2025-12-21

٩ أكتوبر ٢٠١٧
الأشخاص الذين يعيشون في مناطق ذات كثافة سكانية عالية يعرفون تمام المعرفة ما يُعرف بالقصف الحسي: ذلك التلوث المستمرّ بالضوء والضوضاء الذي أصبح يميّز وبشكل علمي البيئة الحضارية. مع مرور الوقت، يعتاد معظم سكّان المدن على هذا التحفيز المكثّف إلى حدّ أنهم يكفون عن ملاحظته. ويمكن القول إن عتباتهم الإدراكية ترتفع.
ومع ذلك، يرى آخرون ضرورة إقامة سدّ في وجه هذا التلوث الحسي. ففي ولاية أيداهو، حيث لا يزال جزءٌ كبير من الأرض والسماء العذراء قائماً، يقترح المسؤولون إنشاء أول “محمية للسماء المظلمة” في الولايات المتحدة (مع العلم أنّ بعض المناطق الأصغر معتمد أصلاً كمتنزهات أو ملاذات للسماء المظلمة). وإذا تمت الموافقة على المقترح، فسيُفرض تقنين صارم لاستخدام الإضاءة الاصطناعية للحفاظ على الشروط الفريدة التي تجعل سُحُب الغبار بين النجوم في درب التبانة مرئية فوق أيداهو الوسطى في الليالي الصافية.
بالطبع، ليس البصر والسمع وحدهما عرضةً للتلوث؛ بل الشم والتذوق كذلك. فكما يجعل وهج أضواء المدن النجوم المتلألئة تتوارى عن الأنظار، كذلك تمنع الأطعمة المشبّعة بالسكر والملح الحاسة من تذوق النكهات الأدقّ، ويمكن للروائح القوية أيضًا أن تُربك سجلّنا الشميّ وتغمره.
حتى حاسةُ اللمس، التي درج الفلاسفة منذ أرسطو على معاملتها على نحوٍ مغاير لما يسمّى “بالحواس البعيدة”، يمكن أن تتعرض للاختلال. تأمّل أننا نضيّق تضييقاً شديداً مجالَ ما يمكن أو ينبغي لمسه، إذ نقضي الكثير من وقتنا نداعب الأجسام الزجاجية الملساء لهواتفنا وشاشاتها اللمسية. ويبقى أن نرى (أو نلمس!) ما الذي قد تفعله هذه الظاهرة بحاسّة اللمس لدينا.
لا أقصد تصوير مجمل حواسنا – أي مجموع نطاق خبرتنا الحسيّة وقدرتها—كحالة نقيّة شوّهها تلوث الضوء والضجيج والنكهة والرائحة؛ فذلك لن يكون سوى نسخة أخرى من سردية الخطيئة الأولى والسقوط من الجنة. بدلاّ من ذلك، أرى أننا جعلنا الحواس تنقلب على نفسها حين وضعنا ضوءاً طاغياً في في مواجهة الأضواء، وصوتاً جارفاً في مواجهة الأصوات، ونكهة حادة في مواجهة النكهات، ورائحة نافذة في مواجهة الروائح. وفي كل حالة تكون النتيجة تبسيطاً حاداً في مجال الخبرات الممكنة— إذا يطغى محفّز أو محفّزان فيُسطعان على باقي الحواس، ويفوحان فوقها، ويعلوانها صخباً. وهكذا نصبح عرضة لا لفرط حسيّ بل لقلةٍ حسيّة: حين تُزاحم إحساسات بالغةُ القوّة ما سواها من إحساساتٍ أضعف مطالبةً بانتباهنا إلى العالم فتُقصيها.
مأزقنا العجيب أننا نُفقِر أنفسنا بما نزداد منه.
