2025-09-11

٥ أكتوبر ٢٠١٥
أفكر كثيراً في الفن، ربما أكثر من غيري، كوني فيلسوفًا يعمل على الإدراك والوعي، ومعلمًا وكاتبًا أيضًا، فهو جزء من عملي، ولكنه من هواياتي أيضاً. إن محاولة فهم الفن فهمًا أعمق – كيف يعمل، ولماذا يهمنا وما يمكن أن يكشفه عن أنفسنا – هي واحدة من أعظم التحديات التي نواجهها، لكنها أيضًا من أكثرها نفعًا، ولكنها في بعض الأحيان تبدو بلا نهاية، لأن الفن نفسه قد يكون عصيًا على الفهم، وكذلك مسألة كيفية التعامل معه، فهل من طريقة للتفكير في الفن تقربنا من فهم طبيعته الجوهرية وطبيعتنا؟
في هذه الأيام، كما ناقشت هنا من قبل، تسود نزعة تحاول الإجابة على هذه الأسئلة من خلال علم الأعصاب، أما أنا فأوصي باتباع نهج مختلف، ليس لأنني لا أرى ضرورة استكشاف الروابط بين الفن وطبيعتنا البيولوجية، لكن المشكلة أن علم الأعصاب لم يقدم بعد تصوراً مناسباً لطبيعتنا البشرية، فعبثًا تبحث في كتابات علماء الأعصاب عن تفسيرٍ مقنعٍ للتجربة أو الوعي، ولهذا السبب، أعتقد أننا لا نستطيع الاستناد لعلم الأعصاب لفهم الفن ومكانته في حياتنا، بل لعلّ الأمر -إذا أصبت- يسير في الاتجاه المعاكس: يمكن أن يساعدنا الفن على تكوين صورة أوضح لطبيعتنا البشرية.
لعلّ هذا أحد مصادر القيمة الدائمة للفن، فالفن وسيلة نتعرف بها على أنفسنا، والأعمال الفنية أدوات، جُعلت غريبة، وغرابتها مصدر قوتها.
سوف أبدأ بأمرين مألوفين، أولاً، يصنع الفنانون الأشياء، الصور والمنحوتات والعروض والأغاني، لطالما ارتبط الفن بالصناعة والحرف، وبالتجريب والتصنع. ثانياً، وأعتقد أن هذا لا يقل بداهة، يندر أن يكون مقياس الفن ومصدر قيمته في جودة صناعته أو مدى كفاءته في أداء هذه الوظيفة أو تلك، فبخلاف التكنولوجيا البحتة، لا يشترط في الفن أن “يؤدي وظيفة” ليكون جيداً.
لا أنكر أن الفنانين أحياناً يصنعون أشياء تنجح في “أداء وظيفتها”، على سبيل المثال، لوحة ليوناردو لعشيقة الدوق لودوفيكو المراهقة، “السيدة ذات القاقم”[1]، “تؤدي وظيفتها” بشكل جيد، بمعنى أنها تظهرها، ويمكن قول الشيء نفسه عن صورة على أحد مواقع التسوق، فهي تظهر السترة وتتيح لك أن تقرر ما إذا كنت تريد طلبها أم لا، ما أريد قوله هو أن قيمة العمل الفني لا تتلخص أبداً في هذا النوع من الأداء الوظيفي.
لماذا يصنع الفنانون الأشياء إذا كانت معايير النجاح أو الفشل المألوفة في مجال الصناعة لا تصلح حكمًا في ميدان الفن؟ لماذا يميل الفنانون إلى صنع الأشياء؟ بأية غاية؟
فرضيتي هي أن الفنانين لا يصنعون الأشياء لأن ما يصنعونه مميز في حد ذاته، بل لأن فعل الصنع في ذاته يميزنا، فأنشطة الصنع – أو التقنية باختصار – تشكلنا كنوع، يصنع الفنانون الأشياء لأنهم بفعلهم هذا يكشفون أمرًا عميقاً وجوهريًا في طبيعتنا، بل عن طبيعتنا البيولوجية.
أحد الأسباب التي تجعلني متحفظًا تجاه نهج علم الأعصاب هو أنه مفرط في الفردانية، ومنشغل جداً بما يدور داخل الرأس، إلى حدٍ يعجز معه عن فهم الطريقة التي تساهم بها الأنشطة الاجتماعية، من صنعٍ وفعلٍ، في تكويننا على هذا النحو.
