونظرًا لأن ردة فعلها اقتصرت على التفاعل مع المحفزات البصرية، فقد خلص الباحثون إلى الادعاء بشكل معقول أن الحاسب الآلي تمكن من التنبؤ بدقة بردة فعل القردة. بعبارة أخرى، إن الحاسب الآلي قرأ عقول القرود وعرف قرارهم قبل أن ظهور أي فعل منهم.
أُستنتج فورًا أنه إذا تمكن الباحثون نظريًا من التنبؤ بما سيقرره البشر قبل أن يعرفوها، فما الذي سيتبقى من فكرة حرية الإنسان؟ وبأي معنى يمكننا القول إن البشر أحرار إذا تمكن أحدهم من معرفة قراراتهم قبل أن يتخذوها هم بأنفسهم؟
قد تبدو هذه النوعية من الأبحاث مخيفة. يعتقد الكثير أن الأشخاص الخاضعين للاختبار سيُسلب شيءٌ أساسي من إنسانيتهم إذا كشفت التجربة عن الطبيعة الزائفة لحرية الإنسان.
إذا تمكنت الآلة أن تخبرني بما أنا على وشك أن أقرره قبل أن أقرره، فهذا يعني، بمعنى ما، أن القرار قد اتخذ بالفعل قبل أن أشاركه بوعي. وعليه والحال كذلك، فكيف لي أن أكون، كمكلَّف أخلاقي، مسؤولاً عن أفعالي؟ فإذا كنت، على أعتاب اتخاذ قرار أخلاقي مهم، وعرفت أن قراري قد اتخذ بالفعل في الوقت الذي اعتقدت فيه أنني مازلت في مرحلة تخير القرار، ألا يقوض هذا مسؤوليتي عن هذا الاختيار؟
قد يرى البعض أن مقاومة مثل هذه النتائج تكشف عن تحيز ديني. مع ذلك، فالقدرة على اتخاذ القرار بوعي تُعد ضرورية في العديد من الأديان وهي متعلقة بفكرة أن البشر كائنات روحية، فبدون حرية الاختيار، يغدو الشخص ترسًا في آلة الطبيعة؛ فمع تحديد الفعل والاختيار مسبقًا، ستبدو فكرة الأخلاق ومعنى الوجود الشخصي في حالة يرثى لها في نهاية المطاف.
استغرق اللاهوتيون وقتًا طويلاً في اجترار مسألة الحتمية. وقد عالجت الكاثوليكية لمسألة اللاهوتية الثيوديسي Theodicy، أي تبرير وجود الشر في عالم يحكمه إله خيِّر وقادر على كل شيء، بتفقيه المؤمنين بأن الله قد خلق البشر بإرادة حرة، ولأن الشر موجود فالبشر أحرار في الاختيار بين الخير والشر؛ وبالتالي يُصبح اختيار الخير له معنى. كما أقر اللاهوتيون في مجمع ترنت المسكوني التاسع عشر (١٥٤٥م-١٥٦٣م)، أن حرية الإرادة ضرورية للإيمان المسيحي، ومن الكفر الاعتقاد بخلاف ذلك. وعليه فقد عارض اللاهوتيون البروتستانت مثل لوثر وكالفن، وهم المقصودون ببيان ترنت، هذه الفكرة على أساس علم الله المطلق. واحتجوا بأنه إن كانت قدرة الله على المعرفة غير محدودة حقًا، فستكون معرفته بالمستقبل واضحة وكاملة كمعرفته بالحاضر والماضي. وعليه فإن الله سيعرف مسبقًا ما فعله كل واحد منا، وما يفعله، وما سيفعله في كل لحظة من لحظات حياتنا. فكيف، إذن، يمكن أن نكون أحرارًا حقًا؟
على الرغم من أن هذه المقاومة للنموذج الحتمي للسلوك البشري هي مقاومة دينية، إلا أن المرء يمكن أن يصل إلى الاستنتاجات نفسها من منظور علمي. في الواقع، عندما يواجه الدين العلم حول مسألة حرية الإنسان، فغالبًا ما ينتهي بهما الأمر إلى الالتقاء في أرضية متشابهة بشكل ملحوظ لأن العلم والدين يبنيان افتراضاتهما على فهم متطابق للعالم كشيء يمكن معرفته جوهريًا، إما معرفة إلهية أو بشرية.
لأشرح ما أعنيه بمثال. تخيل أننا نعلق بقوة المغناطيس كرةً فولاذية مباشرةً فوق لوح فولاذي منتصب عموديًا، بحيث عندما نعطل القوة المغناطيسية، ستهوي الكرة وتضرب حافة اللوح وتسقط على أحد جانبيه.
