2024-04-02
محمد بن ماضي ابن فليان
السير آرثر ستانلي إدنجتون عالم فلك ورياضي وفيزيائي اشتهر بإثباته للنظرية النسبية العامة عند إنشتاين. له كتاب رائع بعنوان “طبيعة العالم الفيزيائي”[i] هذا الكتاب في الأصل كان مجموعة من المحاضرات التي ألقاها في جامعة إدنبرة في الفترة ما بين يناير وحتى مارس عام 1927 م. وعالج في هذه المحاضرات التداعيات العظيمة في الأفكار العلمية التي أحدثتها نظرية النسبية ونظرية الكوانتم.
ما يعنيني هنا هو عرض التميز الذي قدّم به كتابه بين نوعين مختلفين من الماهية ملازمة لكل شيء في عالمنا، وهما الماهية الفينومينولوجية، والماهية العلمية.
يقول إدنجتون في مقدمة كتابه الرائع هذا: ” كنت قد عزمت على أخذ مهمة كتابة هذه المحاضرات على عاتقي وسحبت كرسييّ الاثنين إلى طاولتي الاثنتين. نعم؛ هناك نسختان من كل شيء يخصني- طاولتان وكرسيان وقلمان.”(صـ١٩) ثم أخذ في وصف طاولتيه، فذكر أن الطاولة الأولى كانت مألوفة لديه منذ سنواته المبكرة، وذلك بوصفها شيئاً معتاداً في المحيط الذي كان يوجد فيه والذي كان يشكل العالم بالنسبة له. وهي طاولة لها امتداد، وتتميز بديمومة نسبية، ولها لون، وهيكل مادي سواء كان من حديد أو خشب أو غيره من المواد؛ أي أن لها طبيعة داخلية مادية، أي طبيعتها ليست كالفضاء والمكان مجرد خواء، وليست كالزمن الذي لا يعرف ماهيته إلا السماء بحسب تعبيره. هذه الطاولة هي ما يظهر لوعينا إما من خلال إدراك حدسي مباشر، أو بواسطة تذكر لها، وهذه الطاولة قد تكون موضوع حب أو كره، أو غير ذلك من أفعال الوعي المختلفة؛ أي أنها الطاولة بحسب بالماهية الفينومينولوجية التي نعرفها جميعاً من خلال خبرتنا اليومية، وهي ذات الماهية التي عرفها الإنسان منذ انكشاف وعيه على هذا العالم.
ما هي إذن الطاولة الثانية؟ يجيب إدنجتون بأنها الطاولة العلمية؛ والتي لم تصبح معروفة إلا في وقت أحدث، ثم يذكر أنه لم يألفها بشكل كبير؛ ذلك أنها لا تنتمي للعالم المألوف الذي عرف فيه طاولته الأولى تامة المادية. فهل طاولته الثانية غير مادية؟ يستطرد إدنجتون موضحاً سبب عدم إلفه لهذه الطاولة العلمية بأن غالبية تكوينها فراغ. وهذا الفراغ مكون من شحنات كهربائية عديدة متناثرة ومتفرقة تندفع بسرعة عظيمة؛ لكن كتلتها مجتمعة أقل من واحد على بليون من كتلة الطاولة نفسها – أي الطاولة المادية الأولى أو الطاولة بماهيتها الفينومينولوجية- ومع ذلك فقد تبين أن هذا التركيب الغريب هو لطاولة فعالة تماماً، يمكنه أن يضع أوراقه عليها ويكتب عليها. هذه الأوراق التي تشكل كل ورقة فيها ورقتين بنفس القدر الذي شكلت فيه الطاولة طاولتين والكرسي كرسيين والقلم قلمين. وكل شيء في عالمنا بما فيه أجسادنا يمكن فهمه بواسطة تلك الماهيتين المختلفتين، الماهية الفينومينولوجية المألوفة، وتلك الماهية العلمية التي يشكل الفراغ أغلبها.