في الواقع، إن قابلية حواسّنا للتلقّي، المنفتحة إمّا على أدقّ التمييزات وإمّا على قصفٍ من أفدح المُحفّزات، هي نفسها ما يحوّلها إلى وعاء، إلى سلة مهملات للتجربة الحسيّة. شيئاً فشيئاً، يصير مُدخلُ حواسنا قمامة، حين يؤدّي الإفراطُ في شيءٍ إلى التفريط في آخر، أي إلى انكماش مجالِ ما تتلقّاه أجسادُنا، على نحوٍ ذي معنى، من العالم الخارجي. ومصطلح “الوجبات الضارة” “Junk Food” يؤكّد منطقَ التلوث هذا: فالحضور الطاغي للسكر والملح في تلك الأطعمة يعتدي يعتدي على الحس ويحجب سائر النكهات الأخرى. وكذلك ينشأ تلوث الضوء والصوت والرائحة من تفريغاتٍ هائلةٍ تُلقي على جميع من يقع في جوارها، على كل جسدٍ مُحسٍّ يُعاد تشكيله ليغدو مكباًّ حيًّا يتنفس لما يُلقى فيه.
كما في مكبّات النفايات، تنهال علينا المحفزات بشكل عشوائي ومفاجئ، فلا ينجو من الهجمة سوى قليلٍ من الفروق الأساسية بين الحلو والمالح، والصاخب والهادئ، والمضيء والمعتم، والعابق والخالي من الرائحة. وكلُّ ما هو دقيق ولطيف إما يغدو متعذّر الإدراك، وإما يبلغنا على شكل مادة صرفة منزوعة الشكل: قطعة غير متسقة أو كتلة غليظة، تماماً على مثال الجذر الاشتقاقي لكلمة “مكب” “dump”.
من المهم أن نتذكر أن مثل هذه التأملات ليست مجرد تذمّر جمالي، بل إنها تمسّ قضايا الصحة العامة مباشرة. فالأمراض التي يسبّبها تلوّث الضوضاء والضوء، من الأرق والاكتئاب إلى ارتفاع ضغط الدم والأمراض الإقفارية (نقص التروية)، تنتقص من عافيتنا وتضيّق نطاق إمكانات الجسد. كما أن الحالات الناجمة عن الأطعمة المصنّعة تؤدي إلى اعتلال الصحة وتدني جودة الحياة وهدر موارد هائلة لمعالجتها. كل هذا يترتب على إفقار الحواس من خلال تثبيط زائد يحد من وعينا ويصغّر مجال الخبرة ذاتها.
هناك عامل اجتماعي واقتصادي في النزعة التي أصفها أيضًا. فبعضنا قد يكون محظوظًا بما يكفي ليلتمس ملاذاً من “المكبّ” الداخلي والخارجي، سواءٌ في هدوء دروس التأمل أو في لذائذ المطابخ الراقية. غير أن هذه الحلول المتخصّصة، المعتمِدة على سوق فاخر لتجارب الحياة، تكاد لا تغيّر شيئاً من المعنى المُعاش لإنسانيتنا في القرن الحادي والعشرين—أي معنى أن نكون مُلقى علينا، أو مُلقى بنا في مكبٍّ دائم.
بدلًا من البحث عن مخارج فردية للهروب، يجب أن نعترف على نحو كامل باتساع مكبّنا الكوكبي والوجودي، وبما آل إليه أمرنا من كتلةٍ حيوية صرنا جميعاً جزءاً منها. وقد يكون مثل هذا الحساب، على صعوبته، بداية العمل الشاق الذي تحتاجه الإنسانية بشدة: صياغة تضامن أعمق مع بيئتنا الطبيعية وكافة أشكال ما تبقّى من الحياة، البشرية منها وغير البشرية.
الكاتب: أستاذ بحث في الفلسفة بجامعة إقليم الباسك في إسبانيا، وأستاذ عام في معهد العلوم الإنسانية بجامعة دييغو بورتاليس في تشيلي. أحدث كتبه هو “أحلام الطاقة: عن الواقعية” “Energy Dreams: Of Actuality”.
المترجمة: أستاذة مساعدة في الأدب الإنجليزي في كلية الجبيل الصناعية. عضوة في جمعية الفلسفة، ونشرت لها الجمعية عدة ترجمات.
المترجم: مؤلف ومترجم سعودي.
Our Polluted Senses
Michael Marder
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
