2026-04-16

٢٢ يوليو ٢٠١٠
تذهب إلى مخبز في يوم عطلة قاصدًا شراء كعكة بآخر عشرة دولارات تتم بها الاستعدادات التي أنجزتها، لم يبقَ في المخبز غير شيء واحد، كعكة بعشرة دولارات.
وعلى باب المتجر رجلٌ يمد علبة معدنية (وهي علبة توضع فيها التبرعات)، تتوقف، ويتبدى لك بكل وضوح أنك تملك الخيار فيما ستفعله، يبدو أنك حرٌ حرية مطلقة لاختيار ما تفعله مما يحملك المسؤولية الأخلاقية لاختيارك، يمكنك وضع المال في العلبة أو الدخول لشراء الكعكة. أنت تملك الحرية المطلقة للاختيار في هذا الموقف، بل إنك لا تملك حرية عدم الاختيار (هذا ما تشعر به)، وبعبارة جان بول سارتر أنت “محكوم بالحرية”، لأنك تعي خياراتك تمامًا وتعجز عن الهرب من هذا الوعي، فلا سبيل لك إلى الخروج منه.
لعلك سمعت عن الحتمية، وهي النظرية القائلة إن كل ما يحدث في الكون خاضع لقانون سببي يحتم حدوثه بناء على ما سبقه من أحداث حتى الوصول إلى بداية الكون. ولعلك تؤمن بصحة الحتمية، (ولعلك تعرف أن العلم اليوم – على عكس ما هو شائع – لا يقدم أدلة تُثبت الحتمية أو تنفيها) فقد يخطر لك في هذه الحالة بينما أنت واقف على عتبة المخبز أنك ستنظر للموقف بعد خمس دقائق وتقول عن قرارك: “كان حتمًا عليّ فعل ما فعلت.” ولكن حتى لو آمنت بالحتمية دون شك فلا يبدو أنها تؤثر في إحساسك بأنك مسؤول أخلاقيًا عما ستفعله.
لعل في المثال الذي طرحته شيئًا من المبالغة ولكن مواجهة خيارات مثل هذه ليس أمرًا نادرًا، بل يتكرر في حياتنا اليومية ويثبت بما لا يدع مجالًا للشك أننا أحرار ومسؤولون عن أفعالنا مسؤولية أخلاقية، ولكن هناك حجة أدعوها “الحجة الأساسية” تبين استحالة أن نكون مسؤولين أخلاقيًا عن أفعالنا مسؤولية تامة، ووفقًا للحجة الأساسية لا فرق بين صواب الحتمية وبطلانها، فلسنا في كلتا الحالتين مسؤولين أخلاقيًا عن أفعالنا مسؤولية تامة.
تقول الحجة الأساسية:
والنقطة الأساسية هي النقطة رقم 3. لمَ يستحيل أن تكون مسؤولاً مسؤولية تامة عن تكوينك من أية ناحية من النواحي؟ وللإجابة عن هذا السؤال، لنتوسع في طرح الحجة قليلًا:
أ. من المعلوم أن تكوينك الأولي عائد إلى ميراثك الجيني وتجاربك المبكرة.
ب. من المعلوم استحالة تحميلك مسؤولية أي من هذه الأمور (سواء مسؤولية أخلاقية أو غيرها).
ج. ولكن لا يمكنك في أي مرحلة لاحقة من مراحل حياتك أن تكتسب مسؤولية أخلاقية لتكوينك عبر تغيير تكوينك الناشئ من جيناتك وتجاربك السابقة.
د. ولمَ لا؟ لأن الطرق المحددة التي تحاول بها تغيير نفسك والنجاح الذي ستحققه في تغييرها يعتمد على تكوينك الأصلي الناشئ من جيناتك وتجاربك السابقة.
هـ. ثم إن أي تغييرات لاحقة تنجح في إجرائها بعد التغييرات الأولية ستستند إلى التغييرات الأولية وبالتالي على جيناتك وتجاربك السابقة.
قد توجد عوامل أخرى تؤثر عليك وتغيرك، وقد تكون الحتمية باطلة: فربما حصلت بعض التغيرات في تكوينك نتيجة لعوامل غير حتمية أو عشوائية ولكن لا شك في استحالة تحميلك مسؤولية آثار العوامل العشوائية، وبالتالي استحالة تحميلك مسؤولية أخلاقية تامة عن تكوينك.