أي أن هذا الكون العظيم الذي يفيض عن أبصارنا، ويملأ خيالنا بالدهشة والجمال، ويسكن عواطفنا بالرهبة والجلال، هو في أغلبه فراغاً بحسب الماهية العلمية له. ولكن أين ذهب هذا الفرق الهائل بين الكتلتين، أي كتلة الطاولة المادية والطاولة العلمية؟ هل ثمة مفهومان مختلفان من الكتلة كذلك؟
على الرغم من هذا التركيب الكهربي الغريب للطاولة إلا أنها طاولة فعالة تماماً. يستطرد إدنجتون قائلاً: ” إنها تدعم ورقتي التي أكتب فيها على نحو كافٍ ومشابه للطاولة رقم 1؛ بحيث إنني عندما أضع ورقتي عليها تواصل الجسيمات الكهربية الصغيرة بسرعاتها المتهورة ضرب السطح التحتي، ونتيجة ذلك تبقى تلك الورقة في مستوى ثابت تقريباً بنمط يشبه ذلك الذي لكرة الريشة. إذا ما ملت على هذه الطاولة فإنني لن أمر من خلالها؛ أو، على وجه الدقة فرصة أن يعبر مرفقي العلمي من خلال الطاولة العلمية صغيرة جداً للغاية، بحيث يمكن تجاهلها في الحياة العلمية. بمراجعة خصائصهما الواحدة تلو الأخرى، فلا يبدو أن هناك سبباً للاختيار من بين الطاولتين للأغراض العادية؛ لكن عندما تحدث وقائع غير طبيعية، قد تظهر الطاولة العلمية حينها تميزاً. إذا ما أضرمت النيران في المنزل سوف تتبخر طاولتي العملية تماماً بشكل طبيعي إلى دخان علمي، بينما تقوم طاولتي المألوفة بتحول في طبيعتها المادية، لا يمكنني أعتبره إلا إعجازاً.”(صـ٢٠-٢١).
لا يوجد شيء مادي في طاولة إدنجتون العلمية كما يؤكد هو على ذلك، فكلها تقريباً فضاء فارغ تتخلله مجالات قوى لا تحسب في صنف الأشياء وإنما في صنف المؤثرات. هذا الفراغ والقوى المؤثرة ينسحب كذلك على الأجزاء متناهية الصغر في تلك الطاولة؛ هذه الأجزاء الصغيرة – أي الذرات – التي أبقت لنا على النسبة الضئيلة من كتلة الطاولة المادية؛ لذلك لا يجب أن ننقل المفهوم القديم للمادة لها؛ هذا المفهوم الذي أصبح غير موجود تماماً بعد أن تم تشريح المادة وبلوغ مكونها من الشحنات الكهربائية.
إن المادة هي واحدة من أعظم توهماتنا. في عالم الفيزياء يقول إدنجتون: نطالع عرض خيال ظل الدراما في الحياة المألوفة. يستقر ظل مرفقي على ظل الطاولة بينما يتدفق ظل الحبر على ظل الورقة. كل شيء رمزي والفيزيائي يتركها كرموز. ثم يأتي العقل الخيميائي – أي العقل الفينومينولوجي- فيحول الرموز لتصبح أنوية القوة الكهربائية المتناثرة المنتشرة صلباً ملموساً؛ فيصبح اختلاجها الذي لا يستقر دفء الصيف، ويصبح أوكتاف الذبذبات الأثيرية قوس قزح براق. ولا يتوقف الخيميائي عند هذا الحد؛ ففي هذا العالم الذي أنجز تحويله تظهر دلالات جديدة يصبح معها العالم عالم الجمال والغاية والأسف والمعاناة والشر كذلك.
[i] سير آرثر ستانلي إدنجتون (2018). طبيعة العالم الفيزيائي. ترجمة أحمد سمير سعد. آفاق للنشر والتوزيع.