قلة قليلة، بعد قبول فرضيات هذه التجربة، من سيستنتج أن ما سيحدث للكرة المعنية هو تمظهر للإرادة الحرة. سواء سقطت الكرة على جانب أو آخر من اللوحة الفولاذية، سنتفق جميعًا وبشكل مريح، إن ذلك كان نتيجة للقوى الفيزيائية التي تؤثر في الكرة، تلك القوى البسيطة والمعقدة والدقيقة التي لا يمكننا مراقبتها. ومع ذلك، ليس لدينا مشكلة في افتراض أن العكس هو الصحيح في تجربة القرود على البشر النظريين: أي أنه نظرًا لأن أفعالهم يمكن التنبؤ بها، فيمكن افتراض أنها تفتقر إلى الإرادة الحرة. بعبارة أخرى، ليس لدينا سبب مقنع لافتراض أن إمكانية التنبؤ أو الافتقار إليها له علاقة بالإرادة الحرة. وحقيقة الأمر أن هذا الارتباط لا يتعلق بالتجارب ذاتها بقدر ما يتعلق بنموذج العالم الذي ننقله لا شعوريًا إليها، ولهذا السبب نشكل هذا الارتباط.
يرى النموذج المعني أن الكون موجود ضمن المكان والزمان كنوع من الشفرة التامة النهائية القابلة للفك. هذه الصورة للكون لها مصدر فلسفي وديني، كما شقت طريقها إلى المعتقدات والممارسات العلمانية أيضًا. ففي مسألة حرية الإنسان، يعمل افتراض «شفرة الشفرات» هذا من خلال إقناعنا بأن التنبؤ بطريقة ما هو في حد ذاته فك لترميز شفرة ما أو شفرة لمستقبل موجود مُسبقًا على شكل قانون. لذلك، مثلاً، عندما تقرأ أجهزة الحاسب الآلي الإشارات القادمة من أدمغة القرود وتتنبأ بها، فإن الإيمان بفكرة “شفرة الشفرة” يؤثر على تفسيرنا لهذا الحدث. فبدلاً من تفسير التنبؤ، ببساطة، على أنه ما هو عليه: بيان يخص العملية العصبية التي تؤدي إلى تصرفات القرود، سنستنبط أنه متعلق بمستقبل مفترض، كما لو أنه كان مكتوبًا بالفعل، وكل ما فعلناه هو قراءته.
في رأيي، الفيلسوف الذي أعطى الإجابة الأكثر اكتمالاً على هذا السؤال هو إيمانويل كانط. فمن وجهة نظره، كان الخطأ الرئيسي الذي ارتكبه الفلاسفة قبله عند التفكير في كيفية حصول البشر على معرفة دقيقة حول العالم هو إغفال الفرق الضروري بين معرفتنا الذاتية والموضوع الفعلي لتلك المعرفة. للوهلة الأولى، قد لا يبدو هذا شيئًا من السهل تغافله؛ مثالاً، ما تخبرنا به أعيننا عن قوس قزح وما هو عليه في الواقع هما شيئان مختلفان تمامًا. احتج كانط بأن فشلنا في فهم هذا الاختلاف كان متجاوزًا للحد وكانت له عواقب أكبر مما كان يعتقده أي شخص منا.
بالعودة لقوس قزح، قد يرى كانط بأن معظم الناس سيبررون الاختلاف بين الواقع ومعرفتنا قد نتج عن الفرق بين نطاق الألوان التي تدركها أعيننا وما ينتجه انكسار الضوء الذي يسبب هذه الظاهرة البصرية، وسيظلون يؤكدون أن الملاحظة الأكثر دقة يمكنها أن تجعلنا نتعرف على قوس قزح كما هو في حد ذاته، بصرف النظر عن مظهره. لكن كانط يؤكد أن هذا الفهم الشائع هو أصل ميلنا إلى الوقوع في خطأ عميق، ليس فقط حول طبيعة العالم، بل حول مبرراتنا في الإيمان بأنفسنا، وبالله، وبواجبنا تجاه الآخرين.
المشكلة هي أنه في حين أن حواسنا لا يمكنها إلا أن تكسبنا معرفة يمكن التحقق منها حول كيفية ظهور العالم في الزمان والمكان، إلا أن عقلنا يسعى دائمًا لمعرفة أكثر مما يمكن أن تُبديه المظاهر. هذا الميل العقلي لمعرفة المزيد دائمًا كان ومازال أمرًا نافعًا؛ فهو السبب وراء فضول الجنس البشري، واندفاعه إلى معرفة وإنجازات أكبر وأكثر. ولكن إن لم يكبح الإنسان هذا الميل باحترامه لحدوده وفهم ميوله الفطرية سيقع في معضلة التجاوز، فالعقل يمكن أن يقودنا إلى الخطأ والتعصب.