يرى بعض الناس أن ميكانيكا الكم تثبت بطلان الحتمية وتمنحنا بذلك أملًا في أن نكون مسؤولين مسؤولية تامة عما نفعله، ولكن حتى لو أثبتت ميكانيكا الكم بطلان الحتمية (وهي لم تفعل)، سيبقى السؤال: كيف يمكن أن تجعلك اللاحتمية أو العشوائية الموضوعية مسؤولًا عن أفعالك؟ والإجابة على هذا السؤال سهلة: لا يمكنها ذلك.
ومع ذلك ما نزال نشعر أننا أحرار في أفعالنا حرية تجعلنا مسؤولين عما نفعل، لذا سأختم بنسخة ثالثة أقوى من “الحجة الأساسية” تثبت استحالة هذا الأمر.
هل تمنعني هذه الحجة من الشعور بالمسؤولية الأخلاقية تجاه أفعالي؟ لا. هل تمنعك أنت من الشعور بالمسؤولية الأخلاقية؟ لا أعتقد ذلك. هل يفترض بها أن تمنعنا؟ لا أظن أن ذلك حسن، لكن من الصعب مقاومة المنطق. إلا أن شعورنا بالمسؤولية الأخلاقية تجاه أفعالنا يستمر، كما لو أننا خلقنا أنفسنا أو كنا “علة ذاتنا”، ولعل فلسفة نيتشه تديننا عندما قال:
إن فكرة “علة ذاته” هي أفضل تناقض ذاتي تصوره الإنسان، فهي نوع من الغصب والشذوذ المنطقي، ولكن كبرياء الإنسان بلغ به مبلغًا حد توريط نفسه في هذا اللغو، والحق أن الرغبة في “حرية الإرادة” بالمعنى الميتافيزيقي المسرف الذي لا يزال سائدًا لدى أنصاف المتعلمين للأسف، والرغبة في تحمل المسؤولية التامة لأفعال الإنسان ورفعها عن الله والعالم والأجداد والصدفة، ليست أقل من أن يكون الإنسان بالتحديد “علة ذاته” وأن يملك جرأة تفوق جرأة البارون مونشهاوزن[1] فيأخذ نفسه من ناصيتها ويسحبها من مستنقع العدم إلى الوجود. . . (نيتشه، ما وراء الخير والشر، 1886).
هل من إجابة؟ لا أملك جوابًا أحسن من جواب الروائي إيان ماك إيوان Ian McEwan الذي كتب لي: “لا أرى انفصالًا ضروريًا بين انعدام الإرادة الحرة (تبدو لي حجتك قوية) وتحمل المسؤولية الأخلاقية، والجواب يكمن في (المُلْكية)، فماضيّ وبداياتي وتصوراتي ملكي أنا، ومثلما أتحمل المسؤولية لو عض كلبي أو طفلي إنسانًا، أو انحدرت سيارتي من التل مسببة أذى، فإني أتحمل المسؤولية كاملة عن “سفينة وجودي” حتى لو لم أملك السيطرة على مجراها، فشعورنا هذا “بامتلاكنا” للوعي هو ما يجعلنا نشعر بالمسؤولية عنه.”
[1] بطل مجموعة قصصية، تقول القصة التي يشير إليها هنا أنه وقع يومًا عن جواده في مستنقع، فأمسك بشعره وأنقذ نفسه من الغرق. (المترجمة)
المترجم: أستاذ فلسفة في جامعة ريدينغ، وزائر منتظم لبرنامج الفلسفة في مركز الدراسات العليا بجامعة مدينة نيويورك. وهو مؤلف كتاب «الذوات: مقالة في الميتافيزيقا المراجِعة» (أكسفورد: مطبعة كلارندون، 2009) إلى جانب كتب أخرى.
المُترجمة: حاصلة على ماجستير في دراسات الترجمة من جامعة أدنبرة، متخصصة في ترجمة النصوص الفلسفية، وعضوة في جمعية الفلسفة.
المراجع: فيلسوف، عضو جمعية الفلسفة السعودية، من مؤلفاته: ١- الفلسفة بين الفن والأيدلوجيا، ٢- قراءات في الخطاب الفلسفي، ٣- الوجود والوعي، ٤- الهرمنيوطيقا (ترجمة).
Your Move: The Maze of Free Will
Galen Strawson
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