أعتقد أن البشر كائناتٌ مصمِّمةٌ بطبيعتها، فنحن صانعون ومستهلكون للتقنيات، من السكاكين والملابس والمساكن، إلى اللغة والصور والبريد الإلكتروني والسفر الجوي ووسائل التواصل الاجتماعي، فالأدوات والتقنيات تنظمنا، على المستوى الفردي – تأمل كيف تُشكل الكراسي ومقابض الأبواب هيئة جسدك وحركتك، وعلى المستوى الجماعي – تأمل كيف غيّر الهاتف أو البريد الإلكتروني طريقة تواصلنا، والتقنيات تحل المشكلات، لكنها تتيح لنا أيضاً صياغة مشكلات جديدة، فلولا الرموز الرياضية، لما وجدت الرياضيات المتقدمة، إن أدوات مثل المجرفة تمدد أجسادنا، وأدوات مثل الكتابة توسع عقولنا.
تنظمنا التقنية، لكنها لا تفعل ذلك إلا بقدر ما تكون جزءً لا يتجزأ من حياتنا، وهذه فكرة محورية، خذ مقبض الباب على سبيل المثال، تقنية بسيطة، نعم، ولكنها تفترض خلفية اجتماعية واسعة ومدهشة، فمقابض الأبواب لا تُفهم إلا في سياق شكل كامل من أشكال الحياة، بل منظومة بيولوجية كاملة، وجود الأبواب، والمباني، والممرات، وجسم الإنسان، واليد، وما إلى ذلك، فمصمم مقابض الأبواب يصنع أداة بسيطة، لكنه يفعل ذلك مع مراعاة تشابكها مع هذا الإطار المعرفي والأنثروبولوجي الأوسع.
عندما تمشي إلى الباب، لا تتوقف لتفقّد مقبض؛ بل تعبر ببساطة، فمقابض الأبواب لا تربكنا، وذلك لأننا قادرون على التسليم بكل ما تفترضه – بالممارسة الكامنة في الخلفية الثقافية – دون تفكير، فلو كانت هذه الممارسة الثقافية غريبة علينا، لو لم نفهم جسم الإنسان أو أن البشر يعيشون في مبانٍ، لو كنا كائنات فضائية من كوكب آخر، لبدت لنا مقابض الأبواب غريبة ومحيرة للغاية.
وهذا يقودنا إلى الفن، فيتوقف التصميم – وهو مجال التقنية – ويبدأ الفن حين نعجز عن التسليم بالخلفية الثقافية لتقنياتنا وأنشطتنا المألوفة، حين لا نعود قادرين على التسليم بما هو في الواقع، شرط مسبق للفهم الذي يبدو طبيعياً جداً لأشياء مثل مقابض الأبواب والصور والكلمات والأصوات، فعندما نتحدث ، لا أهتم بالأصوات التي تصدرها؛ لغتك نافذة شفافة ألقاك من خلالها. والتصميم، على الأقل عندما يكون مثالياً، يكون شفافاً بهذه الطريقة تماماً، يختفي عن الأنظار ويندمج في وظيفته، فأنت حين تطالع الصورة الرقمية للقميص على الموقع، تنظر للقميص، ولا تتأمل صورته.
أما الفن، فعلى العكس من ذلك، يجعل الأشياء غريبة، إنك تتأمل الصورة عندما تنظر إلى تصوير ليوناردو للسيدة ذات القاقم، وقد تلاحظ مثلًا يدها الرجولية الضخمة بشكل غريب وتتساءل لماذا يلفت ليوناردو انتباهنا إلى هذا التفصيل في جسد الشابة الجميلة؟ الفن يربك النظرة العادية، ويفعل ذلك عن قصد، وبفعله هذا، يكشف ما كانت النظرة العادية تحجبه.
يكشف الفن لنا أنفسنا، فهو من أنشطة الصنع، لأننا بطبيعتنا وثقافتنا كائنات تنظمها أفعال الصنع، العمل الفني أداة غريبة؛ إنها أداة أجنبية عنا تتيح لنا الفرصة لإظهار كل ما كان مخفياً، وإذا كنت على حق، فالفن ليس ظاهرة ينبغي تفسيرها، لا بعلم الأعصاب، ولا بالفلسفة، بل هو في حد ذاته ممارسة بحثية، وطريقة لاستكشاف العالم واستكشاف أنفسنا، إنه يعرضنا على أنفسنا، بل ويعيد تشكيلنا، من خلال إرباك أنشطتنا المعتادة في الفعل والصنع.
[1] القَاقُم أو القَاقُوم هو حيوان يتبع جنس ابن عرس، ويستوطن أوراسيا وأمريكا الشمالية.
الكاتب: فيلسوف في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، وهو مؤلف كتاب أدوات غريبة: الفن والطبيعة البشرية، وهو أحدث أعماله.
المترجم: كاتب ومترجم سعودي.
المراجعة: مترجمة حاصلة على ماجستير في دراسات الترجمة من جامعة أدنبرة، متخصصة في ترجمة النصوص الفلسفية، وعضوة في جمعية الفلسفة.
What Art Unveils
Alva Noë
“الآراء والأفكار الواردة في المجلة/المقال تمثل وجهة نظر المؤلف فقط”