دعونا نعود إلى مثال التجربة التي تنبأت بقرارات القرود. ما تخبرنا به التجربة ليس سوى أن عملية صنع القرار تتحرك عبر الدماغ، وأن تقنيتنا مكنتنا من تتبع وقراءة هذا النشاط بشكل أسرع حتى قبل أن يتمكن دماغ القرد أن يضعه موضع التنفيذ. من تلك النتيجة البسيطة نسبيًا، يمكننا الآن أن نرى سلسلة غير مبررة من المعضلات الرئيسية التي ارتكبناها بأنفسنا. والسبب في ارتكابها هو أننا فسرنا بلا شك شيئًا غير معروف (كامتداد الوقت بما في ذلك المستقبل للإجراءات المترددة وغير المنفذة للقرود) إلى مشهد منتظم يحتاج فقط إلى فك ترميزه من أجل أن يُجرَّب. لقد تعاملنا مع المستقبل كما لو أنه قد حدث بالفعل وبالتالي كسلسلة من الأحداث التي يمكن قراءتها وسردها.
من منظور كانطي، بهذا الفعل البسيط سمحنا للعقل أن يتجاوز الحدود، ونتيجة لذلك وقعنا في الخطأ. فالخطأ الذي وقعنا فيه، على وجه التحديد، هو الاعتقاد بأن استكشافنا التجريبي للعالم وللدماغ البشري يمكن أن يقوض فكرة حرية الإنسان.
هذا هو السبب في أنه مهما بدا منطقهم «لا يقاوم»، فإن أيًا من تفسيرات جالين ستروسون لـ «الحجة الأساسية» للحتمية، والتي قدمها في ذا ستون The Stone الأسبوع الماضي، ليس لها أي تأثير على حرية الإنسان أو مسؤوليته. فوفقًا لهذا المنطق، يجب أن تكون المسؤولية وهمية، لأنه لكي يكون المرء مسؤولاً في أي وقت يجب أن يكون المُكلف الأخلاقي مسؤولاً أيضا عن كيف أصبح هو عليه في ذلك الوقت، مما يؤدي إلى تراجع لا نهائي للفكرة، لأنه لا يمكن للفرد في أي وقت أن يكون مسؤولاً عن جميع القوى الوراثية والثقافية التي أنتجته. لكن هذا المنطق ليس سوى نسخة فلسفية من “شفرة الشفرة”؛ فهو يفترض أن تاريخ مجموع القوى التي تحدد الفرد موجود ككتالوج يمكن فك ترميزه وقراءته.
ومع ذلك، ما يجب تأكيده هو أن هذا الكتالوج ليس مقروءًا من الناحية النظرية، لأنه أولاً يفترض نوعًا من المعرفة غير المقيدة بالزمان والمكان، ولافتراضه، ثانيًا، بأنه معروف وحاضر من كل منظور ممكن في كل لحظة حاسمة ممكنة في تاريخ المُكلف الأخلاقي وعصور ما قبل التاريخ. طبعًا، لا يمكن ان يكون هذا العارف سوى شيء على غرار ما تسميه التقاليد التوحيدية إله. لكن كما أوضح كانط، ليس من المنطقي التفكير في الأخلاق، أو المسؤولية، أو الحرية عند الحديث عن الإله؛ فلإتخاذ خيارات أخلاقية، ولتحمل مسؤوليتها، ولتقبل حرية الاختيار السيئ، كل هذا يتطلب على وجه التحديد كائنًا مقيدًا بحدٍ أدنى من الجهل الذي يحدد طبيعة معرفته.
بقدر ما ندين بطبيعة وجودنا الحالي للقوى التطورية التي اكتشفها داروين لأول مرة، أو للثقافات التي نشأنا فيها، أو للحالات الكيميائية التي تؤثر على عمليات أدمغتنا في أي لحظة، إلا أن كل ذلك لا يؤثر على حريتنا. أنا حر لأنه لا العلم ولا الدين يمكن أن يخبرني، على وجه اليقين، ما الذي سيكون عليه مستقبلي وما عليَّ أن أفعله حياله. وهكذا فإن القول المأثور الذي اقتبسه ستروسون من سارتر “أنا محكوم عليَّ بالحرية”، يجب ألا يُفهم خطأً على نحو أنني “محكوم” لأنني أستطيع اتخاذ الخيارات، بل أنا “محكوم” لأنني يجب أن أقرر، دائماً، حتى عندما أعتقد أنه ليس لدي خيار لأتخذه.
الكاتب: أستاذ بكرسي أندرو دبليو ميلون للعلوم الإنسانية بجامعة جونز هوبكنز. له كتاب بعنوان: “دفاعًا عن الاعتدال الديني”، من منشورات مطبعة جامعة كولومبيا، 2011م.
المترجم: كاتب ومترجم في فلسفة التقنية وتاريخها.
المُراجع: أستاذ جامعي في الأصول الفلسفية للتربية في جامعة الملك سعود. عضو مؤسس ورئيس مجلس إدارة جمعية الفلسفة السعودية. له عدة ترجمات ومؤلفات في الفلسفة من ضمنها كتابيّ فلسفة الآخرية و الفلسفة حين تنصت في الظلام.
The Limits of the Coded World
William Egginton
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
